تتّسع موجة الاحتجاجات والتظاهرات والوقفات والاعتصامات في عموم محافظات بلدنا؛ وتتعدد الأسباب الدافعة إلى ذلك، من ارتفاع معدلات البطالة خصوصا وسط الشباب والخريجين، إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتأجير المساكن والمحلات، وتفشي الفساد وتردي الخدمات التعليمية والصحية والبلدية وتدهور البيئة على نحو حاد، ما جعل أنهار العراق أكثر تلوثا، وتهدد صحة المواطنين وسلامة أغذيتهم. كلّ ذلك يحدث دون أن تلوح في الأفق أية حلول عملية، تعالج الأسباب الجذرية لهذه الأوضاع المتردية. علما أن هذه الاحتجاجات لا تجري في الغالب دون مضايقات القوات الأمنية، والتي تصل في بعض الأوقات حد الاعتداء على المحتجين، أو منعهم من ممارستهم حقا كفله الدستور. وقد جاء تخفيض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار، ليعكس مدى تخبط الحكومة في معالجة الأزمات المالية والاقتصادية التي لم تكن وليدة اليوم، ولكنها ازدادت حدّة في الفترة الأخيرة خصوصا، نتيجة الحرب الأمريكية العدوانية على إيران، وقلة تصدير النفط العراقي. فيما لم تتأثر في هذا الوضع ـ بهذه الدرجة ـ دول المنطقة التي لديها احتياطيات نقدية واستثمارات راكمتها. فيما افتقر العراق طيلة عقود لسياسات بعيدة المدى وذات منظور استراتيجي للتعامل مع هكذا أوضاع. والآن نجد الحكومة تلجأ لحل أزمة السيولة النقدية، ليدفع ثمنها المواطنون الذين هم أصلا عانوا طويلا من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة للحكومات المتعاقبة، التي قامت على نهج المحاصصة الطائفية والإثنية، الذي كان سببا رئيسا في تفشي الفساد المالي والإداري والسياسي، واقتسام موارد البلد ونهبها، تحت ذريعة الحصص الانتخابية، التي لا تملك الشرعية القانونية الكافية؛ لأن الكثير منها أتى عن طريق الزبائنية والمال والسلاح والنفوذ واستخدام موارد الدولة، وشراء الأصوات والمناصب بطريقة تكاد تكون علنية. كما تتوجه الحكومة إلى اقتراض المزيد من الأموال داخليا وخارجيا، لسد عجز الميزانية الجديدة، وهذا يجعل الأجيال الحالية والقادمة تدفع ثمن هذه السياسات غير المدروسة. وعلى الرغم من هذه الظروف المالية والاقتصادية الصعبة، تلجأ الكتل السياسية المتنفذة إلى خلق مزيدٍ من المناصب التي لم تكن الدولة بحاحة إليها في واقع الأمر، والسبب معروف وهو ارضاء الأحزاب للتغلغل في مؤسسات الدولة وإحكام السيطرة على اتخاذ القرارات التي تؤمن ـ في النهاية ـ مصالحها السياسية والاقتصادية دون أدنى إدراك لمآلات ذلك، على ترهل مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القرار، واستنزاف موارد البلد، ومدى ما يعكسه ذلك سلبا على مصلحة المواطنين وتراجع مستوى معيشتهم. يترافق كلّ ذلك مع اتساع الهوّة بين رواتب الدرجات الخاصة التي تعود خصوصا إلى منتسبي الأحزاب والكتل المتنفذة، ورواتب الموظفين والعمال دون أدنى تفكير في تقليل هذا الفارق على الأقل.
كما توقعنا في كلمة العدد السابق، جرى تمديد التاريخ النهائي لتسليم أسلحة الفصائل المسلحة من 30 أيلول 2026 إلى 30 حزيران 2027، والمشكلة لا تكمن هنا في الفترة الزمنية هل هي كافية أم غير كافية، بل في مدى اقتناع هذه الفصائل بمشروعية امتلاك الدولة لقرار الحرب والسلم، كما هو منصوص عليه في الدستور، والتخلي عن فكر التبعية لما وراء الحدود؛ لأن هذا الفكر يُضعف الدولة ومؤسساتها، ومع مرور الوقت يخلق كيانات عسكرية منفصلة يمكن أن تكون مشروعا لكانتونات تتبع أطرافاً خارجية.
ستبقى انتفاضة تشرين حيّةً في ضمائر أبناء شعبنا
حلّتْ، أخيرا، الذكرى السابعة لانطلاق انتفاضة تشرين المجيدة في عام 2019 التي شكلت بحق منعطفا بارزا في مسيرة شعبنا النضالية، من أجل نيل حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها بناء دولة مدنية ديمقراطية كاملة السيادة لكل العراقيين، مهما تنوعت مشاربهم القومية والدينية والمذهبية والفكرية والثقافية، دولة المواطنة لا دولة المكونات، دولة تؤمن بالعدالة الاجتماعية، وبالمؤسسات الدستورية وبحقوق الإنسان، دولة تُعلي مصلحة الشعب والوطن فوق أي اعتبار. وعلى الرغم من التضحيات الجسام التي سُفحت في مجرى الانتفاضة من آلاف الشهداء والجرحى خصوصا من الشباب، فلم تتعظ الطغمة الحاكمة ولم تقرأ التاريخ جيدا، بل نراها سائرة على ذات النهج الذي فجر الانتفاضة. كذلك يجري الاهمال المتعمد لكشف قتلة شهداء الانتفاضة وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم العادل على ما اقترفوه، ومعرفة الجهات التي أمرتهم وحرضتهم على تنفيذ فعلتهم الشنيعة هذه. فعلى الرغم من تشكيل لجنة بهذا الخصوص، لكنها لم تخرج بنتائج ولم توضح بشفافية طبيعة عملها، ولماذا تأخر إلى هذا الوقت. كذلك نرى بين الحين والآخر من يقوم بتوجيه الاتهامات الرخيصة للانتفاضة تحت ادعاءات جاهزة، معروفة الدوافع من أجل تشويه أهدافها النبيلة.
مجداً وخلوداً لشهداء انتفاضة تشرين الباسلة..