أيلول/سبتمبر 07
   

   قد يكون السارد زهير الجزائري من أكثر كُتّابنا اهتماما بالسيرة، لكنه بدا متميزا في كتابة الرواية والقصة، وعلى نحوٍ منحَ السيرة طاقة الانفتاح على ما تقتضيه لعبة السرد من تمثلات، تعني بوظائفية المكان والشخصية والزمن، والاحتفاء بالوثيقة عبر القص، أو عبر تعميق الاحساس بما يُفضي اليه، من مفارقات وصراعات، ومن ايحاءات تتبدى من خلال تنويعات مختلفة، ما يجمعها هو حساسية تمثيل الشخصية المفارقة، التي تعيش الواقع المأزوم، حيث تراقبه من دون أن تتمرد عليه، تعيش هواجسه عبر ما تحوزه من "وعيٍ شقي" يدفعها للاغتراب، والتشظي، والى النكوص حول الذات التي تواجه النفي، والتناقض، وتمثيل مأساة الوجود عبر المكبوت والخوف والسخرية والمشاعر المتضادة والمتنافرة.
في قصص مجموعته الجديدة (كافي) يأخذنا القاص والروائي زهير الجزائري الى عوالم تمور بسخرية فاجعة، يجعل منها الجزائري موقفا، أو رؤية، أو لعبة تقوم على خرق الواقع، أو تعريته، عبر موجهاتها السردية في التعرّف إلى المقموع في الزمن العراقي، وعبر انزياح "المتخيل السردي" الى أن يكون اجراء ضديا، إزاء واقعٍ عراقي غارق بالتراجيديا، حيث يفقد ألفته، ليبدو سوداويا، وحيث لا نشم رائحة الحياة الا عبر ما تمارسه شخصياته، في صخبها الداخلي، وفي احساسها القلق بأنها مُراقبة، وأنها تعيش محنتها الوجودية تمثيلا لمحنتها السياسية، أو الانسانية، حدّ أن عنوان المجموعة "كافي" برمزيته المُستَفزة يحمل معه تشفيرا لسيميائية "السوداوي" في الزمن العراقي، والى ما يهدف له من استكناهٍ لحمولاته المقموعة، ولدلالاته المخفية..
هذه المجموعة الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق/ بغداد 2026 تقترح عبر عناوينها الثانوية نوعا من "التبئير الصوتي" الذي يربط بين دالة العنوان الرئيس، وبين الاحالات النفسية التي تعيشها شخصيات القصص، وهي تنخرط في صراعتها الداخلية والخارجية، وفي تمثيل ازماتها، عبر اخفاء ذلك المقموع، أو عبر تسريبه الى عوالم شخصياته المُحبَطة والمهزومة، والمعطوبة، حيث تتوزع بين "الظل المراقب" و"الغريق" و"محاولة انتحار" و"مفقود" و"صمت" و"الحرام" وغيرها، وعلى نحوٍ تبرز فيه هو القاص، الذي ينزع ذاكرة "كاتب الريبورتاج" و"السيرة" كاشفا عن مخيال سردي مدهش، يملك خبرة الحكواتي الماكر والساخر، وذاكرة المؤرخ والسارد الذي يجسّ "زمن القص" عبر نوع من الاركولوجيا، مستغرقا في حفر عوالمه الجوانية، حيث الأمكنة "المعادية" بتوصيف باشلار، وحيث الشخصيات التي تعيش هامشيتها، وعقدها العاطفية والجنسية، من خلال احساس بالفقد، أو من خلال وجودها الغائر في دوستوبيا سوداء، فتعيش ازمتها في الواقع عبر وعي فجائعي، وعلى نحو يكون فيه عنوان المجموعة "كافي" موجها سرديا، بحمولة سيميائية ونفسية، وحتى لسانية، تذهب الى استثارة ذلك المقموع، حتى يبدو وكأنه صرخة مكبوتة، تحمل عبر رمزية التسمية احتجاجا قاسيا، واغترابا سياسيا واجتماعيا، ليس لتجاوز اليومي والهامشي، بل للاستغراق بهما، بوصفهما تمثيلات رمادية لزمن سردي، ليس بعيدا عن استغراقات الواقع العراقي، في غرائبيته، وفي مفارقاته.. 
يخلق هذا العنوان حالة من الدهشة، فيضع القارىء ازاء أسئلة مباغتة، على مستوى تمثيل العتبة النصية، أو مستوى الانفتاح على احتمالات تأويلية متعددة. وكأنه يكشف منذ البداية عن ميل الكاتب إلى توظيف "الرمزية" في بناء عوالم مضطربة تعيش اليومي، بوصفه زمنا اشكاليا، مثلما تعيش الهامشي بوصفه مكانا فقد كثيرا من ألفته؛ ففي قصة "الملجأ" تنخرط الشخصيات في لعبة موحشة، حيث التناقض والفقد، ومواجهة "الحرب/ القصف/ القناص" وحيث يتحول "العالم السفلي" الى عالم تطهيري للاعتراف، والتوهم بالخلاص، والتنفيش عن المكبوت الجنسي.


 
(كافي) وسردية الخوف: 

في القصة الأولى (كافي) التي حملت المجموعة اسمها تتحول اللعبة السردية الى سخرية سوداء، والى حفر غرائبي في الزمن العراقي، عبر شخصية "عباس الأسود" صاحب "النبوءات" وعبر شخصية "كافي" الذي يعيش ازمة علاقته بالأب والمكان، واحساسه باللانتماء الذي يدفعه الى الهروب الفنطازي، حيث الموت غرقا، وحيث "الهوية المقتولة" والاشتباك الفاجع مع الآخر، والولوج في تحولات وصراعات وجودية ونفسية، تكشف عن غرائبية التناقض، وعن عنف التوتر، وعن دوافع القاص الى اعطاء عبارة "كافي" بعدا يتجاوز احالته النفسية، الى سلسلة من الاحالات الثانوية التي تكشف عنها شخصيات تعيش الواقع بوصفها نظيرا له، على مستوى التشظي والفقد، وعلى مستوى العلاقة المضطربة/ القلقة مع المكان والهوية والآخر ومع الماضي.
هذه القصة الطويلة ترسم خطا سرديا للمجموعة، ليس بدلالة الاسم فقط، بل بواقعيتها الدالة، في تمثيل سردية المفارقة داخل الحدث، وفي اعطاء اليومي والهامشي تمثيلات نفسية، وعلاماتية، تعكس محنة الاغتراب الوجودي للشخصية، وعقدة اغتراباتها الصغيرة، مع الأب والنهر والقرية والمكان والمهجر والهوية، حتى تبدو وكأنها الأقرب الى تمثيل سيرة عوليسية، تعيش هواجس البحث عن المعنى، وعلى نحو تبدو فيه شفرة "الماء" دالا سيميائيا على المفارقة السردية، فبقدر ما تكون شحة الماء في "شط الديوانية" خيارا بين البقاء المجدب والانتظار الميتافيزيقي لحكمة "انليل" وبين السفر عن "البلاد المنحوسة" فإنها في الجانب الآخر تكون سببا فجائعيا في الغرق وسط امواج صاخبة.
بنية التناقض في هذه القصة تكشف عن مهارة القاص في ربط الحدث الواقعي بحركة الشخصية، وبهروبها القلق المتواتر داخل الدوستوبيا في الداخل والخارج، وعن اعطاء ثيمة "الماء" بعدا وظائفيا، ليس لتمثيل ثنائيات الحياة والموت، والحضور والغياب، والدنس والتطهير، فحسب، بل لتمثيل حركة الشخصية "العوليسية" المهزومة في بحثها عن الغائب، وفي تحويل عنصر النجاة من الانقاذ الى وظيفة موازية لإشباع نفسي يصنعه الآخر في تمثيله الوجودي، وفي مواجهة ما هو غائر في رمزية التسمية، وفي الغياب عبر الحب/ سالي، وعبر اللغة والاشباع، وليس عبر الذاكرة التي تعيش قلقها الوجودي، وفي بحثها عن "الممالك المفقودة".

السردية الخائفة:
قد تبدو سردية الخوف انعكاسا عميقا لتمثيل الواقع، أو لما تستبطنه الشخصية من ذاكرة مفجوعة، لكن غرائبيتها تكمن في توظيفها، وفي تبئيرها السردي، على مستوى يكون فيه الخوف هو لازمة وجودية، وعلى مستوى أن تكون اداة في الكشف عن علاقتها بذلك الواقع، وبما يحمله من استغراقات سياسية، وعلامات دوستوبية، تتمثلها الشخصية الخائفة، وهي تساكن وجودها عبر الهلع والفزع وكوابيس المطاردة؛ ففي قصة (ظلي) يضعنا القاص ازاء مونولوج قصصي يعيش تخيلاته "البطل" المسكون بذاكرة سوداء، وبروح مهزومة، فيصنع له "ظلا" متخيلا، له رمزيته، واحالاته النفسية، في تمثيل ذاكرة رعبه من السلطة، ومن شبحية وجودها حولها، وهي من القصص الجميلة، ذات البناء النفسي المكثف، في جملها القصيرة، وفي تقانة تصوير المشاعر المضطربة، عبر لغة ماكرة في احالاتها وفي توصيف حركاتها، وفي تحويل "الآخر" الى كائن كابوسي، يطارده، لكنه رمزيٌ في الكشف عن غرائبية الفجائعي من عالمه السري، عالم السجن السياسي الذي لا يبدو دوستوبيا مجردا أو فنطازيا، بل هو أقرب للواقع الذي يجعل من ثنائية المراقبة والظل ترميزا للقلق الوجودي، ولأزمة شخصية "المثقف العراقي" الذي يعيش محنة احلامه المعطوبة، مثلما يعيش محنة السجن الرمزي والكابوس الذي  يجعله خاضعا الى لعبة الملاحقة، حيث يفقد معها الاحساس بلذة المعنى والمكان والذات، حتى يبدو وكأنه يكبت صرخة دفينة تخفي رمزية الاحالة الى تسمية "كافي" بوصفه احتجاجا، ورفضا وحلما بالخلاص.
في قصة (مفقود) يفتح القاص سردية الحرب، بوصفها سردية غامضة، ليست بعيدة عن تمثيل الخوف الوجودي، الذي تعيشه الأم عبر ثيمة الفقد، يتحول فيها التخيل العاطفي الى اشباع وجودي، والانتظار الى زمن متحرك، يجس من خلاله القاص المخفي من الزمن العراقي، الذي يبدو وكـأنه زمن مخادع، يمور بالأسى والخيانة والخطيئة والخوف، حتى يتحول فيه العنوان "مفقود" الى حامل سيميائي، والى موجّه سردي يفضي الى يوميات الانتظار، والى "زمن الحرب" ذاتها، بوصفه زمنا ضديا للأم التي ترفض موت ابنها أو فقدانه، مقابل أنها تُصّدق حكاية انتظاره، وعلى نحوٍ يبدو صوت هذا الانتظار الداخلي وكأنه صوتها الحقيقي الذي يستدعي ما هو مكبوت، عبر استرجاع العنوان الرئيس "كافي" لمواجهة سطوة "الموت" الذي تصنعه السلطة عبر حربها الملعونة، الحرب التي تلبس اقنعة الغياب والفقد.
وحتى في قصة (صمت) بغرائبيتها، تنفتح لعبة السرد على مخزون واسع من المرارة، حيث وجد القاص في الفنطازيا تسويغا لتمريرها، بوصفها خروجا عن الواقع الى ما يشبه "المرايا البورخسية" تلك التي نرى من خلالها الواقع متشظيا، وسحريا، ومكشوفا على صور واحداث متخيلة، لكنها تحمل معها طاقة رمزية ومكبوتة للهواجس الجماعية التي تتساكن في المدن الملعونة، مدن الدوستوبيا والاستبداد والحرب.
تبدأ القصة بمجيء (الموتى الى المدينة فرادى) حاملين معهم "اللوم" الى الاحياء المنشغلين بانتظار "حرب وشيكة" فلم يجدوا منهم سوى التجاهل، وكأن اولئك الأحياء يعيشون موتا آخر، الموت الذي يمثله الانتظار والخوف والقلق، والتاريخ الواقف ازاء حروب تتكاثر، وازاء واقع بدا غائما، يتحول فيه الموتى الى شهود على ميتات عشوائية للمدن والناس، والى جزء من طقوسهم وهم يصنعون قصصا موازية، تستدعون من خلالها يوميات الأرض الحرام، وسير موتاها، عبر تمثيل سيرة الحرب، وسيرة الأوهام المقدسة التي يصنعها قائد الحرب وامام الجامع وحارس المقبرة.
قصة (غريق) تنفلت بخاصية سردية عن قصص المجموعة، في تمثيلها للموت بوصفه عبثا، أو تمردا، حيث يحمل بطل القصة "المختلف عن اصدقائه الاربعة، هاجس البحث عن ذلك الموت، بوصفه قناعا للبحث عن الخلاص والمعرفة، يعيش اوهامه وخوفه الداخلي، بوصفه كناية عن رفضه للواقع، وربما عن خوفه السياسي، أو احساسه باللاجدوى من الواقع الذي لم تنفع معه "لعبة حسابات الموظف في البنك" فلا يملك سوى أن يمارس "عريه" الخارجي، كايهام نغسي لتطهير وجوده عبر عريه الداخلي، فيذهب الى اختيار لذة الموت مثل أي بطل وجودي، لكي يرى "رجفة نجيفته" الغائبة والبعيدة.
قصة (مجرد موظف) تحمل مفارقتها عبر هوية بطلها المحقق الأمني، الذي يُذكرنا بحديث حنا ارندت عن "تفاهة الشر" حيث تتحول فرجة القتل/ الاعدام الى لعبة باردة، والى ممارسة عادية يخضع فيها العمل الى توصيف تجريدي، القاتل فيها ليس بطلا ولا مجنونا ولا ساخطا، إنه "مجرد موظف" كما تقول، يُنفذ الأمر بهدوء لغوي، وبيدين لا ترتعشان، يجعل من بيروقراطية الوظيفة ممارسة في الحياد، وفي الرتابة التي تعزله عن التفكير.
"هو لم يقتل أحدا بنفسه" كما يصفه القاص، يختفي خلف الطاولة، "بالكاد يرفع رأسه عن سجل المعتقلين" لكنه يتحول الى كائن آخر من خلال "الأسئلة المستفزة" اسئلة القتل، التي هي اسئلة لا وعي السلطة ذاتها، حيث تتحول لغته الباردة "نحن نعرف، لكننا  نريد أن نسمعها من فمك وبوضوح، وأن تعدهم  وااااحدا وااااحدا وبالأسماء الصريحة" الى اخصاء للآخر الضحية، ولفرض سلطة التفاهة على الواقع.
سردية الأقنعة هي سردية تعرية الواقع، فبقدر ما يعيشه في برودة طقس اشرافه على الاعدامات، فإنه يُصّدق حكاية هذا الطقس، بوصفه واجبا لا وعيا، وبلادة في تمثيل زمنه النفسي، وهذا ما جعل اصطدامه  بأوامر "ابن الرئيس" حول تفسير كلمة "تنظيف السجون" خرقا لـ"الواجب" وللمألوف من طقوسه، وتجاوزا على رتابة يومه القاتل، وعلى علاقته بالعائلة التي فقدت ايقاعها بعد أن حلم بأن الجثث الكثيرة التي لم يحقق مع اصحابها مازالت تتساقط.
قصص هذه المجموعة بواقعيتها "المتوحشة" ليست بعيدة عن اغواءات كاتب "السيرة" التي استغرقت كثيرا من مشروع زهير الجزائري، لأنها قصص ذهبت الى تقشير الواقع، والى اعادة فحص المحنة العراقية، عبر فاعلية السرد، وعبر لعبته الاركيولوجية في الحفر، والتأليف، وفي الكشف عن المقموع، وعن الاستلاب الذي تعيشه شخصيات، سلبتها الحرب والاستبداد والقمع كثيرا من وجودها، وعن لذائذ وجودها في المكان والحب والهوية.


علي حسن الفواز: ناقد وروائي وشاعر/ رئيس اتحاد الادباء والكتاب في العراق السابق.