يمثل ديوان ( ئەو خانما ههنێ) (تلك السيدة) للشاعر حسن سليفاني تجربة شعرية تنطلق من المجال الوجداني، لكنها لا تستنفد نفسها في التعبير المباشر عن الحب أو في وصف المحبوبة وصفا خارجيا؛ فالنصوص تتحرك داخل فضاء شعري تتداخل فيه الذات والآخر، والحضور والغياب، والجسد والروح، والصوت والصمت، بحيث تصبح المرأة أكثر من شخصية غزلية؛ إنها بؤرة دلالية تتجمع حولها عناصر الطبيعة والموسيقى والذاكرة والحنين، ومن هنا فإن الديوان يستحق أن يقرأ قراءة تتجاوز التصنيف السريع الذي يضعه في خانة الغنائية العاطفية التقليدية، من غير أن تنقله في المقابل إلى مراتب فلسفية أو وجودية لا تسندها بنيته النصية بصورة كافية؛ وتكشف مادته الشعرية، عن تكرار واضح لعلامات العين والروح والرائحة والموسيقى والمطر والربيع والليل، وعن اعتماد ملحوظ على النداء والتكرار والاختزال والانقطاع.
إن العنوان (ئەو خانما ههنێ) يؤدي وظيفة مركزية في توجيه القراءة، لأنه لا يكتفي بتسمية الديوان، بل يقترح منذ البداية شخصية أنثوية تتقدم على سائر عناصر الخطاب، غير أن أهمية العنوان لا تنبع من كونه يحيل إلى امرأة محددة حسب، بل من طبيعة الإشارة التي يتضمنها، فاسم الإشارة يحيل إلى حضور يقع في مجال الرؤية أو الذاكرة، لكنه لا يضعه في متناول اليد تماما، إن ( تلك) ليست ( هذه)؛ فهي تشير إلى قرب متخيل يقترن بمسافة فعلية أو نفسية، وتؤسس منذ البداية لتوتر بين الاستحضار والابتعاد، أما لفظ (السيدة)، فيمنح المحبوبة خصوصية وجلالا، ويجعلها ذات منزلة تختلف عن موضوع الغزل العابر.. ويتأكد هذا الحضور الأنثوي في تكرار العبارة نفسها داخل القصيدة: ( تلك السيدة)، التي تتقدم في كل مرة إلى المشهد من زاوية حسية أو وجدانية مختلفة؛ فهي (الحالمة مع الويسكي)، و(الغارقة في الأفكار)، و(الضائعة في الدخان)، ثم المرأة التي (من ضوء شفتيها تنبع اللذة)، والتي (جبينها الفجر).
ومع ذلك، ينبغي ألا تحمل هذه الدلالة أكثر مما تحتمل؛ فالعنوان يفتح أفق التأويل، لكنه لا يثبت وحده أن المحبوبة كائن متعال أو حقيقة أنطولوجية، وإنما يهيئ لقراءة حضورها بوصفه حضورا مخصوصا يختلط فيه القرب بالمسافة؛ ومن خلال هذا العنوان تنشأ علاقة بين الاسم والغياب.. فالمحبوبة حاضرة في اللفظ قبل أن تظهر في التفاصيل، لكنها لا تحضر بوصفها جسدا مستقرا وماثلا أمام الذات الشاعرة، بل بوصفها صورة تستعاد وتستدعى وتبنى داخل اللغة. ولذلك لا يكون النداء في الديوان مجرد وسيلة خطابية، بل يتحول إلى آلية لإنتاج الحضور.
إن الشاعر ينادي لأن المسافة قائمة، ويكرر النداء لأن الغياب يهدد صورة المحبوبة بالانمحاء.. ويظهر ذلك بوضوح في تكرار (سمراء، يا سمراء)، و(أحبك، يا سمراء»)، ثم (تعالي حبيبتي)، حيث تتحول المخاطبة إلى محاولة لاستحضار الآخر وتقليص المسافة الفاصلة عنه.
حسن سليفاني
وفي هذا السياق تصبح اللغة بديلا عن اللقاء، لا بمعنى أنها تلغي الفقد، بل لأنها تمنح الذات إمكانية مؤقتة لمقاومته، فالمحبوبة لا تعود حاضرة في الواقع، وإنما تبقى حاضرة في الخطاب، ويصبح الكلام عنها أو إليها شكلا من أشكال إبقاء العلاقة حية.. وتؤكد مضمون بعض القصائد هذا المعنى حين تتحول الرسالة نفسها إلى أثر يعيد الغائب إلى الوعي: (حين وصلتني رسالتك/ ونحن في محنة الفراق / كم كانت تضوع/ بعطر أناملك)، ثم ينتقل الشاعر من أثر الرسالة إلى البحث عن آثار المحبوبة في المكان: (أبحث عن آثار قدميك / في الشوارع الميتة الباردة).
وتتأسس بنية الديوان على جدلية مستمرة بين الحضور والغياب. فالمرأة حاضرة في الذاكرة، وفي النداء، وفي الصور الحسية، لكنها غائبة عن المجال الواقعي الذي يتيح للذات أن تمتلك يقين اللقاء، ومن هنا تتولد نبرة الشوق والقلق، ويتحول الحب إلى تجربة انتظار لا إلى تجربة امتلاك؛ وهذه الجدلية لا تظهر على المستوى الموضوعي وحده، بل تتجسد في بنية الضمائر أيضا؛ فانتقال الخطاب من الحديث عن المحبوبة إلى مخاطبتها، أو من استحضارها بوصفها غائبة إلى معاملتها بوصفها حاضرة، يكشف عن حركة داخلية في وعي الشاعر، فالضمير ليس عنصرا نحويا محايدا، وإنما هو مؤشر على المسافة التي تفصل الذات عن الآخر وعلى محاولات تقليصها أو الاعتراف باستحالتها؛ وتتصل بهذه الجدلية كثرة الأسئلة والانقطاعات والانفعالات المباشرة، فالاستفهام في الديوان لا يؤدي وظيفة معرفية بالمعنى الدقيق، ولا ينتظر جوابا محددا، بل يكشف عن ذات فقدت يقينها وتبحث عن مخرج من الحيرة، إن السؤال هنا صورة من صور القلق، لأنه يعبر عن عجز الذات عن تثبيت معنى نهائي للعلاقة؛ ففي (صور مساء السبت) تتوالى الأسئلة: (كيف تجتمع خيوط النوم/ وتهرب؟/ كيف تجتاز السيم؟/ أنا نفسي لا أعرف/ هل يعرف أحدكم؟)، وفي (الفراشة) يتكرر السؤال بصورة أكثر مباشرة: (لماذا؟» ثم «كيف تأكله؟ / لماذا تأكله؟)، ولذلك تأتي الأسئلة محملة بالدهشة والشك والرجاء والاحتجاج، وتتجاور مع علامات التعجب والتكرار والوقف، فتتحول الجملة الشعرية من خبر يقرر إلى صوت ينفعل. ومع ذلك، فإن كثرة الاستفهام لا تؤدي دائمًا إلى تعميق الدلالة؛ ففي بعض المواضع قد تتحول إلى تكرار انفعالي مباشر إذا لم تتطور من سؤال إلى آخر أو تضف طبقة جديدة إلى التجربة.

تظهر الأنثى في الديوان من خلال مجموعة من العلامات الجسدية، مثل العين والوجه والشعر والشفاه، غير أن الجسد لا يقدم باعتباره مادة وصفية نهائية، فالعين، مثلا، لا تؤدي وظيفة الرؤية فحسب، بل تتحول إلى موضع تتراكم فيه الذاكرة والانفعال، إنها ترى المحبوبة، لكنها في الوقت نفسه تحفظ أثرها وتستعيده وتعيد بناءه، وقد تنتقل العين من كونها أداة إدراك إلى كونها مساحة يقع عليها الصوت أو الموسيقى أو الحزن، فتغدو جزءا من التجربة لا مجرد عضو من أعضاء الجسد؛ وفي (تلك السيدة)، لا تقف العين عند حدود الرؤية، بل تصبح مصدرًا للضوء والانفعال: (نور قلبها/ يضيف للستارة/ بياضا أكثر)، ثم (ضوء شفتيها/ تنبع اللذة)، و(ضوء زندها/ يضيء الشمعة)، وهنا تتضح أحد أهم خصائص اللغة في الديوان، وهي اعتمادها على الانزياح وتراسل الحواس.. فالموسيقى لا تبقى في مجال السمع، والعين لا تظل محصورة في مجال البصر، والرائحة لا تقتصر على حاسة الشم، وإنما تتداخل هذه العناصر لتكوين إدراك شعري مركب، ولا ينبغي فهم هذا التداخل باعتباره غرابة لغوية مجانية، لأن قيمته تتحدد في علاقته بالتجربة النفسية، فالعاشق لا يدرك المحبوبة إدراكا حسيا موزعا، بل يدركها في كلية انفعالية تتداخل فيها الحواس، ومن ثم فإن تراسل الحواس يعبر عن عجز الإدراك العادي عن احتواء التجربة، وعن حاجة اللغة إلى تجاوز الحدود المعجمية المألوفة كي تقترب من كثافة الشعور.
إن الصورة التي تجعل الموسيقى قابلة لأن ترى، أو تجعل العين مجالا لاستقبال الصوت، لا تكتسب قيمتها من مخالفتها للمنطق الحسي فحسب، بل من إعادة تنظيمها لعلاقة الذات بالمحبوبة؛ فالمحبوبة لا تكون موضوعا للرؤية وحدها، ولا صوتا يسمع من الخارج، وإنما تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه الحواس. وبهذا المعنى تنتقل صورة المرأة من مستوى الوصف إلى مستوى التجربة الإدراكية الكاملة، إنها ليست ملامح منفصلة، بل حالة حسية وروحية تعيد تشكيل العالم من حولها، ويؤكد نص (مساء بلون السمراء)، هذا التداخل حين تتحول الضحكة إلى شيء مرئي: (كيف كانت أمواج الضحك البنفسجية / تشرق في شعرها الأسود؟)، ثم يتحول الصوت إلى صورة تستقر في العين: (كيف كان الضحك ينز من عينك اليسرى؟).
وتؤدي الموسيقى، ولا سيما الكمان، دورا محوريا في هذه البنية؛ فالكمان لا يظهر بوصفه آلة موسيقية تضاف إلى المشهد، بل بوصفه وسيطا بين الذات والعالم العاطفي.. وحين تعجز اللغة عن التعبير عن الشوق أو الفقد، تتولى الموسيقى حمل ما لا تستطيع العبارة التصريح به؛ غير أن الموسيقى لا تكون هنا بديلا عن الكلام فقط، بل تصبح ذاكرة للصوت واللقاء، وتمنح الغائب إمكانية العودة من خلال الأثر، فالنغم لا يعيد الشخص الغائب إلى الواقع، لكنه يعيده إلى الوعي، ويمنح الذاكرة مادة سمعية تستمر في الحضور بعد زوال اللحظة، ومن ثم يمكن قراءة الكمان في الديوان بوصفه علامة على ثلاثة مستويات متداخلة: هو صوت، وذاكرة، ووسيلة اتصال، إنه صوت لأنه ينتج الإيقاع، وذاكرة لأنه يستحضر ما مضى، ووسيلة اتصال لأنه يقيم صلة بين الذات والمحبوبة عندما يتعذر اللقاء المباشر، وفي بعض المواضع يتحول الصوت ذاته إلى حامل للذكرى، كما في قوله: (وهدير القطارات التي مرت من فوقنا / يدوي بسمعي)، حيث لا يعود الصوت مجرد حدث خارجي، بل يصبح أثرا مستمرا للحظة الماضية؛ وفي بعض المواضع يتحول الكمان إلى امتداد للجسد، بحيث لا يعود النغم شيئا خارجيا، بل يصبح حركة داخلية تسري في العين والروح والذاكرة؛ وهذا ما يمنح الموسيقى وظيفتها السيميائية، لأنها لا تدل على ذاتها فقط، وإنما تشير إلى ما وراءها من حنين وغياب واضطراب.
أما الطبيعة فانها تحضر في الديوان بوصفها امتدادا للحالة النفسية، لا بوصفها منظرا مستقلا؛ فالمطر والربيع والليل واللون والريح تتحول إلى عناصر تشارك في إنتاج الانفعال.. ولا تحمل هذه العلامات معنى ثابتا في جميع المواضع؛ فالمطر قد يدل على التجدد والخصب، لكنه قد يكون في سياق آخر صورة للعزلة والانتظار، والربيع قد يشير إلى انفتاح الحياة، لكنه قد يضاعف الإحساس بالفقد حين يقابل الشاعر بهجة الطبيعة بغياب المحبوبة، أما الليل فقد يكون فضاء للعزلة، أو مجالا للتأمل، أو زمنا لاستعادة ما لا يظهر في النهار؛ كما تظهر الطبيعة في بعض النصوص بوصفها كائنا مشاركا في التجربة، لا مجرد خلفية لها؛ ففي (صور مساء السبت)، (يطرق الهواء) النافذة، و(المطر دون تفكير / يقبل أوراق البرتقال)، فيما (الغضب يشتعل في روح العشب / الذي يبدأ الرقص غيظا)، هنا لا تعود الطبيعة مجرد مشهد مرئي، بل تدخل في بنية الانفعال نفسه.
وتتحدد دلالة الطبيعة بحسب موقعها من الذات والمحبوبة؛ فإذا ظهرت الطبيعة في لحظة استحضار، أصبحت أداة لاستعادة الماضي، وإذا ارتبطت بالغياب تحولت إلى مرآة للوحشة، وإذا اقترنت باللقاء أو الأمل اكتسبت دلالة الانفتاح؛ ولذلك لا ينبغي التعامل مع المطر أو الربيع أو اللون الأخضر بوصفها رموزا جاهزة، لأن الرمز لا يولد من المعجم وحده، بل من علاقاته داخل النص، إن اللون الأخضر لا يعني الحياة بالضرورة، كما أن الليل لا يعني الحزن بالضرورة؛ فالدلالة تتشكل من السياق ومن طبيعة الأفعال والصفات التي تحيط بالعلامة، ويؤكد نص (تنزه تحت المطر) هذا التعدد، إذ يرتبط المطر بالفرح والحب والربيع، وبالمحبوبة التي (هزت شعرها الغجري)، ثم تتحول ورقة الشجرة التي داعبت خدها إلى حاملة لرائحة جديدة؛ إذ تكتسب الرائحة والروح أهمية خاصة لأنهما تنقلان التجربة من مستوى الحضور الحسي إلى مستوى الأثر الداخلي، فالرائحة لا تحتاج إلى وجود مادي كامل لكي تستدعي المحبوبة، إذ يكفي أن تظل في الذاكرة حتى تؤدي وظيفة الحضور. إنها من أكثر العلامات ارتباطا بالغياب، لأن أثرها لا يرى، ولكنه يظل قادرا على فتح الماضي في لحظة خاطفة. ويظهر ذلك في قوله: (امرأة ما / ترشني بعطر الروح / فتفوح مني خفة الروح)، كما يظهر في الرسالة التي تصل إلى الشاعر (بعطر أناملك).
أما الروح فتشير إلى انتقال العلاقة من الخارج إلى الداخل؛ فالمحبوبة لا تبقى في مجال الرؤية، وإنما تستقر في الذات وتصبح جزءا من تكوينها الوجداني، ومن خلال هذا الانتقال يتضح أن صورة الأنثى في الديوان تتدرج من الجسد إلى الروح، ومن المرئي إلى الأثر، ومن الحضور الواقعي إلى الصورة التي تنتجها الذاكرة، وهذا التدرج لا يعني بالضرورة أن الشاعر يتجاوز الرؤية الغزلية التقليدية تجاوزا كاملا، لكنه يكشف عن محاولة لتوسيعها، فالمرأة تبدأ بوصفها موضوعا للجمال، ثم تصبح سببا للحنين، ثم تتحول إلى ذاكرة، ثم تغدو علامة على ما فقدته الذات أو ما لم تستطع امتلاكه.
ويعد التكرار من أبرز الآليات التي تمنح الديوان طاقته الغنائية، فالشاعر يكرر بعض الألفاظ والعبارات والنداءات، ويعيد بعض البنى في سياقات متقاربة، لكن التكرار لا ينبغي أن يفهم دائما بوصفه حشوا أو عجزا عن التنويع، لأنه يؤدي وظيفة نفسية واضحة؛ إذ تحاول الذات من خلاله تثبيت صورة مهددة بالغياب، إن تكرار الاسم أو النداء يشبه محاولة الاحتفاظ بالآخر داخل اللغة، وكأن العبارة المكررة قادرة على منع المحبوبة من الابتعاد.. ويظهر ذلك بوضوح في التكرار المتواتر لعبارة (تلك السيدة)، وكذلك في (سمراء، يا سمراء / أحبك يا سمراء)، حيث يتخذ التكرار وظيفة إيقاعية ووجدانية في الوقت نفسه؛ غير أن قيمة التكرار لا تتحدد بمجرد وجوده، بل بمقدار التحول الذي يطرأ على دلالته، فإذا تكررت العبارة نفسها دون تغير في السياق أو النبرة، فقد تصبح التكرارات متشابهة ومحدودة الأثر، أما إذا انتقلت من النداء إلى الرجاء، أو من الرجاء إلى الاحتجاج، أو من الاحتجاج إلى الاستسلام، فإنها تصبح بنية متحركة تكشف مراحل الانفعال، ومن هنا فإن التكرار في الديوان يجمع بين الوظيفة الإيقاعية والوظيفة النفسية والوظيفة الدلالية، لكنه لا ينجح بالدرجة نفسها في جميع النصوص.
وتتصل بالتكرار ظاهرة الجملة القصيرة والوقفات والانقطاعات، فبعض النصوص تقوم على عبارات مقتضبة، وعلى مقاطع لا تتطور وفق تسلسل حكائي واضح، وإنما تتجاور فيها الصور والانفعالات، ويمكن قراءة هذا البناء بوصفه محاكاة لطبيعة الذاكرة التي لا تستعيد الماضي في صورة متصلة، بل تستعيده في ومضات ومقاطع، إن الشاعر لا يقدم قصة الحب، بل يقدم شظاياها: صورة، وصوتا، ونداء، وملمحا، ثم انتقالا مفاجئا إلى ذكرى أخرى، ويتجلى ذلك بوضوح في نص (3 صور)، الذي يقوم أصلا على تكثيف التجربة في ثلاث لقطات: (الليل / عرس القلب)، ثم (ابتسامة طفلتي / فرح انتفاضة)، ثم صورة الصبي الذي يوصل الماء إلى البيشمركة ويتمنى ألا يقذفه لغم إلى السماء كما حدث لمن قبله.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل كل تشظ إلى تقنية جمالية مقصودة، فالتقطيع يصبح ذا قيمة حين يخدم حالة الوعي أو يخلق توترا بين الأجزاء، أما إذا اكتفى بتجميع الصور دون رابط دلالي أو إيقاعي، فإنه يؤدي إلى ضعف الوحدة العضوية، ولذلك تبدو بعض النصوص أكثر إحكاما من غيرها؛ إذ تمتلك بعض القصائد مركزا دلاليا تعود إليه صورها، بينما تبدو قصائد أخرى أقرب إلى التدفق الشعوري الذي لم يخضع تماما للتنظيم الفني، وهذه الملاحظة لا تقلل من صدق التجربة، لكنها تميز بين صدق الانفعال واكتمال البناء.
وتطرح لغة الديوان سؤال العلاقة بين (اللهجة الكوردية الكرمانجية) والشعرية الحديثة، فالشاعر لا يستخدم اللهجة بوصفها أداة نقل شفاهي فحسب، وإنما يستثمر مرونتها في النداء والتكرار والإيحاء، ويحول مفرداتها إلى عناصر داخل بناء شعري حديث. وتنبع قيمة التجربة من أن اللهجة الكرمانجية تظهر قادرة على استيعاب الصورة المركبة والعبارة المختزلة وتراسل الحواس، من غير أن تفقد خصوصيتها الصوتية والثقافية.
غير أن القول إن الديوان يمثل (انتصارا) نهائيا للكرمانجية أو أنه أخرجها بصورة مطلقة من أسر الفولكلور يظل حكما واسعا يحتاج إلى مقارنة تاريخية ونصية مع نماذج أخرى من الشعر الباديني (الكرمانجي).. والأدق أن يقال إن الشاعر أسهم في توسيع المجال التعبيري لهذه اللهجة، وأثبت قدرتها على إنتاج خطاب شعري يتجاوز التقرير والوصف المباشر؛ فالتجديد لا يتحقق بمجرد استعمال اللهجة، وإنما يتحقق في الطريقة التي يعاد بها تنظيم العلاقة بين المفردة والصورة والإيقاع والدلالة.
ويتحرك الديوان في هذا السياق بين الموروث والابتكار، فبعض الصور تستند إلى المخيال الغزلي المعروف، وبعضها الآخر يحاول الانتقال إلى صورة أكثر تركيبا تقوم على تداخل الحواس وتكثيف العلاقة بين الجسد والطبيعة والموسيقى.. ولا يصح وصف كل صورة مألوفة بأنها ضعيفة، لأن المألوف قد يكتسب قيمة جديدة إذا أعيد تركيبه داخل سياق مغاير، إن السؤال النقدي لا ينبغي أن يكون: هل الصورة قديمة أم جديدة؟ بل: ماذا فعل الشاعر بها؟ وهل أعاد إنتاجها أم أعاد تأويلها؟ وتقدم صورة (جبينها الفجر) مثالا على استدعاء صورة مألوفة في أصلها، لكنها تدخل ضمن شبكة النص التي تربط حضور المرأة بإضاءة الليل وتزيين المجال المحيط بها.
وتتمثل أحد حدود التجربة في انحصار عدد كبير من النصوص في ثنائية الأنا والمحبوبة، فهذا الانحصار يمنح الديوان وحدة وجدانية، لكنه يحد أحيانا من اتساعه الموضوعي، فالعالم الخارجي لا يظهر غالبا بوصفه موضوعا مستقلا، بل يتحول إلى انعكاس للعلاقة العاطفية.. والمطر والليل والموسيقى والربيع لا تستقل بعالمها الخاص، وإنما تؤدي وظيفتها من خلال علاقتها بالحب والانتظار والذكرى.
غير أن محدودية الموضوع لا تعني بالضرورة محدودية الشعرية، فقد تنجح التجربة الخاصة في اكتساب بعد إنساني عام عندما تتجاوز حدود الاعتراف الشخصي إلى مساءلة الزمن والغياب والذاكرة والمصير، وفي ديوان حسن سليفاني تبرز إشارات إلى هذه الأبعاد، لكنها لا تتحول دائما إلى رؤية فلسفية مستقلة أو إلى أسئلة كونية واضحة، إن العمق في الديوان وجداني بالدرجة الأولى، ويتجلى في حساسية الشاعر تجاه الفقد والانتظار وتحول العلاقة إلى أثر، أكثر مما يتجلى في بناء تأمل فلسفي مكتمل، ويظل هذا التحول من الخاص إلى الذاكرة واضحا في قوله: (اليوم طاب لي / أن أثقب صندوق الذكريات / وأخرج منه.. حفنة من صور)، حيث يصبح استرجاع الماضي وسيلة لاستعادة العلاقة لا لاستكمال بناء فلسفي مستقل.
ومن هنا فإن القيمة النقدية للديوان لا تكمن في كثرة المصطلحات التي يمكن إسقاطها عليه، بل في اللحظات التي تفرض فيها اللغة نفسها بوصفها تجربة حية.. فحين تتحول العين إلى مجال للموسيقى، أو تتحول الرائحة إلى وسيلة لاستدعاء الغائب، أو يتحول الصوت إلى ذاكرة، يصبح الانزياح جزءا من ضرورة التعبير لا مجرد لعبة أسلوبية، وحين تنجح القصيدة في تنظيم هذه العناصر داخل مركز دلالي واضح، تتحول العاطفة إلى شعر، أما حين تتراكم الصور دون رابط أو تعود العبارة إلى مألوفها دون إضافة، فإن النص يبقى في حدود البوح الوجداني.
وعليه، فإن ديوان (ئەو خانما ههنێ) يمثل تجربة شعرية جادة ذات خصوصية داخل الشعر( الكرمانجي) الباديني الحديث. إنه لا يقطع نهائيا مع الغنائية الغزلية، ولا يقدم في جميع نصوصه تجديدا متساويا، لكنه ينجح في إعادة بناء عدد من عناصر هذه الغنائية من خلال لغة مكثفة وإيقاع داخلي وصور حسية متداخلة، وتتمثل أهميته في أن الأنثى فيه لا تبقى موضوعا للمديح والوصف، بل تتحول إلى علامة تنظم علاقة الذات بالعالم، وتربط الجسد بالروح، والصوت بالذاكرة، والطبيعة بالغياب.
إن القراءة الأرجح للديوان هي أنه نص يقوم على شعرية النداء والهمس والاستعادة، فالمحبوبة فيه حاضرة بقدر ما هي غائبة، والموسيقى حاضرة بقدر ما هي لغة للعجز عن الكلام، والطبيعة حاضرة بقدر ما هي انعكاس للذات، والصمت حاضر بقدر ما هو امتلاء بما لم يقل، ومن هذه المفارقات يستمد الديوان طاقته الجمالية، كما تستمد منه قراءته النقدية مشروعيتها، ويكثف نص مضمون بعض القصائد هذه العلاقة بين القول والعجز عن القول، حين تتكرر الكتابة دون جواب، ثم تصبح الرسالة ذاتها حاملا للعطر والذاكرة والحنين.
ولا يصح، في الحكم النهائي، أن يوصف الديوان بأنه تجربة مكتملة التجاوز لكل الموروث، كما لا يصح اختزاله في قصائد حب مباشرة؛ إنه تجربة تقع في منطقة وسطى بين الألفة والابتكار، وبين الغنائية التقليدية ومحاولة تحديث الصورة، وبين البوح الشخصي والانفتاح الجزئي على الدلالة الرمزية، وهذه المنطقة الوسطى ليست نقصا بالضرورة، بل هي جوهر التجربة نفسها؛ إذ تكشف عن شاعر يحاول أن يجعل من اللغة العاطفية مجالا لإنتاج شعرية جديدة، دون أن يتخلى عن جذورها الوجدانية والثقافية؛ يمكن القول إن حسن سليفاني ينجح في تحويل الحب إلى بنية لغوية، والغياب إلى حضور شعري، والأنثى إلى مركز تتوزع حوله العلامات، غير أن نجاحه الأكبر يتحقق حين يترك الصورة مفتوحة على التأويل، وحين يجعل الموسيقى والطبيعة والذاكرة تتفاعل داخل نسيج واحد، أما مواطن الضعف فتظهر حين يظل النص أسير التكرار العاطفي أو الصورة المألوفة أو التراكم غير المنظم، وعلى الرغم من ذلك، يبقى الديوان نصا جديرا بالقراءة النقدية، لا لأنه يقدم عالما عاطفيا مؤثرا فحسب، بل لأنه يكشف عن قدرة الشعر (الكرمانجي) الباديني على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة ذات طاقة إيحائية وجمالية قابلة للتأمل والتحليل.
( صدر ديوان تلك السيدة للشاعر حسن سليفاني ، عام 2010 ضمن منشورات اتحاد الادباء الكورد في دهوك، بالحروف العربية . طبعة ثانية عن دار نشر ليس في ديار بكر- تركيا عام 2010 أيضا بالحروف اللاتينية).