كشفت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية العدوانية على إيران وما ترتب عليها من تداعيات عسكرية وأمنية واقتصادية بالغة الخطورة عن هشاشة النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا بالنسبة إلى بلدان الخليج العربي التي تُعد حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة. فلم توفر لها هذه العلاقة الخاصة حماية من الهجمات العسكرية التي طالتها من إيران التي بررتها باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية المتواجدة فوق أراضيها، بل أصبح وجود هذه القواعد عبئاً على هذه البلدان. وهذا الأمر يكشف عن أن الأولوية القصوى للولايات المتحدة تتمثّل في حماية أمن إسرائيل. وأن تبقى متفوقة على بلدان المنطقة عسكريا وتكنولوجيا. وهذا يكشف أيضا أن تطبيع بعض بلدان الخليج علاقتها مع إسرائيل للاستقواء بها، قد فشل في أن يوفر لها ما كانت تحلم به من أمان.
أما بالنسبة إلى العراق، فقد كشفت هذه الحرب وتقاطعاتها عن عمق هشاشة الدولة ونظامها السياسي، أمنيا وعسكريا واقتصاديا. فقد زُج العراق في حرب لا تخصه ولم يخترها. وأصبح في بؤرة الصراع، تتهدده أخطار خارجية وداخلية؛ نتيجة انتهاك سيادته، وعدم قدرة الدولة على الرد على ذلك. وأيضا نتيجة عدم امتلاك الدولة قرار الحرب والسلم الذي صادرته منها الميليشيات المتغولة. إضافة إلى ما نتج عن ذلك من انخفاض في تصدير النفط بنسبة تفوق 80 في المئة؛ بسبب إغلاق مضيق هرمز من جانب إيران. ولكونه المورد الرئيس للبلاد واجهت الدولة تراجعا في مواردها المالية. وإذا استمر الوضع لفترة أطول نتيجة حالة اللا حرب واللا سلم فستكون التداعيات أكثر عمقا وشمولا لمفاصل الاقتصاد العراقي، وستطال حياة المواطنين في مورد رزقهم. كذلك انتج هذا الوضع شحّاً في غاز الطبخ وارتفاع أسعار المواد الأساسية، إضافة إلى تراجع ساعات تجهيز الكهرباء، بعد أن تراجعت إمدادات الغاز الطبيعي من إيران. وهذا يدل بوضوح أن الحكومات المتعاقبة طيلة أكثر من عشرين عاما لم تكن تتوفر لديها رؤية استراتيجية لإدارة الأزمات حال وقوعها، خصوصا تصدير النفط وضرورة تنويع منافذه وإنتاج الطاقة الكهربائية.
أما فيما يتعلق بإنجاز الاستحقاقات الدستورية بعد إجراء الانتخابات الأخيرة في تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي، فقد جرى خرق المدد الدستورية لاختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء على مرأى ومسمع من المحكمة الاتحادية، تحت ذريعة "عدم الاختصاص"، في مسألة دستورية تُعد من صلب اختصاصها، كما ثبتها الدستور. وهذا ينم عن منحى واضح لتسييس القضاء الذي يفترض أن يبقى مستقلا. ويهدد بتحلل السلطتين التشريعية والتنفيذية من التزاماتهما الدستورية دون رادع قانوني. هذه الحالة التي تكررت بعد كل انتخابات، نتجت ـ كما أكدنا مرارا ـ بالأساس من تبني نهج المحاصصة الطائفية - الإثنية الذي شرع لخرق الدستور وتفشي الفساد السياسي والمالي والإداري، وجعل الفاسدين السياسيين الكبار في منأى عن الحساب. لذلك جاء حسم اختيار المناصب السيادية هذه كما هو معتاد عبر الصفقات والتوافقات السياسية الضيقة التي باتت تتحكم بها "أقلية أوليغارشية"، ولدت من رحم الأحزاب والكتل المتنفذة. كل هذا يجري بعيدا عن مصالح الشعب، وضرورة اخراجه من دوامة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية المتفاقمة.
وهناك مؤشر آخر على ضعف الدولة وهشاشتها، وهو الاستمرار في مصادرة الأراضي المسكونة من قبل المواطنين منذ عقود، تحت ذريعة ما يسمى بالاستثمار! وبممارسات بعيدة عن السلوك الحضاري، حيث يُجبر ساكنوها على تركها دون التفكير بما ينتظرهم من أزمة سكن خانقة. ولا تتوفر هذه الممارسات على سند قانوني ويشوبها الفساد، فيما نرى الحكومة تقف عاجزة لمنع هكذا انتهاكات تطال حق المواطنين بالسكن.
مجدا للطبقة العاملة في عيدها العالمي
تحتفل الطبقة العاملة على مستوى العالم بعيدها الأممي في الأول من أيّار، هذا العيد الذي جاء ثمرة نضالها الشاق والطويل ضد الاستغلال والحيف، ومن أجل أن تنال حقوقها في العمل وتعيش حياة آمنة كريمة. يحل هذا العيد والطبقة العاملة العراقية تعيش ظروفا صعبة على مستوى نيل حقوقها المهنية، تتمثّل خصوصا بعدم تطبيق قانون العمل كاملا الذي يوفر في حال تطبيقه الضمان الاجتماعي لشريحة واسعة من الطبقة العاملة. إضافة إلى أنها تعيش مشكلات أخرى تتمثّل بانخفاض الأجور - خصوصا للذين يعملون بأجور يومية - ومخاطر العمل والعرضة للبطالة وتراجع المستوى المعيشي وسوء الخدمات الصحية والتعليمية وظروف السكن غير اللائق. وكي تحصل الطبقة العاملة على حقوقها كاملة، يفترض بها أن تُؤسس اتحادات عمالية قوية ومتماسكة ومستقلة عن نفوذ الأحزاب السياسية التي تستخدم بعض الاتحادات العمالية لتحقيق مصالحها الحزبية الضيّقة. ولتكون بالتالي قادرة على مقاومة الاستغلال الطبقي وتهميش العمل النقابي، وانتزاع حقوقها المهنية والاجتماعية. وهذا يُحفز لتكون مساهمتها أوسع نطاقا في عجلة التنمية الاقتصادية في البلاد.