أيلول/سبتمبر 07
   

(1)

    ما أرويه هنا، يعتمد على حواري_ المتمرحل_ مع طبيب النّفس "وديع زيّا"، الذي تولّى معالجة الحالة الفريدة لابنة أخي الأكبر، في فترة حمْلِها من زوجها، وبعد وضْعِها طفلَها بسنوات قليلة (وسأشارك الطبيبَ في نقل قصّة حياتها، أو اختراع هذه القصّة، المغروزة في الوحل والنّار).
  كان أخي الأكبر أحد القادة الشيوعيّين المعتقَلين، من مجموعة الكفاح المسلَّح؛ ومن المستغرَب أنّه زوَّجَ ابنتَه لأحد ضبّاط الأمن الكبار، وقد ساومَه عليها لقاء إطلاق سراحه. كان تعلُّق فدوى _وهذا هو اسمها_ بأبيها قويّاً، لكنّ حالتها النفسيّة اعتكرَت بعد وفاة الأب، واختفاء الزَّوج في واجب أمنيّ، خلال الحَمْل، فاستولَت عليها أخيولةٌ شرّيرة، كتلك التي تنتاب شخصيةَ المرأة الشابّة، في فيلم المخرج رومان بولانسكي "طفل روز ماري". (لم يكن فرد من العائلة يعلم شيئاً عن الفيلم، إلى أن تردَّت الحالة إلى مستوى وقوع ابنة أخي تحت هلوسة الحَمْل الشيطانيّ، حينذاك نبَّهني الطبيب إلى الرابط الخفيّ بين وساوس المرأتيْن، وقد أصبحت فدوى وطفلُها في كنفي). 
  صارحَني "وديع زيّا" على انفراد: "من المفيد لها مشاهدة فيلم "طفل روز ماري". مقاومة الشرّ تحتاج إلى وسائل أكثر نفعاً من قلادة نباتيّة، يقدّمها عرّافٌ للزوجة، أو تأويل شكلِ وحمةٍ على صدر طفلها". أطلعَني على الحالة الملتبسة لابنة أخي، قائلاً: "سأخرق الميثاقَ الطبّيّ متعمِّداً. لن أستطيع، أنا نفسي من تلافي الوقوع في شبكة النفوس الممسوسة!". (ولم أفهم إشارتَه هذه حينَها، فقد انتقل من مهمّة إلى أخرى، بين مؤسّسات الشرّ، التي خدَمَها، عبر عهدينِ سياسيّين مختلفين).  
  انقبضَ وجه ابنة أخي، حينما وضعَت طفلَها الرضيع، في حضني، وعبَّرت عن تشاؤمها من لون شعره الأحمر، ووزنه الثقيل، وعضوه التناسليّ الكبير، إضافةً إلى شكل الوحمة المنطبعة كحدوة حصانٍ ناريّة، على جانبٍ من صدره. لم أُطِق مخاوفَ "فدوى"، وظنونَها حول قدوم الطفل من "اسْطَبْل إبليس"، فسارعتُ إلى صحبتها للطبيب "زيّا".
  تساءل الطبيب عن تاريخ العائلة، فاخترعنا أسباباً لتشتُّتها، ومن ذلك غياب الأب في سفرة طويلة (وفي ذلك الوقت، الذي أعقب حربَ الثمانينات، لن يُفسَّر غياب رجلٍ مهمّ بالحدث الطارئ أو المستغرَب، وسط شبهاتٍ حزبية، وتصفيات داخلية، رافقَت الحماسَ الشديد لتسمية الطفل باسم: سَيْف). عدا القفزة الوراثيّة، فقد بدا الطفل كحَمَلٍ وديع، هادئ القسمات. وفي عامه الثالث، لاحظَت "فدوى" على طفلها "سيْف" علامات مفزِعة، نُطْقَه لكلمات عنيفة، مترادفة، فسَّرتها الأمّ تفسيراً جنسيّاً. هرعت "فدوى" نحوي وكشفَت عن هلعها من الطّفل، ولسانه الشيطانيّ المبكر. أسرَّت لي بخوفها الدَّفين: "هذا الطفل سيُنهي بقيّتَنا، أخشى من أصابعه التي تنتهي بمخالب بدلاً من الأظافر، أن تمزّق لحومَنا وتبقر عيونَنا". 
  ذهبتُ بها لعيادة صديقي، الطبيب النفسيّ، فدقَّقَ في أصابع الطّفل، بعد أن جرَّدته الأمُّ من ملحفهِ. لم يلاحظ عليه شيئاً غريباً، واستغربَ كتْم الكفّين الطريّتين في قفّازين صوفيّين، وقت الصيف: "تلك الأصابع المكتنِزة، ذات الوهج الساطع، والأظافر الجميلة! أجمل ما خَلَقَ الله من كائنات!". 
  قال يُطمئنها؛ لكنّها لم تتروَّ، وتكتم شعورَها، بل سارعت للقول: "انتظرْ حتى يشبّ، فسترسِمُ هاتان اليدان على جدران الشوارع صوراً تحاكي صورَ الجحيم!". 
  قالت هامسة، متألّمة من وجع داخليّ، حَقَنَ بشرةَ وجهها بالدماء؛ وجهها الزَّهريّ الجميل، وأطلقَ لسانَها بمختلف تعبيرات الفزع (حسبتُها تصدر من قلب الجوّ الأمنيّ، الذي أغرقَها الزوجُ فيه، خلال فترة حَمْلِها). كانت تعبِّر بهمسها المتلاطم كموجاتٍ في كهف صخريّ، عن رعب يحتشد في صدرها، ويضغط على قلبها، فتتوجّع وتتأوّه في نهاية كلّ عبارة تقولها. وفي المراجعات التالية للعيادة، صارحت طبيبَها بزيارتها خلسةً أحدَ عرّافي المدينة، وصفَ طفلَها بالممسوس، وزوَّدها بتعويذة نباتيّة. لم يمنعها الطبيب من التردّد على العرّاف، واكتفى بتحذيرها من سطوته التي تختلف عن أسلوب علاجه العياديّ. قال لها: "هذا الرجل خبير بتعذيب ضحاياه، فيما يظنّ هؤلاء نجاعةَ هداياه الرمزيّة لهم". وكانت هديّة العراف لفدوى، قلادةً مطعَّمة بأقماع مجفَّفة من الزَّهر.


(2)

  ينتهي الفصل الأول من قصّتنا، باختفاء الأب، رجل الأمن، ووفاة الأمّ بمرض السّرطان، وانفلات الابن "سيْف" عقب فوضى احتلال العراق 2003، وتطوَّرت المتابعة الطبّية المعتادة، إلى كشْف سجّل العائلة المخيف: حالات اختفاءٍ وموتٍ مجهول يرجع تاريخُها إلى عدّة عقود للوراء. 
  في آخر جلسة حواريّة مع "زيّا"، قبل اختفائه هو الآخر، وغَلْق عيادته، دقّق الطبيب في تاريخ العائلة، وسلسلة الاختفاءات المفاجئة، ومثلها سلسلة الأطفال المعوَّقين، أو الخارقين في صفاتهم الوراثيّة، وسألني عن تسلسلي بين مُعمَّري العائلة: "ماذا تعرف عن هذه الاضطرابات، وتخبِّئه عنّي؟". وفي المقابل، زادت حركاته العصبيّة، التي كشفَت غَرَقَه في تقلّبات الوضع العام، وصراعه لدحر الظلام المحيط بعقله، وخضوعه لنزعاتٍ شرّيرة، لم يستطع كبحها، هو نفسه.
  بعيداً عن طوقي، شبَّ طفلُ "فدوى"- "سَيْف"- سريعاً، واكتسب صفات المراهقة الخارقة، وراء مظهره الوسيم، حتى وقوعه في قبضة الأمريكان لاشتباههم بانتمائه لعصابة، استخدمتْه في مهمّات قذرة (تهريب مخدّراتٍ وسلاح عبر الحدود، وغير ذلك من أعمال الفترة المنفلِتة). نجح الطبيب "زيّا"، بتحرّياته الخاصّة (تعاونه الجديد مع سلطة الاحتلال) في تتبّع آثار ابن "فدوى" في معتقله بسجن "بوكا"، جنوبيّ العراق. عدَّ اعتقالَ الابن حلقةً مضافة للتاريخ العائليّ، الحقيقيّ والوهميّ:
  - "لا أحسَبُ مَن يدخل هذا السّجن سيغادره كما دخَلَه. إنّه فتى يافع وجميل، ولن يفلت بسهولة من شبكات الاستغلال والتطرّف الدينيّ، المستشرية داخل مخيّماته. هذا شيء قليل ممّا أردْتُ التصريحَ به لك، عن أحدث هواجسي حول عائلتكم، هاجس يتصاعد من حفرة مظلمة. ألا تحِسُّ بالرّعب أيّها الرجل؟". 
  - "الرّعب؟ أيّ نوع من أنواعه؟ رأيتُ ما لم تتخيَّله في بالك".
  -"لكنَّك لم تجرِّب نوعاً من مَسِّ الاستيلاء الجنسيّ، سأطلِعكَ عليه... منذ أن بدأت فدوى تُهلوِس 
بِصُورِها عن الجحيم، وما تشير إليه من هدايا العرّاف، شككْتُ بإخفاء سرٍّ ما. انتزعتُ منها، في زياراتها الخاصّة، ما أعتبرُه في مهنتي، تفصيلاً محرَّماً في حياة امرأةٍ شابّة". 
  كنت أريد الامساك بطرف قويّ من القصّة- بؤرة الجنون التي يلوِّح بها- ولا أدَعُه يخترع استنتاجَه بمفرده عن سجلّ العائلة؛ لكنَّه سبقَني في تحريّاته، وظَفِرَ بما لم أظفَر به:
  - "في البداية، أخبرتْني ابنةُ أخيك عن هديّة العرّاف، أقماع زهرة خطميّ مجفَّفة، ذات قرون بارزة في وسطها، مثبَّتة بعجينةٍ نباتية مجهولة، أو ما أشبه من المراهم والصِّبغات".
  - "ما حكاية هذا الزهور القَرنيَّة؟".
  - "صرَّحت لي فدوى، أنّها أوحَت للعرّاف بما يخامرها عن حقل زهور، شاهدتْه في طفولتها، فما كان من العرّاف إلا أن حاكى ما رأته بضديدٍ مشابه له، تدحر به الشرَّ الذي يستولي عليها.. كما تعلم، فتفكيره البدائيّ في العلاج، لا يتعدّى إبطالَ السِّحر بسِحرٍ مثله؟ آليّات السِّحر التعاطفيّ ليست قليلة الشأن. وأنا مُرغَم على الاعتراف بأدوار هؤلاء السَّحرة، دون أن أغادر رصانتي العلميّة".
 - "أتريد إقناعي بما لا أعرفه عن ابنة أخي؟ أتكِلُني إلى نزعة العرّافين الانتهازيّة؟".
 - "اصبرْ قليلاً.. كانت فدوى طفلة بعمر عشر سنوات، عندما شاهدَت زهرة.. نوعاً من الزهور، وأظنُّها من جنس زهور الخطميّ، التي ينتصب مئبرُها بين الأوراق في شكل قرنٍ مُحَرشَف".
 - "وأين رأت تلك الزهرة؟ أفي حقلٍ حقيقيّ أم من رسمٍ في كِتاب؟".
 - "قالت إنّها شاهدتْها في طريقها بين البساتين، تختبئ بين شجيراتٍ قميئة، على مقربة من مستنقع. هناك نبتَت زهراتُ القُرون تلك، في حديقة مهمَلة. كانوا أطفالاً تخلَّفوا عن الرَّتل العائد من المدرسة، وكانت فدوى مع الثلّة التي اهتدَت لموقع الزّهور المقرَّنة، على حافة المستنقع. قد تكمن في سَداة زهرةٍ رقيقة بذورُ المعرفة المحرَّمة. إنّه تأويل معقَّد، حاولتُ تعديلَ انغراسِه في نفسها، بطريقتي المختلفة عن طريقة العرّاف".
  - "كم استمرَّ هذا الحلم، أو التأويل المعقَّد، في التسلُّط على ذهنها؟".
  - "حتى موتها. تداولْنا ذكرى حديقة القُرون تلك عاماً كاملاً، وصارت محورَ حديثي معها، بعد زيارتها الأولى مع طفلها.. أنتَ تذكر ذلك. بعدئذ، صارت تحدّثني عن الشيء الصَّلب المُحرشَف، الذي ينتصب وسط الزّهرة، واختراقِهِ بصرَها المندهش بجماله وسكونه، كما لو أنّه نُصِبَ في طريقها وحدها بين الأطفال. زعَمَت أنَّ العرّاف اهتدى لمكان الزّهور، وصنعَ من قُرونها قلادةً، أوصاها بإتلافها، بعد شفائها".
  - "وهل أتلفَتْ ذلك الشيء؟".
  - "لا. أحضَرَتْه معها لعيادتي. طلبَت أن أتخلَّص منه بنفسي".
  - "هل تخلّصتَ منه؟".
  - "لا. سأحوّله إليك".
  بحثَ في أدراج مكتبه، فلم يعثر على القلادة، ووعدَني بالعثور عليها في الأيام التالية. ظلَّ القَرن الزّهريّ بحوزة الطبيب "زيّا"، حتى سمعتُ باختفائه، هو الآخر، خلال رحلة له في عمق الأهوار، في جولة جماعيّة، مع أطبّاء أغراب، دعَتْه السّلطة لمرافقتهم.


(3)


  هكذا، انتهى فصلٌ مؤسٍ، آخر، من قصة القَرن الزَّهريّ، ونشأت على مياه المستنقع الطفوليّ مدينةٌ حديثة (لربما دُفِن سَيْف والطبيب والعرّاف تحت أسسِها) وتوغّلتُ بعيداً في سنوات ما بعد الاختفاء التامّ لأبطال هذه القصة، إلى حيث يقودني إحساسٌ ما (إحساسُ العبث والانطواء والغرابة) للاقتراب من بؤرة الجنون، المختبئة في مكان بين حراشف البنايات المتراصّة، كزهور حجريّة ضخمة. وفي نهار بارد، انتهت جولتي بلقاء ابن "فدوى" في مصادفةٍ عبثيّة، أو رؤيا غامضة، توقّعتْها الأمُّ الراحلة، في إحدى هلوساتها أمام الطبيب زيّا: (صورة جدارٍ شّيطانيّ، مليءٍ برسوم زهور الخطميّ).
  كنت أسير على رصيف مطعمٍ صغير، أتناول فيه عادةً وجبات الظُّهر، حينما توقّفت إلى جانبي سيّارة رياضيّة عالية، سوداء اللون، وفُتِح بابها الخلفيّ، ليدعوني رجلٌ لملاقاة "زهرتي الناريّة المفقودة"، كما قال. شككتُ في هويّة الدّاعي، الذي يحتفظ بلحية طويلة، تغطّي أطرافُها فتحةَ قمصلته الجلديّة، وأردفَ: "سَيْف بانتظارك، أيّها الجدّ!".  
  قلت: "ابن فدوى؟".
  قال: "نحن ندعوه سَيْفاً، أو بلقبهِ المحبَّب لديه: القَرن الناريّ".
  لم أشكّ، حينئذ، في ذهابي إلى قلب البؤرة الموحِلة، مع زمرةٍ اطَّلَعَتْ على أسرارنا، وطاردَتْنا من مكان إلى آخر. كان الشارع مبتلّاً بمطر خفيف، كفَّ عن الهطول، إلا أنّ السماء الغائمة، دثَّرت لحظةَ الذهاب إلى وكر ابن "فدوى"، بمخاوف حائمة في جوّ السيّارة الرياضيّة المسرعة. استدارت السيّارة في شارع فرعيّ هادئ، وتوقَّفت برهة عند بناية عالية، ريثما انفرجَت بوّابتُها العريضة، فانحدرنا في نفق كراج، انفتح واسعاً على عدد كبير من سيارات "السبورت" المتشابهة. ازدانَ الكراج بلوحات جداريّة متراصّة، لاحظتُ صلتَها التوثيقيّة بانتفاضات السنوات الأخيرة، الشَّعبية، ضدَّ السّلطة. ترجّلتُ مع الرجل الملتحي، وآخر يُشبهه في حركاته المتوترة، فيما ظلَّ السائق رابضاً وراء مقود سيّارته في الكراج، ودلفنا من باب في الكراج، إلى كهفٍ مضاء بمصابيح حُمر خافتة، ثم انتقلنا من الكهف (القبو، النادي أو الملهى، مأوى الرمز الناريّ لابن فدوى) إلى غرفة الرجل المفقود، المنتظِر وراء مكتب عريض، خالٍ من الأشياء، وكان متجسِّداً أمامي، كحقيقة متورِّدة، نبتَت وسط مستنقع الوحل، أو بؤرة الأزهار الناريّة. 
  استجمعتُ قواي البصَريّة والعقليّة، لاستعادة صورة الماضي المضطرب في خيالي، ورسمتُ على مهلٍ الأبعادَ العائدة لكائن عائليّ، أفلتَ من جنون السَّحرة والشَّياطين، ليظهرَ ثانية، ماحياً الأثرَ المفزع، في سجلِّه الوراثيّ. نهض ابن "فدوى" (ومَنَحَتْه قوّةُ الاسم ـ سَيْف - حركةً سريعة وجامحة؛ وكانت ذؤابات شَعرهِ الأحمر، قد استطالت وتدَلَّت فوق منكبيه) واستدار حول المكتب، مرحِّباً بي: "جدّي، عرّابي، الذي ترقَّبتُ لقاءه، واستعادة مناخ حضنهِ القديم الدافئ!". 
  انتصبَ ضاحكاً بأعلى صوته، فيما جلس الشّخصان المرافقان في زاوية من الغرفة، وما لبثا أن انصرفا بإيماءة خفيفة. سقط نظري فوراً على خيط قلادته، المتدلّية من فتحة قميصه الأبيض، تلوح للناظر كحجارةٍ ناريّة. تعلَّق نظري بوسط القلادة، المتكوِّر بما يشبه قُروناً متحجِّرة، متجمِّعة في شكلٍ يتلوّن بأوضاع مختلفة، حسب حركة الجسد الرياضيّ الطويل (القُرون التي تتهيأ لطعْنِ فصلٍ دامٍ من تاريخ العائلة).
  - "علمتُ بأنّك سجين، متى خرجت؟".
  - "بعد أن أُقفِل بوكا، ونُقِلت مجموعاته إلى أمكنة أخرى. كان معتقلاً رهيباً. لكنّه سار على نظام مضغوط بالاحتمالات الخطيرة. فجأة في العام السادس من الاحتلال، انفلتَت خيوطُ السّيطرة على نفوسٍ، مجنونة بالدّمار والانتقام، وأخليَ سبيلُها". 
  أحضَرَ الشخصُ الملتحي شطيرتين، تركَهما على السطح العريض للمكتب، ثم أدبر خارجاً. قاربَ "سَيْف" عامَه الأربعين، مكتنِزاً بروح التدمير التي صنعَها معتقل "بوكا". (أنا والطبيب وديع زيّا من جيلٍ واحد، لكنّي في هذا الجزء من القصّة، سأدلي بسرديتي المفترِقة عن سرديّته؛ وأوّل ما تبادرَ إلى سرديّتي، سؤال الفتى عن قلادة أمّهِ فدوى، التي يعلّقها حول عنقه. كيف حصل عليها؟). 
  لم يُفاجئه سؤالي، قال: "هل يعنيك أمرُ القلادة كثيراً؟ إنّها هويّتي التي أعلّقُها حول رقبتي، لم أتخلَّ عنها مقابل أيّ ثمن". ثم دقّق الرجل الرياضيّ في وجهي، وأمسكَ كتفيَّ بكلتا يديه القويّتين: "أنت محقّ، يا جدّي العتيق. القلادة من مقتنيات أمّي، وقد أودَعَتْها عند طبيبها.. ذلك الأحمق!".
  عادت قصّتي لتلتقي بقصّة الطبيب زيّا: "أكنتَ على اتصال بطبيبها؟".
 - "جاء يزورني في بوكا، وأعطاني القلادة. قال إنّها تُثقِل عاتقَه، ويُرهِقُه امتلاكُها بعد ذلك الوقت الطويل".
  - "بدأتُ أفهم ذلك.. حافظَ على إرثها، بينما واصلَ التحرّي عنك، ثم قرّر التخلّص من القلادة، بعد أن طعنَ في السنّ".
  - "كان يزور السّجن بانتظام. كان اسمه متداولاً في داخل المعتقل. أصبح اسمه روني. رجل قصير بنظّارتين، سريع البديهة، اطّلعَ على ملفّات السّجناء، واشتركَ في التحقيق معهم، وانتزاع الأسرار من كلّ فرد منهم، عنوة أو بنعومة نفسانيّة، الأمر سواء عند ذلك المتعاوِن اللعين!".
  - "هل تعرف أيَّ خبر عنه بعد خروجك من السّجن، أظنّه اختفى كثعلب بين الأدغال؟". 
  عاد "سَيْف" إلى مرحه الصاخب، بعد تلميحي لاختفاء الطبيب النفسيّ، إزاء تلميحاته الجسديّة القوية، ووسامته الساحرة. أشار في طيّات حديثه إلى مهمّاته الجديدة، حلقات التدمير أو الاغتيال، أو ما شابه من أعمال سرّيّة:
  -"لم يتغيَّر طبيبنا القديم كثيراً. أترغبُ في رؤيته؟ أتريدُنا نقصد مكانَه؟".
  - "هل ارتبطتَ به ثانية؟ هل لاحقْتَه بعد أن كنتَ ملاحقاً منه؟".
  - "شاهدتُه فجأة مع المتظاهرين.. وكان هذا الشخص الخطير على رأس قائمتنا، مع مجموعة عُرِفت بجرذان بوكا.. ثم انتزعناه من بين الجموع الغاضبة".
  - "أتعني أنّه أصبح أسيرَك، بعد أن كنتَ أسيرَه؟".
  - "نعم.. وفوق ذلك، تحرَّيتُ من خلاله عنكَ. لكنَّه نفى أنّه التقى بك ثانية. فعلاً هو أسيري، بقدر حاجتي القوية إليه.. جعلتُه يُشرِف على حديقتي الخاصّة".
  - "وما نوع هذه الحديقة؟".
  صخبَ عائداً وراء مكتبه: "لا تأخذك الظنون بي. فأنا لا أزرع السُّموم لأتاجر بها".
  - "لكنّه يساعدك في مهمّة غامضة".
  - "إضافة إلى دوره الجديد كبستانيّ، إلا أنّ منظَّمتنا لم تقرِّر تصفيته، فقد أصبح مفيداً لنا في كشف بعض التفاصيل، في السّجلات السرّيّة لبعض الأشخاص المطلوبين". 
  ساد صمت قصير، كسَرَه ابنُ فدوى: "فقط أنتَ.. أنتَ كنت بعيداً عن نظرنا، منذ ذلك الحين، ولم أعرف شيئاً عن حياتك، يا جدّي العتيد!".
  - "إنّي في الحقيقة أتسكّع هنا وهناك.. هل تسمح بمعرفة مهامّ تنظيمكم؟ مَن تستهدفون بعملياتكم؟"
  - "سؤال خطير. أهناك أبسط ممّا تستدلّ عليه وتعرفه، عن وضعنا العراقيّ المتلاطم، بتركيبته الجديدة؟ تنظيمات بعدد مستعمرات النَّمل.. منظّمة تقابل منظمّة، تحاول إزاحتَها، ومُشتَبهون متجدِّدون بأكثر من هويّة ومرجع مشبوه".
 ضحكَ بعصبية، غيّرت ملامح وجهه الوسيم، وعاد كاسراً حذَرَه: "بالطبع.. أمثالك، يا عزيزي، لستم من أولئك المشتبه بماضيهم. نحن، فقط، نتصيّد في مستنقع الزَّهرات القَرنية القديم.. أتتذكّره؟.. أولئك الأطباء ومساعديهم المأزومين برؤى الدَّمار، وقد تساوَوا معاً في قائمة واحدة.. أمّا حضرتك فستلحق بنا، لكن على الجانب الآخر. جانب الأشخاص الضائعين في فوضى البلاد. تابعتُك بصبر، وقلق شديد، لكن الحظّ قادَني اليك.. صاحب المطعم، ذي الاسم التاريخيّ، الذي تأكل فيه، يعمل لصالحنا. حدَّثني عن رجل عجوز، بأوصافك، ظنَّه مشبوهاً، من رجال الزمن الماضي المتخفِّين".
 - "لم أتخفَّ، فأنا شخص غير مهمّ لأحد".
 - "أنت عرّابي الذي لم ألتقِهِ سوى في أقوال ذلك الطبيب النفسيّ، المتبدِّل من حال إلى حال. ظنَّ أنّه سيضيع باسمه المستعار بين محّققي المعتقل.. أسماء زائفة تنطبق على شخصيات زائغة. في بوكا، أصبح طبيبي القديم روني أو جوني أو داني... أسماء منزوعة الهويّة!".
- "لن يستطيع إنكار ماضيه، وأظنُّكَ استخبرتَ منه عن أسرار كثيرة تخصّ مستنقعَنا. من الصعب تصوُّر ما قد آلَ إليه ذلك الشَّبح القصير، هل تَعِدُني بزيارة روني، طبيبكم، بأيّ اسم كان؟".


(4)


  انقلب الدَّور، وأصبح "سَيْف" دليلي للطبيب النفسيّ، وديع زيّا، بعد أن كان هذا قد فتحَ درباً نحو حديقة الشيطان الطفوليّة، أوّل مرّة. التقطتْني السيّارة "السبورت" السّوداء من فندقي، على الموعد التالي للقائي ابن "فدوى" في مكتبه. كان في انتظاري، داخل الحوض الخلفيّ للسيّارة، وقد غيرَّ هيأته. صدمني منظرُه، وقد أزال لِمّة شَعرهِ الحمراء من جانبي رأسه، وأبقى على قُنزعةٍ منه، تنتصب أعلى هامته الحليقة. خزَرَني ليسبرَ انعكاسَ قَصّة شعرهِ الغريبة في عينيّ، ثم انفجر في توضيح صاخب، محتوياً جسدي بكلتا يديه: "ها جدّو؟ هل أعجَبَتْك صلعتي؟". وسمعتُ كركرة الشخص المرافق له، بجانب السائق، تهشِّم السّكونَ الذي ساد فترة بعد حديث "سَيْف". 
  أحسستُ بالدفء وتغيير الأجواء كلّياً، الملابس والروائح ورنين الأساور حول المعاصم، وخصوصاً توافُق قلادة القُرون الزّهريّة حول عنق "سَيْف" مع قُنزعة شعره الحمراء، ثمَّ لهجة الحوار وانهمار الأوصاف والتشبيهات بين ركّاب السيّارة الثلاثة. وسرعان ما ساقَنا سائقُها إلى حيث لا أعلم؛ فلعلّ الفصل الأخير، من استخدام الطبيب النفسيّ، لتنفيذ رغبات فتى "بوكا" السرّيّة، أصبح تحت قبضته، ونحن نتّجه لإزالة الغموض عن حقل الأزهار الطفليّ. 
  سألني عن وجبة إفطاري، فذكرتُ له اسمَ المطعم القريب من الفندق، المسمّى باسمٍ تاريخيّ: "أيُّ تطابقٍ عجيب وراء هذه المسمّيات القديمة! كم أمقت الرومانسَ المرتبط بأسماء الأنهار والأشجار والسُّفن والرياح...". ثم أكمل "سَيْف" ما ظننتُه تخاطراً منحوساً، في داخله، متّصلاً بجلسات الطبيب خلال التحقيق معه في السجن: "كان تحقيقه معي يوميّاً، في ساعة معيّنة من النهار، تسبق وجبة الغداء عادة.. وكان السؤال نفسه: "أتتذكّر شيئاً يشبه الحديقة المهجورة قرب بيتٍ مختفٍ بين الأشجار، رَوَت أمُّك عن ذكريات تربيتك فيه؟ كان ثمّة أمر يُقلقه، ويروغ في إخفائه عنّي. أتعلم شيئاً عن زهرات، تنتصب قرونُها كقَرني الشّيطان؟ هل حدّثتك أمّك بشيء عنها؟".
  استرخى "سَيف"، ومدّدَ ساقيه الطويلتين، في فردتي بنطاله الضيّق، وأسند حذاءه اللامع إلى ظهر المقعد الأماميّ، ثم اندفع في كلامه، شبه الهامس: "اشترى أبوك ذلك البيت قبل اختفائه، كرّرَ عليَّ الطبيب المعلومة أكثر من مرّة، أحقّاً إنّه بيت القُرون الزّهريّة، كما زعمَ لي؟ أتتذكّر شيئاً، يا جدّي، عن حديقة البيت الموحشة تلك، حيث العصافير تردّد قصائد الغيطان الرومانسيّة؟ هذا الطبيب المخبول يزعم أنّها كانت حديقة من الطراز الشّيطانيّ.. ما الذي عناه بذلك؟ عصافير مسحورة، وبَتْلات حُمر متفتّحة، وسواقي ماء جارية بدواليب ذاتيّة الدوران، ورائحة تشيع كدُخان الأفيون!".
  قلتُ بحذر: "ما أتذكّره أنّها كانت حديقة محاذية لمستنقع ماءٍ راكد، بنى أبوك بيتاً صغيراً قبالها. وفي خرابة هذا البيت، على سريرٍ بغرفة مطلّة على المستنقع، ماتت أمُّك فدوى".
- "نعم. كان يخدعني بحكايته تلك، ويغيّر من طريقة سرده إياها في كلّ جلسة. ذهبَ بخُدعته إلى نهايتها، وكأنّه يراوغ نفسَه، ويبني خيالاً لهلوساته. حاكى حُلماً ذاتيّاً قديماً، نسَبَه لأمّي، وأقامَ عليه ما اعتبره أعجوبةً نباتيّة، لا مثيل لها في العالم، وحاول إقناعي كي أنفِّذها له بعد أن أصبح أسيري.. طالبني بإنشاء حديقتنا، كما قال، حديقة الخطميّ القديمة".
- "مقابل ماذا؟"
- "لا شيء.. سوى أنّي سأحافظ على ذكرى أمّي على طريقته، رغم استحالتها. استهواني ذلك، وأعلمُ أنّ الحديقة ستغدو مقبرتَه، فيما ظنَّ أنه يستخلص من نباتاتها أسرار الشفاء لأمراض مستعصية!" 
  رنَّت ضحكته الساخرة، ضحكة الشّيطان المختفي في حديقة الأزهار السامّة.  
 - "هل سنتجه إلى خارج المدينة؟".
 - "لا يا جدّي. بل إلى فسحة بين بناياتها، لا يدخلها نور الشمس... الحديقة الزّجاجيّة لطبيبنا زيّا أو روني".
  استمرَّ "سَيْف" في وصف حديقة الطبيب: "حديقة تمتدّ تحت بنايات المدينة، وتتغذّى نبتاتُها من المياه الجوفيّة، التي تحلّلت فيها آلافُ الجثث خلال الأزمنة المتعاقبة".
  انعطفت سيّارتنا حول ساحات عديدة، وتوغَّلت داخل الشوارع الجانبيّة لعشرات المباني العالية، ونفذَت من بوّابة لبوّابة، ومن نقطة حراسة إلى أخرى، ثم اتّجهنا الى مكان، أنبأني "سَيْف" بأنّه يقع في نهاية الطريق، حيث سنبلغ هدفَنا (المأوى الزّجاجيّ البديل لسنوات من الأكاذيب والتّرهات النفسيّة، الحديقة الوهميّة، التي لن يتسنّى لي مشاهدتها، ومقابلة زيّا المحبوس في بيوتها الزّجاجيّة، كما أمَلْتُ).
- "مولّدات كهربائيّة ضخمة، توفِّر إضاءةً ساطعة لحقل النباتات، الموزّعة على بيوت الزّجاج".
- "أيّ نوع من النباتات؟". 
- "ما لا يقلّ عن مئة نوع زَهريّ من جنس الخطميّة.. مشروعُهُ الذي ظلَّ يربّيه تحت الأرض سنوات. ثمَّ أخذ يشجّعني على مشاركة هذا الولع النباتيّ، الذي اخترع منه قلادةَ القُرون المجفّفة، تلك المزعومة في سنوات طفولتي". 
- "نهاية غريبة لمهنة طبيبٍ متمرّس في دراسة الأنفس ومعالجتها، لم تُختَتم بشرف.. أتظنُّ مساعدتَك له بمستوى العقاب، الذي انتظرتَ هذا اليوم لتنفيذه بحقّه؟". 
- "لا عقاب يتناسب وكمّية التضليل، التي تجرّعناها جميعاً من يديه. تحليله النفسيّ المخادع، تعاونه مع العرّاف في صنع القلادة، أنشوطته التي التفَّت حول عنق أمّي منذ البداية... كيف لم تنتبه لذلك، أيّها الجدّ؟ كان يخدعنا جميعاً بأضاليله النفسيّة تلك".
- "كنتَ طفلاً لم تفقه شيئاً بما فيه الكفاية. لكلّ وقتٍ أفانينُه، التي يحتّمها الهربُ من مواجهة النفس، بل يزرعها الرّعب أمام كلّ خطوة يأتيها أحدُنا. كان ثمة طوق ناريّ يحيط بوجودنا في تلك الأزمان، غير طوق الحرب.. قُرون الرّعب المخفاة في الأزاهير!".
- "ضلالات ومراوغات فحسب. أتخيَّلُ الفزَعَ الذي تحدّثتَ عنه في عيني أمّي. ما قصّة تزويجها، إذا سمحتَ بإخباري، أيّها الجدّ المرعوب!؟".
- "تلك قصة، هي الأخرى، من نوع الدفاع عن النفس ضدَّ طوق النار. جدُّك المتوفّى، الشيوعيّ المنشقّ، المكبَّل في قبضة الشرّ، اضطرَّ إلى إعطاء ابنته لوالدك التافه، في وقت كان يعاني المرضَ والخذلان من رفاقه المقرّبين في الحركة المسلّحة!". 
- "هذه واحدة من أكثر المهازل انحداراً إلى الوحل. زُجِجنا في أوكار السَّحرة، منذ البداية. كم كرهتُ رغباته المبطَّنة، تحديقتَه الثعلبيّة، تلك التي تطلّ من وراء عدستي نظّارته الدائريّتين!".
- "لا أعجب، إذا لم يبدِّل نظّارته منذ تلك الأيام".
- "ستعلم عنه ما لا يُحصَر، في حكاية معتادة، في زمننا وبلادنا. إنّه طبيب العصور المظلمة، الذي ظلَّ بلا تعريف لشخصيّته، ولا عقاب لأدواره".
 استرجعتُ في خاطري الطّفلَ الذي امتصَّ ما يكفي من رحيق الرُّعب، مع حليب أمّه، حتى غرِقَ في مستنقع الزّهرات المقرَّنة إلى هامته. رسمتُ في ذهني حقلاً لا حدود لعنفهِ الداخليّ، وأسلوبهِ المبتكر في الانتقام، يتناسب والحديقة المستورة، التي ظلَّ يتحدّث عنها بلا انقطاع، ويكتم موقعَها، كأنّها المكافئ الأخير لسلسلة الاختفاء والموت المجهول. (وأسألُ نفسي، ما حقيقة المزاعم في هذا الخطاب المتأخِّر عن زمان شخصياته؟ ماذا يعني إقبالي وإدباري على وتيرة غير أكيدة؟ كم تبلغ المسافة بين النفس وانحدارها إلى مستنقع السَّرد الموحِل، في هذا الزمن الإضافيّ، فوق سطح براءته وجماله وبساطته؟).
  تصاعدَ هذيانُ "سيْف" مع انحدار عجلات السيّارة إلى ما ظننتُه قبراً كبيراً، سيبتلع هذه النهاية (نهاية ما بدأنا به من وساوس؛ وما قد تشكّله حديقةٌ فعليّة، أو وهميّة، مزروعة بأنواعَ النباتات ذات الخطم الناريّ، تحت الأرض؛ ثم وبما يؤلّفه هذيانُ ابن فدوى من افتراضاتٍ، عن تحوّل أفراد العائلة المتبقّين إلى كائنات، سيمتدّ بها العمر كما امتدَّ بسحالٍ متحجِّرة). وفي الحقيقة، في لحظة صحو صاعقة، صرتُ أدرك بأنَّ السيّارة تتّجه بسرعة هائلة نحو جدار عالٍ، كالح اللون، مرصَّع بالحصى وقواقع البحر، انتصبَ فجأة أمام السيّارة، لترتطم به مرتدّة إلى الوراء بقوّة (وهل أدفعُكم إلى أن تصدّقوا الرؤيا، التي نعود إليها، عن جدار الأزهار الشيطانيّ، في هلوسة فدوى، أمام طبيبها؛ وهي ما نتّجه إليه ونصطدم به، قبل بلوغنا حديقة زيّا الزّجاجيّة، وراء هذا الجدار؟).