تتصدر أجندة الحكومة في هذه الفترة مسألة حصر السلاح بيد الدولة، والذي حُدد له تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر من هذا العام كموعد نهائي، بالتزامن مع خروج قوات التحالف خصوصا القوات الأمريكية من العراق. لكن هذه المسألة بدل من أن تحسم دستوريا من جانب الحكومة، باتت تُثير موجة من التجاذبات وخطابات التصعيد والتهديد والوعيد والمزايدات، ترافقها مساومات سياسية خصوصا من طرف الأحزاب السياسية التي تملك أذرعا مسلحة، ولا تريد التخلي عن سلاحها، تحت مبررات واهية وغير مقنعة، تتقاطع تماما مع مصالح العراق الوطنية، وتتجاوب مع توجهات أطراف إقليمية لها مصالحها الأمنية والسياسة والاقتصادية والاجتماعية، في أن يبقى السلاح خارج سيطرة الدولة، لتأمين نفوذها في العراق في هذه المجالات. وهناك مؤشرات تدل على أن الحكومة قد تتراجع عن هذا الموعد وتمدده إلى وقت آخر تحت الضغوط الداخلية والخارجية. وقد تُعيد تعريف عملية حصر السلاح بيد الدولة ونوعية الأسلحة وكميتها، ومن أي جهة جرى تسلّمها من الدولة، أم من طرف إقليمي ومكان خزنها، بما يضمن من الناحية العملية للفصائل المسلحة، إمكانية الوصول إلى أسلحة معينة في وقت ما. وإن جرى ذلك فإنه سيطعن في مصداقية الحكومة وتوجهاتها، ويُضعف من موقفها محليا وإقليميا ودوليا، وسيتعارض مع مبدأ توفير بيئة آمنة لجذب الاستثمارات الأجنبية. كما عبّرت الحكومة عن ذلك مرارا.
لا ينبغي النظر إلى هذه المسألة البالغة الأهمية، بأنها محصورة بالفصائل المسلحة خصوصا تلك التي ترفض تسليم أسلحتها، والأحزاب والكتل التي شكلت الحكومة ومجلس الوزراء، بل هي قضية وطنية بامتياز؛ لأنها تمس أمن العراق وسيادته واستقلاله، عندما يكون قرار الحرب والسلم خارج سيطرة الدولة. لذلك ينبغي أن تخضع هذ المسألة لنقاش وطني عام، يشمل جميع الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية والشعبية، حتى تلك التي ليس لديها تمثيل في مجلس النواب، أو لم تشترك في العملية السياسية، من أجل التوصل إلى إجماع وطني واضح على حسم هذا الملف، بعيدا عن التدخلات الإقليمية والدولية. وإن جرى ذلك فإنه سيدعم الحكومة في خطتها في هذا الشأن، التي يلاحظ غياب الشفافية في تنفيذها. فلم تعلن الحكومة حتى الآن عن حجم الأسلحة ونوعيتها وآلية تسلّمها من الفصائل التي وافقت على تسليم سلاحها. وكيف سيتم التصرف بها، وهل ستصبح جزءا من أسلحة الجيش العراقي والقوات الأمنية؟ كذلك ينبغي ليس المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة فقط، وانما التذكير دائما بأن هذا الوضع مخالف للدستور نصا وروحا، ولقانون الأحزاب السياسية الذي يمنع الأحزاب التي لديها أجنحة عسكرية من المشاركة في الحياة السياسية. هذا البند الذي جرى تعطيله خدمة لمصالح الأطراف التي تريد جمع النفود العسكري والسياسي معا، لاستغلاله في تقاسم موارد الدولة ومواقعها المهمة، والذي يجري عن طريق الفساد المالي والإداري والسياسي.
*****
تتزايد المخاطر الأمنية والاقتصادية التي يتعرض لها العراق في ظل استمرار الحرب العدوانية التي تشنها الولايات المتحدة على إيران سواء في جانبها العسكري أم الاقتصادي؛ فقد أثر انخفاض تصدير النفط العراقي بشكل حاد عبر مضيق هرمز ـ الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب ضدها منذ ما يقارب الستة شهور ـ على السيولة النقدية والنشاطات الاقتصادية، ورفع من أسعار السلع. وهذه الأمور تضرر منها المواطنون أساسا، وتراجع مستوى دخلهم عمليا. وتأتي الموجة الجديدة من العقوبات الاقتصادية والتجارية غير القانونية التي أعلنتها الولايات المتحدة مؤخرا على إيران، ومن يتعامل معها في هذين الجانبين، لتزيد من مأزق وحراجة العراق من الناحية الاقتصادية والمالية؛ فمن المعروف أن للعراق علاقات تجارية ومصرفية واسعة النطاق مع إيران، وعلى رأس ذلك استيراد العراق للغاز الطبيعي الذي يُستخدم لتوليد الكهرباء، والذي اوقفته إيران في مناسبات عدة، للضغط على العراق لتسليم ثمن مشترياته التي تأخرت بسبب العقوبات المفروضة خصوصا المصرفية منها على إيران. وهذا المأزق على سبيل المثال لا الحصر، لم تستطع جميع الحكومات المتعاقبة معالجته، على الرغم من الوعود برفع انتاج الغاز الطبيعي الذي يحرق لتأمين احتياجات البلاد منه. وظل العراق رهينا للتجاذبات الإيرانية - الأمريكية بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية لما يمكن أن يقع، والعمل على بناء قطاع مستقل للطاقة الكهربائية، بعيدا عن الضغوط الخارجية.
*****
تحلّ هذه الأيام الذكرى الثامنة عشرة لاغتيال شهيد الفكر والتنوير كامل شياع الذي كان عضوا في هيئة تحرير مجلتنا. لقد أدركت قوى الظلام والتخلف ما يحمله الشهيد من أفكار وما ينوي تنفيذه من مشاريع ثقافية وفكرية، تُسهم في تغذية الثقافة العراقية بمسارات جديدة في طريق تطورها، لذلك ضاق صدرها ولم تتحمل وجوده، وقررت إنهاء حياته برصاصات غادرة، لكن هيهات أن تخبو أفكاره فهي تتسلل كالنور في دياجير جحور الظلام. أبا الياس... ألف تحية وسلام لذكراك العطرة دوما.