تشرين2/نوفمبر 08
   

مقداد مسعود

 أنجبت مدينة البصرة الكثير من الأدباء، وما زالت وها هي اليوم ترفد الحياة الثقافية بأحد أبنائها هو الناقد والشاعر (مقداد مسعود) ليضع بصماته على النقد والشعر. 
 و(مقداد مسعود) من مواليد 1954م. بدأ النشر في منتصف السبعينات وصدرت عدة مجموعات شعرية منها مجموعة شعرية عن دار الرواد المزدهرة / بغداد عام (2008م) وهي بعنوان (المغيب المضيء). كما صدر له (الزجاج وما يدور في فلكه) وهي مجموعة شعرية صدرت عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عام (2009م)، وكذلك صدرت له مجموعة شعرية بعنوان (زهرة الرمان) عن دار الينابيع في دمشق عام (2009م) . ولم يتوقف في نشاطه الأدبي على قول الشعر، بل نراه يدلو بدلوه في ميدان النقد ليقوم بقراءة اتصالية في السرد والشعر وهي بعنوان (الإذن العصية واللسان المقطوع) وقد صدرت عن دار الينابيع أيضا في عام (2009م). ونظرا لما يمتاز به الأديب (مقداد مسعود) من مكانة في الساحة الأدبية، آثرنا أن نقف على بعض نتاجه الشعري لنستوحي منه مظاهر الحداثة الشعرية فكان اختيارنا لمجموعته الشعرية الموسومة بـ(زهرة الرمان) لما تكتنزه من شعر يحمل مظاهر الحداثة الشعرية. 

من أهم تلك المرتكزات التي شكلت ظاهرة بارزة في عمل الشاعر مقداد مسعود حتى أصبحت مظهراً حداثياً يدل على حداثة القصيدة عنده هي:ـ
المظهر الأول/ الفراغ الكتابي أو (الصمت):ـ 
       من المظاهر التي سعت الشعرية الحديثة إلى توظيفها في الشعر هو مظهر الصمت والمراد به ((سكوت الشاعر عن إتمام كلامه قصداً ، إما بقطع الجملة عن الإفادة الظاهرة المبنية على ما يقتضيه النظام اللغوي والنحوي، أو بجعل بعض أسطر القصيدة ــ وبخاصة في الشعر الحر ـ فارغة إلا من النقاط التي يشير إليها الشاعر بكلام لا يستطيع التصريح به أو لا يودّه))(16) . 
وعلى الرغم من أن هذا المظهر من وجوه الحداثة الا أن هناك من يرى أن له جذوره في بناء الشعر القديم، وقد اتخذ عدة أشكال أبرزها ما يسميه البلاغيون (الاكتفاء)، وإن كان هناك فرق بين (الاكتفاء والصمت) لأن الاول يكون بتوظيف كلام يعلم السامع الفطن ما سُكت عنه وهذا مجاله ضيق ودور القارئ في غالبه اكمال ومسايرة لمراد الشاعر. أما الصمت الحديث فهو عن كلام غير معروف في كثير من الأحيان، ولهذا يقع الاختلاف في تفسيره، ويكون للمتلقي دور كبير حيال المسكوت عنه (17). 
وقد اختلف النقاد في تعليل هذه الظاهرة في الشعر الحديث؛ فمنهم مَنْ أوعز صمت الشاعر الى اقتصاد الشاعر في الكلمات فهو ((لا يوظف فيها سوى عدد محدود من الكلمات المقطرة، لكنه يقيم بها كوناً شعرياً صغيراً ... يشكل بنية تعبيرية))(18) وعلل بعضهم الصمت بأنه مسايرة ((لواقع الحياة المعاصرة التي تهتم بجانب المادة والمدركات الحسية))(19) بينما ذهب بعض النقاد في تعليل الصمت الى رغبة الشاعر ((في أن تكون قصائده مكتنزة بعيدة عن الثرثرة))(20) وهناك من جعل الحيرة والقلق لدى الشاعر معاكسين لطموحه نحو تحقيق شخصيته التعبيرية، وهذا هو السبب وراء هذا الصمت في القصيدة (21) وتبقى رغبة الشاعر في اخفاء شيء ما على المتلقي هي السبب وراء صمته، هذا ما أكده بعض النقاد(22) . 
ويتخذ مظهر الصمت شكل النقاط التي توضع بموازاة الشطر وأحياناً تكون الى جانبه. ويرى بعض النقاد أن هذا الاستعمال ((للدلالة على محتوى نصي مسكوت عنه))(23) ومن هذا نعرف أن النقاط التي يضعها الشاعر تحمل معنى دلالياً، فهي لا توضع اعتباطاً.
ولو لاحظنا قصائد الشاعر مقداد مسعود فإننا سنجد أن صمته تكرر، ولم يقتصر فيه على شكل واحد فهو مرة يأتي به بجانب الشطر، ومرة أخرى يكون بموازاة الشطر، وتارة يكون سابقا للشطر. فمثلا في قصيدته (يوسف الخيمة) يقول(24):
                                       
"هذه الخيمة لمن؟
 ـــ هذه خيمتي
                  ـــ خيمتك يا وطني ؟ خيمتك ؟ يا......
حسافة !!
  وأنت الكريم الكريم"
فلو حاولنا الوقوف على دلالة المظهر الذي جاء به الشاعر في الشطر الثالث وهو (يا.....) فالذي يبدو من هذا هو شدة الحسرة التي تعتصر في نفس الشاعر على وطنه، فضلا عن امتدادها واستمرارها. 
 ولأن الشاعر يخشى من ترجمة تلك الحسرة والبوح بها، عمد الى الصمت تاركاً للقارئ المساحة التأويلية للوصول الى مبتغاه.
ويستمر مسعود في القصيدة نفسها بالإتيان بمظهر الفراغ الكتابي فقد ورد عنده (خمس مرات) ولعل ما ذكرناه من تعليل سابق لهذا المظهر، يمكن أن نعلل به بقية المواضع التي جاء بها في القصيدة وهو بيان حسرته. 
وقد يلجأ الشاعر الى اسلوب آخر في صمته بأن يأتي بالنقاط بموازاة الشطر، كما فعل في قصيدة (الرصاص) اذ يقول فيها (25): 

"هذه جنة محصنة/ مَنْ فتح
أبوابها للجراد
فأصبحت كالصريم؟
.................
.................
يا الهي العظيم"
لعل قراءة كاملة لمجموعة مقداد مسعود (زهرة الرمان)؛ سيبدو لنا بوضوح مدى ألم الشاعر وحسرته على ما حل في وطنه بعد ان كان جنةً، فأصبح اليوم كالصريم، وكأن استخدام الشاعر لهذا الفراغ الكتابي يريد من القارئ أن يفكر في من فعل هذا بوطنه، لأنه لا يستطيع التصريح به. 

المظهر الثاني / بعثرة الحروف :ـ 
    بعثرة الحروف أو تجزئتها في الكلمة الواحدة ويتجلى هذا المظهر الحداثي في شعر مقداد مسعود، ويتمثل في بعثرة، أو تجزئة حروف الكلمة، مما يشكل ظاهرة ملفتة لنظر القارئ، كما أنها توحي بدلالة خفية يريد منها الشاعر ايصال شيء معين للقارئ. وقد أشار بعض النقاد الى هذا المظهر قائلاً: ((يمكن عبر الاستفادة من التقنيات الطباعية تحقيق ما يسمى بطوبوغرافية النص))(26) . 
إن هذه الخاصية في بنية النص لا تخرج عن المجال الدلالي أو العلاماتي خاصة وأنها ((وُظفَت في الشعر العراقي المعاصر بشكل ملفت للنظر))(27). وفي تعليل هذه الظاهرة قيل هو لأجل ((اعطاء لغة الشعر كثافة وتركيزاً في الدلالة والافصاح عن القيم الشعرية وتلوين المعنى فضلا عن مصاحبه التقطيع من اثارة للخيال وتنشيط لعوامل التأويل))(28) . 
وهناك من يرى أن مظهر بعثرة الحروف هو عبارة عن ((انعكاس دلالي صوري يكرس الدلالة اللسانية))(29) . 
ولو لاحظنا شعر مقداد مسعود فأننا سنجد أنه يأتي بمظهر بعثرة الحروف في أكثر من موضع، فمثلا في قصيدة (الرصاص) يقول (30): 
"الرصاص
الرصاص 
الرصاص 
رصاص 
رصاص 
رصاص 
رص ...اااص 
رصاص لصوت الصحافة 
... لضوء الثقافة"
فلو حاولنا أن نجد الدلالة لكلمة (رص ...اااص) التي جاء بها الشاعر على هذه الهيأة فيمكن لنا أن نقول: ان الشاعر مقداد مسعود أراد من وراء ذلك تأكيد فكرة مفادها أن ذلك الرصاص الذي يوجه الى شعبه هو متعدد، ومشتت من حيث المصدر ومجهول من حيث الجهة التي يأتي منها، فلا يعرف الشاعر من أين يأتي, لذلك نراه جاء بالكلمة في حال النكرة ولم يعرفها كما هو حال الكلمات الأولى التي جاء بها في مقطعه. 
ويعود الشاعر في القصيدة نفسها فيقول (31): 
"لا أب فوق الشجرة 
رصاص رصاص رصاص ....رصا....ص .
الهي من يسمع الأمهات 
جاريات السواد المؤبد؟ 
الرصاص يحيل الصريخ 
الى جنة دائمة 
تحيل الشكاوى 
الى فوهة 
كاتمة"
هنا نلاحظ أن الشاعر قام بتجزئة كلمة (رصا...ص) ولعله يريد الإشارة الى آثار فعل الرصاص، وما ينتج عنه من تمزق ، وتفتت للحياة.
ويتكرر مظهر بعثرة الحروف لدى مسعود في قصيدته (بصريون) التي حاول أن يصور فيها أحوال أهل البصرة وما مر عليهم من ظلم وطغيان على مر التاريخ وفي هذه القصيدة يقول(32): 
"بصريون 
يقسمون بعمامة الشيخ (عارف البصري)
وبساعدي الشيوعي (هندال)  
ولا يتراجعون 
يتساقطون 
على الطريق 
ي 
ت 
ص 
ا 
ع 
د 
و 
ن"
في المقطع السابق نجد الشاعر يرسم كلمة (يتصاعدون) بشكل عمودي مع فصل حروف الكلمة الواحد عن الآخر وهذا لم يكن رغبة من الشاعر خالية من الغاية أو الدلالة، وانما يمكن أن نستوحي دلالة هذا الفعل من الشاعر بأنه أراد الاشارة الى تساقط الشهداء من أبناء البصرة دفاعاً عن مدينتهم. وبالمقابل يمثل هذا التساقط عروجاً الى السماء وصعوداً الى العلياء. ولعل الشاعر في هذا الرسم للكلمة أراد أن يشير الى ثقل وصعوبة هذا الصعود لما فيه من مشقة لذلك هو يأتي بالكلمة متقطعة للدلالة على ذلك.   

المظهر الثالث/ التكرار:ـ  
       من المفاهيم التي ذُكرت في تحديد التكرار هو ((إلحاح على جهةٍ هامة في العبارة يعنى بها الشاعر، ويكثر من عنايته بسواها))(33). وقيل في معنى التكرار هو ((دلالة اللفظ على المعنى مردداً لتأكيد غرض من أغراض الكلام، أو المبالغة فيه))(34) . 
وهذا المفهوم للتكرار في تأكيد الشاعر، أو المبدع على فكرة معينة أو غرض من الأغراض نجده عند الشاعر مقداد مسعود معتمداً في اظهار ذلك على أنماط متعددة من التكرار، حتى إننا لا نكاد نجد قصيدة في مجموعته (زهرة الرمان) تخلو من نمط من التكرار، سواء كان على مستوى الألفاظ، أو على مستوى العبارة. 
فمثلاً قصيدته (الرصاص) نجد مقداد، وقد ملأ القصيدة بكلمة (الرصاص) حتى يُخيل للقارئ أنه يسمع صوت دوي الرصاص وهو يقرأ هذه القصيدة ومن ذلك قوله (35): 
"يا رفقة الآس والياسمين/ لماذا القرنفل:
سرير الرصاص 
يتهجى المدينة
يعيد التهجي 
متعثراً 
بعفونته المزمنة/ 
الرصاص 
الرصاص 
الرصاص 
رصاص 
رصاص 

رصاص
رص....اااص 
رصاص لصوت الصحافة 
.... لضوء الثقافة 
الرصاص/ يغازل سيدة رائعة"
وهكذا يستمر الشاعر بتكرار لفظة (الرصاص) وكأنه بهذا يشير الى حالة الفوضى التي عمت البلاد بسبب انتشار لغة السلاح الذي أصبح هو الحاكم. والشيء الذي يثير الانتباه في النص أن الشاعر جاء بمفردة (الرصاص) في بداية القصيدة وهي مُعرَّفَة بـ(ال) لكنه بعد ذلك جاء بها نكرة من دون تعريف، وكأنه في الحالة الأولى يعرف مصدر الرصاص أو أنه معروف لدى الناس لكنه في الحالة الثانية أصبح المصدر مجهولا ومتعدداً فهو لا يعرف مَنْ هو المستهدف، لأن الرصاص لم يترك جهة إلا وتوجه نحوها وهنا كناية عن استخدام القوة والشدة في ارغام الناس واخضاعهم للحاكم. لهذا نجد الرصاص موجها للصحافة، والثقافة، وفي الجامعات، والشوارع، والأسواق، وحتى لقتل الأشجار، ونراه في المقطع الأخير يعمد الى التكرار في اللفظة نفسها، ثم بعد ذلك يحاول تفكيكها، والعمل على تشظيتها وكأن في ذلك اشارة الى آثار فعل الرصاص في تفتيت وتمزيق الشيء الواحد. 
وفي الاشارة الى الحيرة والدهشة التي تملأ نفوس الناس نرى الشاعر يعمد الى تصوير ذلك من خلال التركيز على اسم الاستفهام (لماذا) في قصيدته (أسئلة عراقية) اذ نراه يكرر الاسم (سبع مرات) جاءت (أربع) منها بشكل متتالٍ، وهي ما افتتح به القصيدة؛ اذ يقول (36):
"لماذا أموت؟ 
لماذا تموت؟ 
لماذا نموت جميعاً؟
لماذا كثيراً نموت؟ 
وعاد الشاعر في القصيدة ليقول: 
لماذا السواد؟ 
من اسامي العراق 
لماذا السواد وليس الشجر؟"
وقد أراد الشاعر التركيز على حالة معينة ولفت نظر المتلقي اليها، ألا وهي حالة الحيرة والدهشة التي مني بها الشاعر، كما هو حال الناس جميعا بسبب كثرة القتل فيهم، تلك الحالة التي وقف الشاعر إزاءها حائرا لا يعرف لها سبباً. 


المظهر الرابع/ استخدام اللغة اليومية: 
     في هذا المظهر استطاع الشاعر أن يوظف بعض الألفاظ العامية التي يكثر استخدامها في لغة الناس اليومية بوصفها أحد المستويات التي استخدمتها اللغة الشعرية كونها جوهر التحديث الشعري (37) وفي هذا المظهر تتعدد الألفاظ التي تحمل دلالة عامية ومن تلك الألفاظ على سبيل المثال لفظة (خطية) في قوله (38):
                                             "وطن خطية 
                                                 والموت يا سياب 
                                                 أهون من خطية"
جاء الشاعر بكلمة (خطية) ليعبر بها عن حال الوطن المسكين الذي لا يجد من يعينه وينصره، فضلا عن تعبير تلك اللفظة على شدة الانكسار والخذلان لذلك يرى الشاعر أن الموت أهون من أن يقال (خطية) لأنها تحمل الذلة والمهانة وهذا ما لا يستحقه وطنه. 
ونجد الشاعر هنا يتكئ على معجم اللغة اليومية، وهو يعبر عن حبه لوطنه وخوفه عليه من المؤامرات التي تحاك ضده لذلك نراه يتوسل للوطن بقوله (39):
"يا وطني تعال
أبوس يديك
حتى قدميك
لا تدخل
في أروقة المصالحة"
الشاعر استخدم لفظة (أبوس) وهي من الألفاظ التي تشيع عند العامة في التعبير عن الحب. وفضلا عن معجم العامية الذي اتكأ عليه الشاعر نجده كذلك يوظف بعض الألفاظ الأجنبية لخدمة نصه ومن تلك الألفاظ لفظة (موبايل) حيث قال (40):
"لم يسقط التمثال 
تلتقطه المخالب والأقنعة 
تم اشتراء السوط بالأوسمة 
ونغمة في الموبايل" 
وفضلا عن ذلك نلاحظ مسعود يحاول أن يخدم نصه بكل ما أوتي من ثقافة في مختلف المجالات، لذلك نراه يعمد الى بعض العلوم التطبيقية ليستوحي منها بعض الألفاظ قاصدا في ذلك تصوير واقعه الدموي الذي يعكس حالة الدمار الذي مني به الشعب، وفي ذلك يقول (41): 
"الهندسة 
تطبق أشكالها الدموية 
مثلث الموت 
مربع الدم 
مستطيل الرعب 
دائرة الانتقام"

المظهر السادس/ التناص:  
      وهنا يحاول منتج النص الإبداعي الاعتماد على نصوص أخرى في معمارية نصه بغض النظر عن مرجعية تلك النصوص التي يعتمد عليها، فقد تكون مرجعيتها دينية أو أدبية أو تاريخية أو اسطورية، فهذا ما يعبر عنه بالتناص الذي يأخذ أشكالا متعددة منها (الاقتباس والتضمين والمعارضة...) 
مقداد مسعود اعتمد على آلية التناص في انتاج نصه إلا أننا نراه قد لجأ الى اسلوب يكاد يكون مميزا، فهو لا يبني نصه على الاقتباس المباشر أو التضمين المباشر لنص سابق، وانما اعتمد في معمارية نصه على فكرة النص السابق وتوظيفها لخدمة نصه. 

فمثلا في أحد نصوصه يقول (42): 
"هذا وطني 
هذا يوسف 
جردوه أخوته 
حتى من رؤياه 
وألقوه في هذه الخيمة"
وعند قراءة هذا المقطع ومحاولة معرفة المرجعية التي اعتمدها الشاعر، نجدها مرجعية دينية متمثلة بقصة وردت في القرآن الكريم تحكي لنا عن أحد الأنبياء هو نبي الله يوسف (عليه السلام) وملخصها أن أخوة النبي حسدوه وأرادوا التخلص منه فأجمعوا أمرهم على أن يلقوه في "غَيَابَتِ الجُبِّ" وقد فعلوا ذلك، فالشاعر مقداد في مقطعه السابق نراه يتناص مع هذه الفكرة من القصة ليصور حال وطنه كيف أن من يثق بهم ويحسبهم من الأخوة قد قيدوه وألقوا به في خيمة حسدا منهم.
ونلاحظ أن الشاعر قد وجد في هذه القصة ما هو مناسب لبناء نصه، لذلك لجأ الى جزئية أخرى من القصة ليتناص معها من أجل ايصال الفكرة للمتلقي، واقناعه بها. تلك الجزئية تتعلق بما حدث مع امرأة العزيز وتأثير نبي الله يوسف عليها، فقد شغفها حبا، حتى أخذت تراوده عن نفسه. وهنا نجد الشاعر يستثمر هذه الجزئية ليصور حال الشهداء من أبناء وطنه كيف أنهم قد شغفوا حباً بالوطن وضحوا بأرواحهم من أجله. وهذه الفكرة يوجزها الشاعر في مقطع من قصيدته (يوسف الخيمة) يقول فيه (43):  
"الشهداء 
حين استبقوا لم يتركوا يوسف عند 
المتاع 
الشهداء ..... 
شغفهم يوسف حباً"
إن نص الشاعر مقداد مسعود مكتنز لكثير من مظاهر الحداثة، وقد تجلت فيه تلك المظاهر خاصة على مستوى الصياغة الفنية منه، وقد أوحت تلك المظاهر بالبعد الفني والدلالي في قصائد الشاعر. 

* الصفحات المرقمة مأخوذة من ديوان الشاعر مقداد مسعود "زهرة الرمان"