آذار/مارس 15
   
  •  
  •     مُنحت جائزة البنك المركزي السويدي في العلوم الاقتصادية تخليدًا لذكرى ألفريد نوبل لعام 2024 (يُحب الاقتصاديون الإشارة إليها على أنها جائزة نوبل خالصة - وهي ليست كذلك) إلى دارون عاصم أوغلو، وسيمون جونسون، وجيمس روبنسون(1). ووفقًا للبيان الصحفي، مُنحت الجائزة لمساعدتنا على "فهم الاختلافات في الرخاء بين الدول"(2).  يشتهر عاصم أوغلو وروبنسون على وجه الخصوص بكتابهما الأكثر مبيعًا لماذا تفشل الأمم (3) ─ لماذا تزدهر بعض الدول الفقيرة بينما تفشل دول أخرى وتظل فقيرة. الموضوع الأساسي [للكتاب] هو أن التنمية تعتمد في المقام الأول على ما إذا كانت المؤسسات الوطنية لديها مؤسسات "شاملة inclusive" أو "استخراجية   extractivist".  وقد أثارت الجائزة الكثير من التعليقات النقدية. على سبيل المثل، نشرت صحيفة فايننشال تايمز مقالًا بعنوان "جائزة نوبل للتفسير الاقتصادي"(4).
  • تقدم هذه المقالة مناقشة أعمق [لأطروحة المؤلفين]. فرغم أهمية العوامل التي ناقشها عاصم أوغلو وروبنسون، إلا أنها ليست العوامل الرئيسية التي تُحدد ما إذا كانت الدول ستتطور أم ستبقى فقيرة.  إن الأسباب الرئيسية تكمن في الطبيعة الاستغلالية للاقتصاد العالمي، وفي نظام السوق المُسلّم به ومفهوم "التنمية"، والإجراءات المُتخذة للحفاظ على هذه العوامل. تُعدّ هذه العوامل أساسية في النظرية والممارسة الاقتصادية الرأسمالية، وتُعطي انطباعًا بعدم وجود مفهوم أو نهج آخر للتنمية. ستعرض المقالة آثارها السلبية على التنمية، وتُقدّم رؤية ونهجًا بديلين.  وتُظهر هذه الحالة الطبيعة الأيديولوجية للنظرية الاقتصادية التقليدية، وكيف تُولّد تفسيرات وتبريرات مُثيرة للجدل.
  • التفسير المقدم في كتاب (لماذا تفشل الأمم) يتعلق بمدى امتلاك الأمم لمؤسسات سياسية وقانونية واجتماعية وما إلى ذلك التي تُسهّل التنمية (التقليدية) وتُشجعها. وكما ذُكر سابقًا، يُميّز نوعان أساسيان من أنظمة التنمية الوطنية.  الأول، المسمى "الشامل"، يتميز بالمؤسسات التي تُقدّم مكافآت وأمانًا للابتكار والاستثمار، مثل حماية براءات الاختراع، والأنظمة القانونية لتسوية النزاعات، وحرية الاستثمار(5). والثاني، المسمى "الاستخراجي"، لأن المؤسسات مُصمّمة لاستخراج الدخل والثروة من فئة فرعية واحدة من المجتمع لصالح فئة فرعية مختلفة. وتتمثل أطروحة الكتاب في أن "قدرة المؤسسات الاقتصادية على تسخير إمكانات الأسواق الشاملة، وتشجيع الابتكار التكنولوجي، والاستثمار في الموارد البشرية، وتعبئة مواهب ومهارات عدد كبير من الأفراد أمر بالغ الأهمية للنمو الاقتصادي. ويشكّل تفسير سبب فشل العديد من المؤسسات الاقتصادية في تحقيق هذه الأهداف البسيطة الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب"(6).  "إن عدم المساواة العالمية اليوم موجودة لأن بعض الدول تمكنت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين من الاستفادة من الثورة الصناعية والتقنيات وأساليب التنظيم التي جلبتها بينما عجزت دول أخرى عن القيام بذلك"(7).
  • يُفسح الكتاب المجال للنقاش ضد النظريات البديلة. على سبيل المثل، "... ليست الجغرافيا أو الثقافة أو جهل المواطنين أو السياسيين هي ما يُبقي الكونغو فقيرًا، بل مؤسساته الاقتصادية الاستخراجية.  لا تزال هذه المؤسسات قائمة بعد كل هذه القرون لأن السلطة السياسية لا تزال مُركزة بشكل ضيق في أيدي نخبة لا تملك حافزًا يُذكر لفرض حقوق ملكية آمنة للشعب، أو لتوفير الخدمات العامة الأساسية التي من شأنها تحسين نوعية الحياة، أو لتشجيع التقدم الاقتصادي. بل إن مصالحها هي استخراج الدخل والحفاظ على سلطتها"(8).
  • ويجري توضيح هذه الأطروحة بشكلٍ مُفصَّل، على مدار 540 صفحة، من خلال كمٍّ وافرٍ من الأدلة ودراسات الحالة، التي يتعمق معظمها في تفاصيل تاريخ العديد من الأمم. الكتاب واضحٌ وجيدُ الصياغة، مُزوَّدٌ بمراجعَ مُكثَّفة، وغنيٌّ بالمعلومات، وسهلُ الفهمِ للعامة.
  • ما المشكلة إذًا؟  ليس أن الكتاب يُجادل فيما يبدو نتيجة بديهية، وهي نتيجة لا تتميز بالفرادة أو الريادة، ناهيك عن كونها جديرة بجائزة نوبل. المشكلة هي أنه لا يُشير إطلاقًا إلى الأسباب الجوهرية لفشل الأمم، وأسباب بقاء مليارات البشر "فقراء" ويعيشون في ظروف مُزرية لا تُغتفر.  فالكتاب يُركّز على بعض العوامل ذات الصلة، دون العوامل الرئيسية، ويُخطئُ في تحديد أهميتها السببية.
  •  
  • تأمل هذه العبارات:
  • "الفروقات الكبيرة في عدم المساواة العالمية واضحة للجميع... فهمُ أسباب هذه الاختلافات وأسبابها هو محور تركيزنا في هذا الكتاب"(9).
  • "السبب الأكثر شيوعًا لفشل الدول اليوم هو وجود مؤسسات استخراجية"(10)
  • "المؤسسات الاقتصادية والسياسية الاستخراجية،...، هي دائمًا أساس هذا الفشل... في جميع هذه الحالات، يكمن أساس هذه المؤسسات في نخبة تُصمّم مؤسسات اقتصادية لإثراء نفسها وترسيخ سلطتها على حساب الغالبية العظمى من أفراد المجتمع"(11).
  • تشرح هذه النظرية "... المعالم الرئيسية للتنمية الاقتصادية والسياسية في جميع أنحاء العالم منذ الثورة الزراعية"(12).
  • توضح هذه العبارات أنه يجري تشخيص آلية سببية، وأنها تتموضع داخل البلدان الفقيرة. وفي العديد من الحالات التي نوقشت، من الصحيح تمامًا أن الظروف غير مواتية للتنمية وما إلى ذلك.  لكن التفسير يتوقف عند هذا الحد، وبالتالي فهو مُضلّل للغاية. إذ لا توجد أي إشارة إلى سبب وجود هذه الآليات، ومن يحافظ عليها، ومن هم المستفيدون النهائيون والرئيسيون منها.  السبب الرئيسي لكون نصف سكان العالم على الأقل فقراء هو أن النظام الاقتصادي العالمي قد أنشأ مؤسسات "استخراجية" ويحافظ عليها، بهدف استنزاف تريليونات الدولارات من ثروات الموارد من البلدان الفقيرة كل عام.  إنه النظام العالمي الذي يمنعهم من الإفلات من هذا المصير. وتؤيد النظرية الاقتصادية التقليدية والممارسون هذا النظام وتشرعنُه وتروّج له. هذا الكتاب هو مديح لهذا النظام. إنها صورة لنهاية التاريخ الاقتصادي على شاكلة نهاية التاريخ لفوكوياما؛ لو أن الدول الفقيرة اعتمدت الأسواق الحرة وجعلت الظروف جاذبة للمستثمرين الأجانب، لازدهرت التنمية وانتهى الفقر. صحيح أن هناك استخراجًا وهناك استخراجيون، لكن الكتاب يفشل في الإشارة إلى أن النظرية الاقتصادية والاقتصاديين والعالم الغني هم الأسباب الرئيسية والأنصار والمستفيدين من الاستخراج.
  • قد تبدو هذه الادعاءات للوهلة الأولى مبالغًا فيها، لذا من المناسب الدفاع عنها بإسهاب.
  • كيف تعمل "التنمية" (التقليدية)؟
  • لا يتساءل مؤلفو الكتاب عن معنى "التنمية"، بل يعتبرونها أمرًا مُسلّمًا به، كما يفعل جميع الاقتصاديين تقريبًا، وهي أن التنمية تعني زيادة الثراء المادي، كدول وأفراد. يتعلق الأمر بالقدرة على شراء المزيد، وزيادة الإنتاج والبيع والاستهلاك، وبالتالي زيادة الناتج المحلي الإجمالي. هذه هي النظرة "أحادية البعد" للتنمية، حيث تتقدم الدول نحو الثراء. ويُفترض أن الثراء يُحسّن جوانب أخرى كثيرة، كالصحة والرعاية الاجتماعية.
  • لا يُبدي الاقتصاديون التقليديون اهتمامًا يُذكر بالتفكير فيما قد يُسهم أكثر في جودة الحياة، ناهيك عن قياسها، ناهيك عن إعطاء الأولوية للتطورات التي قد تُحسّنها. إنهم يتجاهلون حقيقة أن ما يُسهم في جودة عالية للحياة، باستثناء الصحة، لا يتطلب سوى القليل، إن لم يكن لا شيء، إن هذه الجودة لا تتطلب "رخاءً" ماديًا. فكّر في الحصول على ما يكفي من الطعام والملبس والمأوى، والشعور بالمعنى والهدف، وتكوين الصداقات، والشعور بالتقدير، والعيش في مجتمع داعم، والحصول على عمل مُجزٍ، والتمتع بالأمان من البطالة والفقر، وعدم الاضطرار إلى الكدّ في العمل أو الكفاح، والشعور بقيمة المكان والبيت. يمكن، من حيث المبدأ، توفير هذه الظروف للجميع حتى في ظل مستويات منخفضة للغاية من الثروة المادية والإنتاج والتصنيع والاستثمار الرأسمالي والعولمة وتكنولوجيا المعلومات والتجارة الدولية و"مستويات المعيشة" والناتج المحلي الإجمالي. (انظر أدناه).
  • تكمن المسألة الأساسية في كيفية تصوّر النظرية الاقتصادية التقليدية للتنمية. ولأنها تُفهم في المقام الأول على أنها تهدف إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، يجب أن ينصبّ التركيز على تسهيل الأنشطة الإنتاجية. وهذا يتطلب الاستثمار، ولأن الدولة الفقيرة تمتلك رأس مال محدود، فإن ذلك يعني الاقتراض وجذب الاستثمار الأجنبي. ويتمثل المجالان الرئيسيان لتحقيق ذلك في تصدير الموارد الطبيعية المادية وتصدير العمالة عبر المزارع والمناجم والمصانع. وبالتالي، يتعين على الدولة دخول السوق العالمية لبيع مواردها، ومنافسة العديد من الدول الفقيرة الأخرى التي تواجه نفس الوضع. ونظرًا لافتقارها إلى رأس المال اللازم لإنشاء المناجم وما إلى ذلك، يجب البحث عن الاستثمار الأجنبي. لكن المستثمرين يرغبون في الوصول إلى البنى التحتية مثل السكك الحديدية والموانئ، ما يستدعي الحصول على قروض كبيرة لبنائها. والنتيجة الشائعة ليست زيادة سريعة في الدخل لسداد القروض، بل تراكم ديون ضخمة، وهو ما يبدو أنه يتسارع في السنوات الأخيرة. فبين عامي 2020 و2023، تضاعف الدين العام للدول الأفريقية الفقيرة ليصل إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع إلى ما يقرب من 75% في أمريكا اللاتينية(13).  
  • عادةً ما يصبح الدين غير قابل للسداد. عند هذه النقطة، يُرتّب صندوق النقد الدولي إجراءات إنقاذ، تُعرف باسم "حزم التكيف الهيكلي" Structural Adjustment Packages، والتي تتضمن منح المزيد من القروض بشروط معينة. ويجري تصميم هذه الإجراءات "لإنعاش الاقتصاد" من خلال جعله أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب، وبيع الشركات الحكومية المربحة لهم، والضغط لتخفيض الأجور والمنافع الاجتماعية، وفرض سياسات "تقشفية" قاسية، وتوجيه الاقتصاد بشكل عام بما يخدم مصالح طبقة رجال الأعمال.
  • يشرح كتاب جون بيركنز John Perkins اعترافات قاتل اقتصادي (2023) كيف كانت مهمته إقناع الدول بأخذ قروض لا يمكنها سدادها أبدًا. وسواء كانت هذه ممارسة شائعة أم لا، فإن العواقب كانت حتمية. وهناك وفرة من الأدبيات التي توثق الآثار الضارة لهذه الإجراءات على أعداد كبيرة من الفقراء.
  • يُشير هذا الكتاب الطويل [لماذا تفشل الأمم] إلى صندوق النقد الدولي إشارتين موجزتين فقط، دون أن يُشير أيٌّ منهما إلى هذه القضايا. ويعتبر الكتاب إجراءات الصندوق قيّمة، إلا أنه، وغيره من المؤسسات الدولية الكبرى، لا يُنتقد إلا لتبنيه "منظورًا خاطئًا"، أي لعدم تركيزه على التمييز بين "الشمولية" و"النزعة الاستخراجية"(14).   
  • تُسعد النخب المحلية في الدول الفقيرة بالتنمية التقليدية لأنها تُتيح لها فرصًا استثمارية. كما تُسعد البنوك لأنها تُنظم القروض وتحصّلُ على العمولات. على سبيل المثل، حصلت شركة غولدمان ساكس على عمولة قدرها 600 مليون دولار لترتيب قرض لليونان. في هذه الأيام، لم تعد الإمبريالية بحاجة إلى إرسال سفينة حربية لغزو العالم. إن انتصار الليبرالية الجديدة، كما شخّصه شوسودوفسكي Chossudovsky هو "أعظم عملية نقل للثروة في التاريخ"، باستخدام مفاتيح الكمبيوتر(15).
  • النتيجة هي أن اقتصادات الدول الفقيرة تقع في فخ توفير موارد رخيصة للدول الغنية لتحقيق أرباح مجزية للمستثمرين والشركات والبنوك، مع منع التنمية التي من شأنها أن تعود بالنفع الأكبر على الفئات الفقيرة والمُستغَلّة.  يُقدّر هِكِل وسوليفان وزومكاوالا Hickel, Sullivan and Zoomkawala أن صافي تدفق الثروة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية يبلغ 2.5 تريليون دولار سنويًا(16).  إضافةً إلى ذلك، تتحمل هذه الدول تكلفة الأضرار البيئية الناجمة عن المناجم وقطع الأشجار والمزارع والضباب الدخاني الصناعي smog، والأضرار الاجتماعية الناجمة عن ظروف العمل غير الآمنة وتدني الأجور وضعف الرعاية الصحية، إلخ.
  • إن جوهر أيديولوجية التنمية التقليدية التي تُبقي كل هذا قائمًا هو الالتزام التعبُّدي الراسخ بنظام السوق المُعجز. يُقدّس وزير الخارجية الأسترالي وونغ Wong باستمرار "النظام الدولي القائم على القواعد،" وأقدس قاعدة فيه هي أن تُحدّدَ قوى السوق ما يُنتَج ومن يحصل عليه. لكن في نظام السوق، يُحدّدُ طلبُ الأطراف الأكثر ثراءً ما يُنتَج ومن يحصل عليه. لهذا السبب تُطعَم مئات الملايين من الأطنان من الحبوب للحيوانات في الدول الغنية سنويًا، بينما يُعاني حوالي 800 مليون شخص من الجوع. في نظام السوق، يكون إنتاج الحبوب لإنتاج لحوم الأبقار في حظائر التسمين في الدول الغنية أكثر ربحية بكثير من بيعها للسودانيين الجائعين. ولهذا السبب تُنتَج مستحضرات التجميل والزهور المقطوفة في غواتيمالا للتصدير بدلًا من الغذاء الأساسي والسكن للفلاحين الفقراء. ولهذا السبب أيضًا، يبني المطورون في أستراليا مساكن فاخرة بدلًا من مساكن منخفضة التكلفة للفقراء. في نظام السوق، تُعدّ هذه المشاريع من النوع الذي يَعِد بأكبر قدر من الربح لأصحاب رأس المال للاستثمار. وكما يُشير فرنانديز Fernandes، فإن "النظام القائم على القواعد" هو كناية عن الإمبراطورية(17).
  • ومع ذلك، يجب بذل الجهود للحفاظ على عمل النظام الاقتصادي العالمي بهذه الطرق. أحيانًا يكون التدخل ضروريًا، على سبيل المثل لإخضاع الدول لسياسات تناسب الأغنياء والتعامل مع أولئك الذين يهددون بالخروج على القانون.  أحيانًا تكفي مبيعات الأسلحة الضخمة؛ فكم من النفط سيحصل عليه الغرب من السعودية بدونها؟ أحيانًا يكون من الضروري غزو [بلد] والتخلص من زعيم مثل مُصدق الذي يهدد وصولنا إلى النفط، أو تزويد حليف بالأسلحة لقمع المعارضين الذين يهددون الأنظمة التي تُصدّرُ لنا الموارد. أحيانًا يكون من الضروري قتل لومومبا أو القذافي أو كاسترو (للأسف، 600 محاولة، العديد منها من قبل وكالة المخابرات المركزية فشلت هناك) لمنع الانحراف. ولكن في أحيان أخرى، يكون من الضروري اللجوء إلى الانتقائية في دعم الديكتاتوريين الوحشيين مثل سوموزا. لقد تفاخر سوموزا بأنه يصوت دائمًا مع الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ولا يؤرقه ضميره أن جميع الأراضي الزراعية مملوكة للأجانب. قال وزير خارجية روزفلت، سومنر ويلز، ذات مرة: "سوموزا وغد!"، فردّ روزفلت: "أجل، لكنه وغدنا"(18).  أحيانًا يكون من الضروري غزو وقتل أعداد كبيرة. حاولت الولايات المتحدة "تغيير الأنظمة" أكثر من سبعين مرة منذ الحرب العالمية الثانية. وما كان لشعوب الدول الغنية أن تتمتع بمستويات معيشية عالية تعتمد على الموارد لولا هذه الإجراءات لتأمين إمبراطورتيها.
  • يعزو الكتاب فشل الدول إلى حكم الاستخراجيين، لكن ما يغفله الكتاب هو أن العديد منهم على الأقل وصلوا إلى السلطة، لأن أثرياء العالم هم من وضعوهم في السلطة، أو ساعدوا أمثال سوموزا وبينوشيه على البقاء فيها، لأنهم مكّنوا من تحقيق تنمية اقتصادية "طبيعية". إن الاستخراجيين الأكثر ذنبًا موجودون بين شركات العالم الغني وبنوكه ومسؤولي صندوق النقد الدولي. والأهم من ذلك، يغفل الكتاب تحديد هوية الاستخراجيين الرئيسيين حاليًا.
  • صحيحٌ، كما يُبيّن هذا الكتاب، أن المؤسسات داخل الدولة التي تُسهّل أو تُعيق التنمية التقليدية تُعدّ بالفعل عوامل سببية تُسهم في نتائج مثل "فشل" الدولة والفقر الجماعي، لكنها ليست العوامل السببية السائدة. فهي ليست، كما يُشير عنوان الكتاب، "...أصل الفقر" اليوم. إن العامل السببي الأهم اليوم هو النظام الاقتصادي العالمي الجائر والمُفترس الذي تقع جميع الدول في فخه، وهو نظام يُجبر الدول الفقيرة على السماح بتدفق صافي لكميات هائلة من الثروة إلى الدول الغنية، والتخلي عن التنمية لصالح شعوبها.
  • وهكذا، يُعدّ الكتاب مديحًا مُفصّلًا للرأسمالية. إنها الطريق الصحيح للتطور. الرسالة الضمنية الموجهة للدول الفقيرة هي أنه إذا مارست الاقتصاد بهذه الطريقة، فستزدهر كما ازدهرنا. ما عليك سوى تمكين وتشجيع القلّة، التي تملك معظم رأس المال، على الاستثمار في أي شيء من شأنه أن يزيد ثرواتها الهائلة أصلًا، وتوفير الظروف والحوافز القانونية الآمنة لهم، وسينمو الناتج المحلي الإجمالي. لكن هذه الثقة لا تخلو من بعض المشاكل الآن، وأهمها أن آخر ما يحتاجه الكوكب هو المزيد من النمو (انظر أدناه).
  • لذا، لا يُشير الكتاب إطلاقًا إلى "الأسباب الرئيسية للفقر" اليوم. ليس الأمر أنه يسعى عمدًا إلى الإخفاء أو التضليل، بل إن الاقتصاديين التقليديين يبدون عاجزين عن فهم أن ما يعتبرونه اقتصادًا هو مجرد اقتصاد رأسمالي، وأن ما يعتبرونه تنمية هو مجرد تنمية رأسمالية. ويبدو أنهم لا يتصورون وجود أنواع أخرى. يكشف الكتاب ومنح الجائزة أن النظرية الاقتصادية التقليدية هي أسلوب تفسير، وأيديولوجية راسخة وقوية ومضللة، تُروّج وتُشرّع.
  • إحدى الطرق التي يتم بها ذلك هي التحليل من خلال التركيز على عامل واحد فقط، وهو القيمة النقدية، مما يعني أنه يفشل في مراعاة العديد من العوامل المهمة في إنتاج واستهلاك وتبادل وتوزيع السلع والخدمات، وفي تطوير أنظمة لتنفيذ هذه العمليات، ولتقييم مدى استصوابها. ويتم تصنيف عوامل مثل الضرر البيئي والاجتماعي على أنها "آثار خارجية" “externalities”، أي أنها ليست ظواهر اقتصادية في الواقع وبالتالي يمكن تجاهلها. كما أن الاعتبارات الأخلاقية والعدالة ليست ذات صلة بالاقتصاد، مثل الضرر النفسي الناجم عن البطالة والفقر أو تدمير مدن بأكملها عندما تنتقل الشركات إلى الصين. إذا لم يتمكن رأس المال من تعظيم الأرباح من خلال توظيف الناس هنا، فلا بأس من رميهم في كومة النفايات.
  • من الفرضيات الرئيسية الأخرى الاعتقاد بأن الاقتصاد يجب أن يقوم على نظام السوق. ومن الفرضيات الأخرى أنه من المناسب والمرغوب فيه أن تُحدد المشاريع التي تُطور وتُنتج على أفضل وجه بما يعتقده قلة من أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار أنه سيُعظم ثروتهم، على عكس ما قد يكون الأفضل للمجتمع أو أنظمته البيئية. ومن الفرضيات الأخرى أن المستثمرين جديرون بالإعجاب، إذ يُسخّرون رؤوس أموالهم لمصلحة المجتمع؛ ولا يُؤخذ بعين الاعتبار حصولهم على دخل كبير دون الحاجة إلى بذل أي جهد، إلا عندما يُحاول الناس العاديون ذلك.
  • هذه بعض الطرق التي تُشوّه بها النظرية الاقتصادية التقليدية التفكير وتُضلّله، فتُصوّر الممارسات غير المرغوبة للغاية على أنها طبيعية ومبرّرة ومقبولة أخلاقيًا، بينما هي في الواقع تُشرّعُ "النزعة الاستخراجية" لدى الأغنياء. يُقدّم هذا الكتاب، ومنح "جائزة نوبل"، أمثلةً بارزةً على مدى استخفاف هذه الأيديولوجية وهيمنة هذه الأيديولوجية.
  •  
  • البديل: التنمية "المناسبة"
  • هناك الآن حجة قوية على أن النظام الاقتصادي العالمي قد دخل مرحلة نهائية، وهي فترة من التدهور المتسارع إلى وقت من الاضطرابات الكبيرة19)). إن أنماط الحياة للفرد في العالم الغني واستخدام الموارد والناتج المحلي الإجمالي أعلى بعدة مرات مما يمكن أن يصل إليه جميع سكان العالم.  إن التصميمَ على رفعها باستمرار ودون حدود هو الذي يولّد جميع المشاكل العالمية الكبرى التي تهدد وجودنا الآن، بما في ذلك أزمة المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والأضرار البيئية الأخرى وحرمان المليارات وحروب الموارد وانهيار التماسك الاجتماعي حتى في أغنى البلدان. ونظرًا لأن سبب هذه "الأزمة المتعددة" هو الإفراط في الإنتاج والإفراط في الاستهلاك، فإن الحل يجب أن يكون النمو السلبي degrowth واسع النطاق في أنماط الحياة والأنظمة التي هي أبسط بكثير من الناحية المادية من تلك الموجودة في البلدان الغنية اليوم.
  • الرد الشائع على حجة حدود النمو limits to growth هو أن السعي وراء النمو والرخاء يمكن أن يستمر، لأن التكنولوجيا المتطورة وسياسات إعادة التدوير الأكثر صرامة، وما إلى ذلك، يمكن أن "تُفصلَ" “decouple” الاستهلاك عن الآثار الحالية على الموارد والبيئة. سيسمح ذلك باستمرار ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي مع حل مشاكل الموارد والبيئة. لكن هناك الآن مراجعات واسعة النطاق تُظهر أن هذا لا يحدث، ومن غير المرجح حدوثه على الإطلاق(20).
  • لا يمكن حل المشكلات إلا بنمو سلبي هائل والتحول نحو أحد أشكال "الطريقة الأبسط" The Simpler Way(21)، حيث يعيش معظم الناس في مجتمعات تعاونية صغيرة، تتمتع بقدر كبير من الاكتفاء الذاتي والحكم الذاتي، وتتحكم في اقتصادات محلية مدفوعة بالاحتياجات لا بالربح أو قوى السوق، وتسعد بالعيش بطرق مادية بسيطة. وتوضح دراسةٌ لإمدادات البيض أجراها ترينر ومالك ولينزن Trainer, Malik and Lenzen (2019) الانخفاض الكبير الذي يُتيحه هذا النمط العام في استخدام الموارد والضرر البيئي. فقد وجدوا أن التكلفة بالدولار وتكلفة الطاقة للإمدادات عبر حظائر الفناء الخلفية backyard pens والتعاونيات الصغيرة كانت في حدود 1% من تكلفة الإمداد من السوبر ماركت.
  • من الممكن إجراء تخفيضات مماثلة في العديد من العناصر الأخرى نظرًا لصغر الحجم والقرب [الجغرافي] وتكامل الوظائف. على سبيل المثل، يمكن إغلاق حلقات المغذيات nutrient loops عن طريق نقل "النفايات إلى" الحدائق القريبة باستخدام الحيوانات ومُهضمات الميثان methane digesters، مما يلغي الحاجة إلى أنظمة الصرف الصحي أو النقل أو إنتاج الأسمدة. جاء في تقرير لقرية Dancing Rabbit Ecovillage في ولاية ميسوري عن معدلات مختلفة لاستخدام المواد والطاقة والوقود وما إلى ذلك تتراوح بين 5 و10% مقارنة مع المتوسط الوطني(22). ويُفصّل ترينر طرقًا منخفضة التكلفة للغاية تم تحقيقها في المزارع والقرى البيئية، بما في ذلك معدل استخدام الكهرباء للفرد بحوالي 1% من المتوسط الوطني للأسرة(23) تُشرك التعاونية الإسبانية الكاتالونية المتكاملة الآلاف في تعاونيات مكتفية ذاتيًا بدرجة عالية وتوفر مجموعة واسعة من السلع والخدمات مع تجنب الاعتماد على السوق أو الدولة(24). يناقش ليهي Leahy وليهي وغوفورث  Goforth الحركات الأفريقية مثل حركة تشيكوكوا Chikukwa التي تعمل على تكريس الأراضي والعمالة والمعرفة التقليدية للتنمية التعاونية للقرى المكتفية ذاتيًا، وهو ما يتناقض مع السياسات الرسمية غير المجدية التي تحثُّ الفلاحين على الفوز بمبيعات التصدير(25).
  • تتضمن هذه المجتمعات عادةً تدابير عالية الجودة للحياة وهي ليست بحاجة لإشراك أي تخفيض في التقنيات المتقدمة المفيدة اجتماعيًا والجامعات والبحوث الطبية وما إلى ذلك(26). تعمل القرى البيئية والمدن الانتقالية وحركة النمو السلبي وحركة الفلاحين والعديد من الحركات الأخرى اليوم على تحقيق هذا التحول. منذ زمن بعيد رأى غاندي أن المسار المناسب للهند هو مجتمعات من هذا النوع.  من الواضح الآن أن قيود الموارد العالمية تمنع "التنمية" التقليدية للعالم الغني كثيف الموارد لجميع شعوب العالم. ومن هنا جاءت الحكمة في قوله "يجب على الأغنياء أن يعيشوا حياة أكثر بساطة حتى يتمكن الفقراء من العيش ببساطة".
  • هناك حجة قوية على أن انهيارًا كارثيًا للاقتصاد العالمي يقترب مع انهيار الرأسمالية ذاتيًا(27). ومن المرجح أن يقضي هذا على أي أمل في انتقال مرغوب فيه إلى هذا الشكل البديل من التنمية، لكن الطريقة الأبسط The Simpler Way تمثل المفهوم الوحيد للتنمية الذي يبدو منطقيًا الآن.  من يدرك هذا لن ينال على الأرجح جائزة نوبل من المؤسسة الاقتصادية الحاكمة.
  • نشر هذال المقال في مجلة Realworld Economics Review:
  • Ted Trainer, “The 2024 Nobel Prize for Economics: An example of how conventional economics misrepresents reality”, realworld economics review, issue no. 110, March 2025, pp. 2–9, http://www.paecon.net/PAEReview/issue110/Trainer110.
  •  
  •  
  • *تيد تيرنر: محاضر متقاعد في كلية العلوم الاجتماعية، جامعة نيو ساوث ويلز، أستراليا.
  • **مصباح  كمال: كاتب في قضايا التأمين
  • الهوامش:  

(1) For critique of the economics prize visit: https://economicsociology.org/2024/10/12/the-economics-nobel-prizewhat-is-it-good-for/ 

(2) Visit: https://www.nobelprize.org/prizes/economic-sciences/2024/press-release/.

For a more detailed account of the reasons for the award see: https://www.nobelprize.org/uploads/2024/10/advancedeconomicsciencesprize2024.pdf.

(3) Acemoglu, D., and J .A.; Robinson, (2013), Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty.Profile. Kindle Edition.

(4) Visit: https://www.ft.com/content/1e2584d6-65ef-46de-bfb2- 28811be65600. . See also: https://www.ipsnews.net/2024/10/another-nobel-anglocentric-neoliberal-institutionaleconomics/ and: https://reddytoread.com/2024/10/16/why-nobelists-fail/ and https://jacobin.com/2015/10/robinson-acemoglu-inclusive-extractive-poverty-wealth/.

(5) Acemoglu, D., and J .A.; Robinson, P: 76. 

(6) Ibid, p: 81

(7) Ibid p: 271

(8) Ibid p:90-91

(9) Ibid p 41

(10) Ibid p 368

(11) Ibid p 399

(12) Ibid p 429

(13) United Nations, (2024), A World of Debt Report, Fig 4 https://unctad.org/system/files/officialdocument/osgttinf2024d1_en.pdf

(14) Acemoglu, D., and J .A.; Robinson, P: 446- 467

(15) Chossudovsky, M., (2004), The Globalisation of Poverty, London, Zed Books.

(16) Hickel, J., Sullivan, D., and H. Zoomkawala, (2021), “Rich countries drained $152tn from the global South since 1960”. Al Jazeera. May 6. https://www.aljazeera.com/opinions/2021/5/6/rich-countries-drained-152tnfrom-the-global-south-since-1960

(17) Fernandes, C., (2022), Subimperial Power, Melbourne University Press.

(18) Jewish Independent, (2016), “Pragmatic, dirty choices”, April 8, 2016, No author. https://www.jewishindependent.ca/tag/roosevelt/

Also:Wikiquote, (2024), Talk: Franklin D. Rooseveldt. https://en.wikiquote.org/wiki/Talk:Franklin_D._Roosevelt.

(19) Trainer,T., (2020), Dancing Rabbit ecovillage. https://thesimplerway.info/DancingRabbit.html

(20) See:

- Parrique, T., J. Bath, F. Briens, J. Spanenberg, (2019), “Decoupling Debunked. Evidence and arguments against green growth as a sole strategy for sustainability”. A study edited by the European Environment Bureau, EEB, July, Brussels, Belgium. https://eeb.org/library/decoupling-debunked/

- Hickel J. and G. Kallis, (2019), “Is Green Growth Possible?”, New Political Economy, April. DOI: 10.1080/13563467.2019.1598964.

- Haberle, H., et al., (2020), “A systematic review of the evidence on decoupling of GDP, resource use and GHG emissions, part II: synthesizing the insights”, Environmental Research Letters, 15.

 (21) TSW (2023), The Simpler Way; The Alternative Society.     https://thesimplerway.info/THEALTSOCLong.htm   TSW 2024.

(22) Trainer,T., (2020), Dancing Rabbit ecovillage. https://thesimplerway.info/DancingRabbit.html

(23) Trainer, T., (2022), “How Resource-Cheaply Could We Live Well?”, real-world economics review, issue no. 99, 64–79.

(24) Trainer, T., (2018), “The Catalan Integral Cooperative -- The Simpler Way revolution is well underway!”, FEASTA Admin, Feb.. 28https://www.feasta.org/author/admin/, and by Resilience, Jan 17 https://www.resilience.org/stories/2018-01-17/the-catalan-integral-cooperative-the-simpler-wayrevolution-is-well-underway/

(25) See:

-Leahy, T., (2009), Permaculture Strategy for the South African Villages, Palmwoods, Qld., PI Productions Photography.

-Leahy T. S., and M. Goforth, (Undated), Chikukwa and CELUCT: Sustainable Revolution; Permaculture in Ecovillages, Urban Farms and Communities Worldwide, North Atlantic Books, Berkeley, California.

 (26) Grinde, B., et al., ( 2018), “The Quality of Life in Intentional Communities”. Social Indictors Research 137(2): 625–640.

For more details:

TSW (2023), The Simpler Way; The Alternative Society.

 (27) Trainer, T., (2020), “Simpler Way transition theory”, real-world economics review, issue no. 91, 96 – 112 McAlpine,S, (2016), “He Might Be a B@%#d, but He’s Our B@%#d”, Oct 10. Stay in the Know.

https://stephenmcalpine.com/he-might-be-a-bd-but-hes-our-bd/