أيلول/سبتمبر 07
   

    تمثل مجموعة «كافي» القصصية واحدة من التجارب السردية التي تعكس تحولات القصة العراقية بعد الحروب، إذ يغادر زهير الجزائري السرد المباشر للأحداث السياسية ليعالج آثارها العميقة في الإنسان العراقي. فالحرب لا تظهر بوصفها حدثًا عسكريًا، بل كحالة وجودية تفرض حضورها على الشخصيات والأمكنة واللغة. 
وتتسم الشخصيات بالهشاشة والعزلة، فهي لا تواجه الحرب مباشرة، وإنما تواجه نتائجها: الفقد، والانتظار، والقلق، واضطراب الذاكرة. لذلك يعتمد الكاتب على الاقتصاد اللغوي، والجملة المكثفة، والإيحاء أكثر من التصريح، وهو ما يفتح النصوص على تأويلات متعددة. ويتضح أن الجزائري لم يكتب عن الناجين بوصفهم منتصرين، بل بوصفهم حاملين لجينات الخوف الموروث، لتبدو النجاة في نصوصه عبئاً وجودياً يتطلب شجاعة فائقة لمجرد التعايش مع تفاصيله اليومية المأزومة.
كما يمكننا ان نستكشف ان المكان يحضر بوصفه حاملًا للذاكرة، فلا يكون مجرد إطار للأحداث، بل يعكس الخراب والتحولات التي أصابت المجتمع العراقي. وتؤكد هذه التقنية أن آثار الحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، لذلك وجه الجزائري اهتمامه إلى الإنسان الذي يعيش في ظل الخراب الذي خلّفته الحروب، حيث تصبح آثارها جزءًا من الحياة اليومية ومن بنية الشخصية السردية. ويبرز في المجموعة مفهوم "ما بعد الحرب"، إذ تتحول الحرب إلى ذاكرة مستمرة أكثر منها حدثًا منتهيًا، فالشخصيات تبدو مثقلة بالفقد والقلق والانتظار، وتعيش حالة من الانكسار الداخلي تجعلها عاجزة عن استعادة توازنها النفسي أو الاجتماعي. وهذا ينسجم مع الكثير من اتجاهات السرد العراقي المعاصر التي ترى أن نهاية الحرب لا تعني نهاية معاناتها. 
أما المكان فلا يؤدي وظيفة خلفية للأحداث، بل يغدو شاهدًا على الخراب. فالأمكنة تبدو فاقدة لحيويتها، تحمل آثار التصدع والتغير، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين دمار المكان واهتزاز هوية الإنسان. ويصبح المكان سجلًا لذاكرة الحرب، يستدعي الغياب والخسارة كلما تحركت الشخصيات داخله. 
إن ما سبق ذكره يستدعينا لربط المجموعة القصصية وأفكار الكاتبة الامريكية كاتي كاروث لأن نظرية كاروث عن الصدمة تعد من اهم الأطر النقدية في دراسة ادب الحروب؛ فهي ترى أن الصدمة لا تُختبر لحظة وقوع الحدث فحسب، وإنما تظهر آثارها لاحقًا في صورة استرجاعات وذكريات قهرية وانقطاعات في الوعي، أي إن الإنسان لا يستوعب الحدث الصادم كاملًا عندما يقع، وإنما يعود إليه مرارًا في أزمنة لاحقة. ولهذا فإن السرد الذي يتناول ما بعد الحرب لا يروي الحرب نفسها بقدر ما يروي استمرار حضورها في النفس الإنسانية.  
يمكن القول إن المجموعة القصصية دونت سردياتها بعد حرب الخليج الأولى فلم تكن تكتب الحرب، بل كانت تكتب ما تركته الحرب في النفس البشرية. ولهذا نجد أن البطل لم يعد الجندي أو المقاتل، وإنما:

الأب الذي عاد غريبًا عن بيته. 
الأم التي تنتظر من لن يعود. 
الطفل الذي كبر في ظل الخوف. 
الموظف الذي يمارس حياته وكأنها فقدت معناها. 
المدينة التي تبدو حية، لكنها تحمل ملامح الخراب. 

وبذلك يتحول الواقع الى فضاء تحكمه الذاكرة الجريحة وهو ما ينسجم مع رؤية كاروث للصدمة بوصفها حضورا دائما للماضي داخل الحاضر. أما المؤشرات التي يمكننا تثبيتها على اول قصة وفقا لرؤية كاروث فهي: 

- أزمة الذاكرة وجرحها لدى القاص:

ترى كاروث أن الصدمة ليست حدثاً يُمحى، بل هي "ذاكرة لزجة" ترفض أن تصبح ماضياً. في أدب الجزائري، وبالمطابقة على قصة «كافي»، نجد أن البطل نجا بجسده من المحرقة (الحرب أو الديكتاتورية)، لكن وعيه مسمّر في تلك اللحظة فهو لا يعيش الحاضر؛ الحاضر عنده مجرد قشرة لحياة فقدها، بينما الوعي الحقيقي مستغرق في اجترار الماضي. هذا التداخل بين الأزمنة يجسد مفهوم كاروث عن "الحاضر الدائم للصدمة"، حيث يعجز الناجي عن تحويل التروما (1) أو الصدمة إلى "حدث تاريخي منتهٍ"، فتظل تتكرر في ذهنه كشريط لا يتوقف.

-  سيكولوجيا الناجي وعقدة "الخوف المزمن":

يركز الجزائري على مفهوم "الخوف الكامن" الذي يتحول من رد فعل مؤقت إلى "بنية شخصية دائمية" فشخصية (كافي) تجسد الناجي المشوه سيكولوجياً. النجاة هنا ليست خلاصاً بل هي ورطة؛ فالناجي يعاني من "عقدة الذنب" لأنه بقي حياً بينما مات كل افراد عائلته، أو لأنه اضطر لتقديم تنازلات قاسية ليبقى حياً. تظهر عليه أعراض ما بعد الصدمة عبر التوجس والريبة والخوف (الشك في كل شيء)، والتحسس المفرط من الأصوات أو الأمكنة، وكأن الخطر مستمر ولا ينتهي بانتهاء مسببه. 

ـ  صدمة التوقع والنبوءات السوداء (توارث التروما) أي الصدمة عند كاروث:

تؤكد كاتي كاروث أن أدب الصدمة هو في جوهره "أزمة شهادة"؛ الضحية يريد أن يشهد على الهول لكنه يعجز لأن الكلمات التقليدية خانته فلجأ إلى عمق الروائي السيكولوجي وكانت لغة قصة «كافي» تتحرك بين دقة الوصف وتلعثم الذاكرة. هذا التناوب الأسلوبي يعكس محاولة الشخصية للشهادة على ما حدث، لكنها شهادة مجروحة ومتشظية بفعل الصدمة، في هذه القصة يتحدث عن ولادته على حافة الشط، وكيف سمّاه والده (عباس الأسود) بهذا الاسم إعلاناً للاكتفاء عن زيادة النسل، وكيف كان الأب مسكوناً بالشؤم ويتوقع السوء فيأتي مطابقاً لخياله وفي ذلك دلالة ان الإنسان العراقي عند الجزائري لا ينتظر وقوع الكارثة ليُصدم، بل إن وعيه مشكل سلفاً من "إرث من الخوف والتوقع الأسود". هذا التوقع المستمر للموت أو الخراب هو آلية دفاعية نفسية، لكنها في الوقت ذاته تُثبت أن الصدمة أصبحت "بنية جينية" تنتقل عبر الأجيال.
تؤكد كاتي كاروث أن أعنف ما في الصدمة هو عجز الضحية عن ترك الماضي يمضي، حيث يقتحم الماضي الحاضر بانتظام في قصص «كافي»، يبدو الزمن السردي مشلولاً أو دائرياً والشخصيات في المجموعة تتحرك في حاضر مفترض (زمن النجاة أو ما بعد العاصفة)، لكن وعيها محبوس في غرف التحقيق القديمة، أو جبهات القتال، أو لحظات الهروب عبر الحدود. هذا يطابق مفهوم كاروث في ان الناجي لا يختبر رعب الموت لحظة وقوعه، بل يختبره حين ينتهي كل شيء ويجلس في غرفته ليلاً ليستمع إلى دقات قلبه المتسارعة. النجاة عند الجزائري هي "وهم مادي"، بينما الحقيقة النفسية هي استمرار الأسر داخل زنزانة الصدمة الأولى.

- أزمة الشهادة بين التوثيق والتخييل:
ترى كاروث أن التعبير عن الصدمة يمثل "أزمة شهادة"؛ فالحدث الصادم من الضخامة بحيث تعجز تقنيات السرد التقليدية عن احتوائه يتضح هذا في قصص «كافي» عبر التداخل المنهجي بين أسلوب السيرة الذاتية، والتوثيق الصحفي، والتخييل القصصي. هذا التذبذب الأسلوبي يعكس أزمة الناجي/ الكاتب نفسه؛ فهو يقف شاهداً على دمار جيله، ويجد نفسه ممزقاً بين رغبة الصحفي في تدوين الحقائق العارية، ورغبة الفنان في تحويل الألم إلى رمز. الفراغات والتشظي الاسترجاعي في بناء القصص هي الانعكاس الفني المباشر لوعي مصدوم يعجز عن صياغة حكايته في خط مستقيم ومتماسك.
وفقا لهذا المنظور قسّمتُ هذه العناوين إلى ثلاث مجموعات موضوعية ونقدية وفق نظرية كاتي كاروث وسيكولوجيا الناجي:

أولاً: تروما تفكك الذات وأزمة التعبير الأدبي 

تشمل قصص: (ظلي، الخائف، صمت) في هذا المحور، نتبين كيف تضرب الصدمة النفسية "النواة الصلبة" للإنسان؛ أي وعيه بذاته وقدرته على التواصل مع العالم.

ـ «ظلي» والتجزؤ النفسي: ترى كاروث أن الصدمة العنيفة تؤدي إلى تشظي الأنا. في هذه القصة، يتحول "الظل" من رفيق طبيعي إلى "آخر" غريب وملاحق. الناجي هنا يعاني من انفصام نفسي؛ جسده يعيش في الحاضر بينما ظله (ذاكرته الجريحة) مسمر في ماضي الرعب. الظل هنا هو التجسيد البصري للصدمة التي ترفض المغادرة.

ـ «الخائف» ومأسسة الوعي المذعور: هذه القصة هي الترجمة الأدبية التي تستنطق الخوف ليس بوصفه شعوراً عابراً، بل يتحول إلى بنية سلوكية دائمة (اضطراب ما بعد الصدمة) ذلك ان شخصية الخائف تتحرك بغريزة الضحية المستهدفة دائماً، حتى في أوقات السلم المزعوم، مما يثبت فكرة كاروث بأن الصدمة تُلغي مفهوم "الأمان" من وعي الناجي للأبد.

ـ «صمت» واستعصاء التعبير: وهو يمثل جوهر نظرية الصدمة. تؤكد كاروث أن الضحية تعجز عن حكي تروما العنف لأنها أكبر من طاقة اللغة. "الصمت" في القصة ليس فراغاً، بل هو "لغة بديلة"؛ عندما تعجز الكلمات عن تمثيل هول ما حدث، يصبح الصمت والامتناع عن الكلام هو الشهادة الوحيدة الممكنة على قسوة التجربة.

ثانياً: فضاءات النجاة الملغومة وعقدة الذنب 

تشمل قصص: (الملجأ، خارج من الركام، محاولة انتحار) هنا ينتقل الجزائري لتشريح اللحظة الفيزيائية للنجاة، ليكتشف أن الخروج من الموت المادي هو مجرد بداية للموت النفسي.
ـ «الملجأ» والفضاء الصدمي المفارق: المفارقة هنا أن الملجأ (الذي بُني للحماية) يتحول في وعي الشخصيات إلى "قبر جماعي مؤقت". المكان هنا يعيد إنتاج التروما؛ فالأصوات المحبوسة، والظلمة، والترقب الخانق داخل الملجأ تخلق حالة من الهلع الجماعي تلازم الناجي حتى بعد خروجه إلى الفضاء المفتوح وهذه القصة دارت احداثها في لبنان، الامر الذي يثبت ان المجموعة لا تقدم الحرب مباشرة، وإنما تكشف آثارها الممتدة في الإنسان والمكان وتُبرز شخصيات مثقلة بالذاكرة والخسارة، وتستثمر الرموز اليومية لتصوير واقع مضطرب، حيث يبدو الخراب حالة مستمرة أكثر من كونه نتيجة لحدث انتهى وهذا ما يثبته ذلك الرجل الذي يتناول الخمر ويدعو صاحبه ليشرب معه في باب العمارة على الرغم من ان الموقف كان في اشده نتيجة القصف، فنجده يفلسف الامر بسخرية سوداء ويتساءل مع صاحبه بتهكم مالذي يمكن ان يحدث لنا؟ ان أسوأ ما يمكن أن يمر بنا أن نبقى احياء، وهنا يوظف الكاتب لغة مكثفة وإيحاءات رمزية تمنح النصوص بعدًا إنسانيًا يتجاوز السياق العراقي إلى تجربة إنسانية أوسع ذلك ان الحرب هي الحرب في كل مكان.
ـ «خارج من الركام» ومفهوم اللاحقّية: تطبيق حرفي لفكره كاتي كاروث. البطل ينجح في نفض الغبار والأنقاض عن جسده ويخرج حياً، لكن القصة تُبين أن "الركام النفسي" يظل جاثماً فوق روحه فالنجاة الجسدية حدثت، لكن النجاة النفسية تتأخر(لاحقة)، فالإنسان يخرج من تحت الأنقاض محملاً بأشباح أولئك الذين بقوا تحتها.
ـ «محاولة انتحار» وذروة عقدة ذنب الناجي: عندما تشتد "اللاحقية" وتتراكم الذاكرة اللزجة، تصبح النجاة عبئاً لا يُطاق. الانتحار أو محاولته في أدب الحرب ليس يأساً عادياً، بل هو رغبة من الناجي في اللحاق برفاقه الذين ماتوا، أو تخلصاً من صوت الضمير المعذب الذي يسأله دائماً: بأي ثمن نجوت؟ 

ثالثا: عقدة الناجي والموت مجازاً تروما حضور الغياب في قصتي (مفقود وغريق) 

- في قصة (مفقود)، يعالج زهير الجزائري واحدة من أقسى تداعيات الحرب: الاختفاء القسري وغياب الأجساد دون يقين الموت، تُركز كاتي كاروث على أن الصدمة تُربك قدرة الإنسان على الفهم لأن الحدث يظل معلقاً في الوعي دون إغلاق فيعيش الناجون (الأهل أو الأصدقاء) في زنزانة "الاحتمال المتأرجح" (هل مات أم سيعود؟). هذا الوضع يمنع حدوث "الحداد الطبيعي". المفقود هنا لا يتحول إلى جثة تُدفن ويُبكى عليها، بل يتحول إلى "شبح" يقتحم تفاصيل الحاضر يومياً. الناجي هنا محكوم بانتظار أبدي، وهو ما يطابق رؤية كاروث بأن الصدمة تُجمد الزمن عند لحظة الفقد الأولى، فلا يستطيع الحي استئناف حياته لأن جزءاً منه غائب مع المفقود.
تتجلى عبقرية الجزائري في استثمار بلاغة التفاصيل المتروكة فيقوم بتحويل الأشياء المادية للمفقود إلى شواهد على الصدمة، مثل ثياب المفقود، طعامه، هويته القديمة، غرفته المتروكة كما هي؛ كل هذه التفاصيل تتحول في القصة إلى "بؤر تروما" تولّد ذكريات قهرية للناجين. الأشياء الجامدة تنطق بالغياب، وتصبح أقوى حضوراً من الأحياء. لغة القصة هنا تتسم بالبطء الشديد وتأمل هذه المفردات، ممّا يعكس نفسية الضحية وهي الأم الفاقدة لابنها التي تعجز عن تجاوز الفقد، فتقوم بـ "تقديس" حطام الماضي.
بينما تنتقل قصة «غريق» إلى زاوية أخرى من سيكولوجيا الناجي، وهي تروما الهروب أو محاولة النجاة (سواء عبر الهجرة غير الشرعية، أو الغرق في مستنقع الذاكرة) ترتبط هذه القصة مباشرة بمفهوم "عقدة ذنب الناجي حيث يشعر الشخص الذي أفلت من الموت بأن نجاته حدثت على حساب الآخرين، أو أن ثمن النجاة كان باهظاً لدرجة أفقدت النجاة معناها، والغريق عند الجزائري ليس فقط من ابتلعه الماء، بل هو "الناجي" نفسه الذي يكتشف أن الحرب والذاكرة تبتلعه وهو على قيد الحياة. هناك إحساس خانق بالثقل يُهيمن على أجواء القصة؛ الناجي يشعر بأنه "يتنفس تحت الماء"، وأن مجتمعه الجديد أو واقعه الحالي لا يفهمه. النجاة هنا مجرد وهم مادي، أما الحقيقة النفسية فهي أن وعي الشخصية قد غرق فعلياً في لحظة الصدمة الأولى.
تُشير كاروث إلى أن الناجي من الصدمة غالباً ما يعود ليحكي حكاية "لا يمكن تصديقها" أو "يعجز اللسان عن صياغتها" فتتداخل الهلاوس بالواقع ويستعين الجزائري بتقنيات تيار الوعي ليعكس حالة التشظي التي يعيشها البطل. الماء في القصة يتحول من عنصر طبيعي إلى رمز سيكولوجي للذاكرة اللزجة التي تجذب البطل نحو القاع كلما حاول الصعود إلى سطح الحياة اليومية. اللغة هنا تصبح مضطربة وسريعة، تحاكي أنفاس الغريق، وهو اختيار أسلوبي يجسد "أزمة الشهادة الأدبية" على أهوال ما بعد الحرب.

رابعا: تطبيع الرعب والتشوه السلوكي (البلادة النفسية)

تشمل قصص: (مجرد موظف، الحرام، المتفائل، معلمي، التيس) هذا هو الجزء الأكثر سوداوية عند الجزائري، حيث يراقب كيف يتأقلم البشر مع الصدمة عبر تشويه قيمهم الأخلاقية والإنسانية لمجرد البقاء.
 - «مجرد موظف» والانفصال الدفاعي: لتجنب الصدمة اليومية، يلجأ الإنسان إلى "تفتيت مسؤوليته الأخلاقية". البطل يمارس عمله وسط الخراب كآلة، معتبراً نفسه "مجرد موظف" لا علاقة له بآلة القتل المحيطة به. هذه البلادة النفسية هي آلية دفاعية لحماية الوعي من الانهيار التام أمام هول العنف المنظم، بعد ان يتم تبليغ الموظف الذي عمل بصفة محقق تارة وبصفة مبلغ بأوامر الاعدامات تارة اخرى بضرورة تنظيف السجون أي تنفيذ احكام الإعدام بألف ومائتي شخص في يوم واحد. 
- «الحرام» والندبة الأخلاقية: الحرب تفرض شروط بقاء قاسية تدفع الناجي لارتكاب ما كان يراه سابقاً "حراماً" أو محرماً أخلاقياً، والصدمة هنا ليست ناتجة عن عنف الآخرين ضده، بل عن "عنف الضحية ضد منظومتها القيمية" من أجل النجاة، ما يترك ندبة أخلاقية لا تندمل بعد ان اضطر رجل الدين ان يتواجد مع زوجة أخيه المقتول في غرفة واحدة ليلة كاملة كانت كفيلة برسم ملامح تلك الليلة عن طريق الحلم الذي فزَ منه حامدا ربه انه لم يقع عرضة لشهواته.
- «المتفائل» والمفارقة الساخرة كحصن نفسي: التفاؤل هنا ليس حقيقياً، بل هو نوع من "القناع الساخر" أو الهذاء النفسي الذي ترتديه الشخصية لإنكار الواقع المرير. والسخرية المريرة عند الجزائري هي درع واقٍ ضد تروما الانهيار.
- «معلمي» و«التيس» وانكسار الرموز والارتداد للغريزة: في «معلمي»، تحلل القصة صدمة انكسار القدوة والسلطة المعرفية تحت حوافر الحرب، على الرغم من ان القصة تأخذ طابعا صوفيا بجعل الطبيعة هي المعلم. أما في «التيس»، فيرصد الكاتب الارتداد إلى السلوك الغريزي البدائي، حيث يتصرف البشر ببهيمية وعناد أعمى كآلية وحيدة للبقاء في بيئة طاحنة ألغت العقل. وما تكرار الحلم  بتلك البشاعة في منامات البطل بحسب رأي كاتي كاروث الا حالة اختراق للحدث الصادم واسترجاعه فيتمثل التيس ذلك القائد الدكتاتور الذي حكم البلاد لسنين طويلة، وقد وصفه والد الضحية او الحالم بالشيطان، ليغدو الاستيقاظ استجابة قد تقود الى النجاة من أجواء الحلم/ الكابوس او عودة الى مكابدة تحديات الحدث الصادم في الواقع.   

الهوامش:
(*) ينظر: كتاب الضحية: مقاربات في السرد والثقافة، رامي أبو شهاب، عمان، الان ناشرون وموزعون، 2022، وكتاب التجربة غير المستوعبة: الصدمة، السرد، التاريخ، كاتي كاروث دار نشر جامعة جونز هوبكنز، 1996. 
(1)  تعرّف كاتي كاروث "التروما" في كتابها العمدة كالتالي: التروما ليست حدثاً عابراً ينتهي بوقوعه، بل هي صدمة نفسية تحدث نتيجة تعرض الإنسان لحدث مفاجئ وعنيف يفوق قدرة جهازه النفسي على الاستيعاب والمواجهة (مثل الحروب، الكوارث، التعذيب). وبسبب عدم استيعاب الحدث فور وقوعه، يظل هذا الجرح النفسي حياً، ويفرض نفسه على الضحية لاحقاً بصورة قهرية ومتكررة عبر الكوابيس، الهلاوس، أو الذكريات المفاجئة.
* ناقدة عراقية/ مديرة النشر في دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة.