
دخلت مسرحية (شرقي… عذابات) منطقة شائكة من الذاكرة العراقية، إذ استدعت عقودًا من الحروب والحصار والعنف والفساد والانقسام السياسي والاجتماعي، وحولتها إلى مادة مسرحية سعت إلى مساءلة الإنسان العراقي أكثر من مساءلة الوقائع نفسه. فالعرض لم يكتفِ باستحضار التاريخ، بل حاول تفكيك آثاره الممتدة في الوعي والسلوك الجمعي، وجعل من عبارة (آني شعليه) رمزًا لثقافة الانسحاب من المسؤولية، بوصفها إحدى النتائج الأكثر خطورة للتشظي التاريخي. ومنذ اللحظات الأولى أعلن العرض طبيعته عبر اعتراف الشخصية الرئيسة بأن الجمهور ينتظر الحكاية، وهو تصريح فتح بابًا ميتامسرحيًا أعلن وعي العرض بذاته وبأدواته. بيد أن هذا الإعلان وضع العرض أمام اختبار صعب، فإما أن يتحول السرد إلى استراتيجية جمالية تولد الفعل المسرحي، وإما أن يصبح بديلًا عنه. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية.
لقد انحاز العرض إلى السرد بوصفه آلية مركزية لبناء المعنى، فغلبت المونولوجات والاستعادات اللفظية على العلاقات الدرامية بين الشخصيات. ولم يعد الحدث يبنى عبر التصادم بين الإرادات، وإنما عبر استذكار الوقائع والتعليق عليها. وهذا الاختيار جعل الفعل الدرامي يتراجع لصالح الخطاب، حتى بدا المتلقي أمام سلسلة من الشهادات أكثر منه أمام أحداث تتشكل أمام عينيه. غير أن هذا الخيار لا يمكن رفضه بصورة مطلقة، فالمسرح المعاصر عرف أشكالًا عديدة قامت على السرد، من المسرح الملحمي إلى المسرح ما بعد الدرامي، حيث لم يعد الصراع الأرسطي شرطًا وحيدًا لوجود المسرح. لكن نجاح هذا النوع من العروض يتوقف على قدرة السرد على إنتاج صور مسرحية جديدة، وتحويل الكلمة إلى حدث بصري وإيقاعي، وهو ما لم يتحقق دائمًا في العرض، إذ بقي السرد في كثير من مشاهده وصفيًا أكثر منه مولدًا للفعل. وتجلت إحدى نقاط الضعف في إيقاع العرض. فالتكرار المتواصل لبعض الأفكار والعبارات، وإن كان بهدف تثبيت أثرها في الذاكرة، أفقدها تدريجيًا قوتها الدرامية، لأن التكرار لم يصاحبه تطور في المعنى أو تصاعد في الحدث. وهكذا أصبح الزمن المسرحي زمن استرجاع أكثر منه زمن اكتشاف، الأمر الذي خفض مستوى التوتر وأضعف عنصر المفاجأة. أما الإخراج، فقد بدا وفيا ومنساقا للنص إلى حد بعيد. فقد تعامل مع مادته بوصفها خطابًا ينبغي تنظيمه أكثر من كونها طاقة ينبغي تفجيرها بصريا. لذلك، ظلت الكلمة تقود الصورة، بينما كان يمكن للصورة أن تصبح شريكا مستقلا في إنتاج الدلالة. فالمسرح لا يترجم النص، وإنما يعيد كتابته بأدواته الفنية والتقنية والجمالية. ورغم ذلك، فإن العرض لم يخل من لحظات بصرية مؤثرة، ولاسيما في بناء السينوغرافيا التي نجحت في تشكيل فضاء أوحى بخراب الذاكرة العراقية، وجاء مشهد الدم في عمق الخشبة مثالًا على قدرة الصورة على اختزال المأساة بكثافة رمزية عالية. غير أن هذه الصور بقيت في أحيان كثيرة منفصلة عن المسار الدرامي، فلم تتحول إلى عنصر فاعل في دفع الحدث، بل احتفظت بقيمتها التشكيلية أكثر من قيمتها الدرامية. أما الأداء التمثيلي، فقد شكَّل واحدا من أهم مرتكزات العرض. فقد استطاع الممثلون، وفي مقدمتهم الفنان (عزيز خيون)، منح الشخصيات صدقًا شعوريًا وانضباطًا ايقاعيًا وأناقة أدائية راسخة، وحملوا عبء النص الثقيل بحرفية عالية.
إلا أن البناء الإخراجي لم يمنح الشخصيات فرصًا كافية للتطور والتحول، فبقيت في مساحة الروي أكثر من مساحة الفعل والفاعل، الأمر الذي حد من إمكاناتها التعبيرية. وعلى المستوى الفكري، نجح العرض في تشخيص أمراض الواقع العراقي، إذ رسم لوحة كثيفة ضمت في روزنامتها، الحروب والحصار الاقتصادي والفساد الإداري والرشوة والانقسام الاجتماعي والعقدي واللامبالاة وانهيار المنظومة القيمية والأخلاقية. لكنه في المقابل قدم هذه القضايا بصورة تراكمية، حتى أصبح العرض أشبه بمسرد شامل للآلام العراقية، وهو ما أضعف أحيانًا التركيز الدرامي، لأن المسرح لا يزداد قوة بزيادة عدد القضايا، بل بعمق معالجته لإحداها أو بقدرته على ربطها عضويًا بالفعل المسرحي. إن القيمة الحقيقية لعرض مسرحية (شرقي… عذابات) تكمن في شجاعته في مواجهة الذاكرة العراقية، وفي رغبته في تحريك الأسئلة الكبرى حول مسؤولية الفرد والمجتمع تجاه ما جرى ويجري. غير أن هذه القيمة الفكرية كانت تحتاج إلى معادل جمالي أكثر كثافة، يجعل المتلقي يعيش المأساة بدلًا من أن يسمع عنها أو يشاهدها.
وفي المحصلة، فإن عرض مسرحية (شرقي… عذابات) عرضًا امتلك مشروعًا فكريًا واضحًا ورسالة إنسانية نبيلة، وضم طاقات تمثيلية وأدائية وسينوغرافية لافتة، لكنه ظل أسير هيمنة الخطاب والسرد على حساب الفعل الدرامي. لقد انتصر للفكرة أكثر مما انتصر للمسرح، وللذاكرة أكثر مما انتصر للحظة المسرحية الحية.
ويبقى العرض تجربة تستحق التقدير، لأنه فتح ويفتح بابًا للحوار حول علاقة المسرح العراقي بذاكرته الوطنية، كما أكد ويؤكد أن معالجة القضايا الكبرى لا تحتاج فقط إلى صدق الرسالة، بل إلى ابتكار الوسائل الجمالية القادرة على تحويل الوجع إلى تجربة مسرحية كاملة، يكون فيها الصراع والصورة والإيقاع شركاء للكلمة، لا تابعين لها.
(شرقي… عذابات) استعارة لبوح سياسي فلسفي
من الزاوية السياسية والفلسفية، لم يكتفِ عرض مسرحية (شرقي… عذابات) بتشخيص أزمات الواقع العراقي، بل بنى استعارة مسرحية قامت على ثنائية المتحكم والجنرال المزيف. فالمتحكم، وإن ظل غائبًا عن الخشبة بوصفه سلطة عليا، هو الذي منح الشرعية لشخصية الجنرال، فتحول الأخير إلى قاضٍ زائف يصدر أحكامه على مجتمع لم يكن مسؤولًا وحده عن مأساته، بل كان هو نفسه واحدًا من ضحايا منظومة السلطة.
وهنا تجاوزت المسرحية النقد الاجتماعي المباشر لتدخل في نقد بنية السلطة ذاتها، فالجنرال لا يمثل فردًا بعينه، وإنما مثل السلطة التي استمدت مشروعيتها من قوة أعلى منها، فغدت العدالة أداة للإدانة لا للإنصاف، وتحول القضاء الرمزي إلى محاكمة للضحايا بدلًا من محاسبة صناع الكارثة. إن شرعية الجنرال ليست نابعة من الحقيقة أو الكفاءة، بل من إرادة المتحكم الذي صنع ويصنع رموزه ومنحها ويمنحها سلطة الكلام والحكم.
ومن ثم، فإن العرض أطلق صرخة احتجاج ضد منظومة كاملة من الهيمنة، حيث توالدت السلطات الزائفة من سلطة أكبر، وتكررت حلقات القهر عبر وسطاء يتبدلون بينما بقيت آليات السيطرة ثابتة. وبهذا أصبح الجنرال رمزًا للواجهة، في حين بقى المتحكم هو الفاعل الحقيقي المختبئ خلف الستار، وهو ما منح العرض بعدًا سياسيًا عميقًا تجاوز الإدانة المباشرة إلى مساءلة مفهوم الشرعية نفسه.
إن قوة هذا البناء الرمزي كمن ويكمن في أنه لا يحاكم شخصيات بعينها، بل حاكم ويحاكم آليات إنتاج السلطة وإعادة إنتاجها، وكشف ويكشف كيف يمكن للخطاب الرسمي أن يمنح الشرعية لمن لا يستحقها، وأن يحول المزيف إلى قاضٍ، والضحية إلى متهم، والذاكرة إلى ملف اتهام ضد أصحابها. ومن هنا، غدا العرض وبدا صرخة نقدية في مواجهة الواقع العراقي، لا بوصفه نتاج أفراد، بل بوصفه حصيلة منظومة متشابكة من السلطات التي أعادت إنتاج الخراب تحت مسميات مختلفة. ومن العناصر الرمزية اللافتة في العرض بناء شخصية القاضي/الجنرال المزيف، إذ لم تقدم بوصفها نموذجًا للسلطة المهابة، بل بوصفها جسدًا متداعيًا هرمًا حمل سمات الشيخوخة والبؤس والترهل والارتباك. فهو عجوز منهك، بدا فاقدًا للاتزان، خاضعًا لإرادة أعلى منه، حتى إن حضوره أقرب إلى أداة تدار من خلف الستار منه إلى صاحب قرار مستقل. فضلًا عن ذلك، فإن الإيحاء بحالة السكر لا يقرأ بوصفه وصفًا واقعيًا فحسب، وإنما بوصفه علامة سيميائية على غياب الوعي واختلال البصيرة، بما جعل أحكامه فاقدة للشرعية الأخلاقية قبل أن تكون فاقدة للشرعية القانونية. وهذا التكوين الدرامي أثار مفارقة لافتة، فالشخصية التي تولت محاكمة الواقع تبدو هي نفسها عاجزة عن محاكمة ذاتها. إنها شخصية مهزوزة ومختلة، مارست وتمارس سلطة لا تملك مقوماتها، واصدرت وتصدر أحكامًا وهي واقعة تحت وطأة الوهن والاغتراب والتوجيه. وبهذا لم يعد القاضي رمزًا للعدالة، بل تحول إلى تجسيد لانهيار المؤسسة التي يفترض أن يمثلها، إذ غدا القضاء نفسه امتدادًا لسلطة المتحكم الذي منحه شرعيته الشكلية. ومن هذا المنظور، فإن العرض لم يسخر من شخص القاضي بقدر ما كشف هشاشة السلطة التي يمثلها، فكلما ازداد مظهره بؤسًا وارتباكًا، ازدادت دلالة أن السلطة الحقيقية ليست فيه، وإنما في اليد الخفية التي تحركه وتمنحه حق الإدانة. وهكذا نشأت مفارقة درامية مؤلمة، شخصية فاقدة للاتزان تتولى إصدار الأحكام، بينما يبقى صاحب السلطة الفعلية غائبًا عن المساءلة، الأمر الذي حول المحاكمة إلى مسرح للشرعية الزائفة أكثر منها بحثًا عن العدالة.
وقد تمظهرت دلالة أخرى بالغة العمق في الكيفية التي صور بها العرض المسرحي الشعب، إذ لم يقدمه بوصفه فاعلًا تاريخيًا يمتلك إرادته، وإنما بوصفه كتلة منقادة تساق إلى مصيرها من دون أن تمتلك حق الاختيار أو حتى حق الاعتراض. فالشخصيات الجماعية لا تنتج قرارها، بل تتلقى قرارات الآخرين، وتتحرك داخل فضاء رسمته سلطة الجنرال والمتحكم، حتى بدا الشعب وكأنه يعيش داخل بروفة مسرحية لا يملك فيها سوى أداء الأدوار المفروضة عليه. ويكتسب توظيف لعبة النرد قيمة رمزية عالية، فهي لا تحيل إلى المصادفة وحدها، بل إلى العبث الذي تدار به مصائر الناس، وكأن مستقبل الوطن أصبح رهنًا برمية نرد، لا بمنطق العدالة أو التخطيط أو الإرادة الشعبية. وهنا تحولت اللعبة إلى استعارة سياسية اختزلت هشاشة المصير الإنساني عندما اختزل القرار الوطني في نزوات السلطة وتقلباتها. ومن جهة أخرى، تعامل الجنرال مع الجماعة كما لو كان مخرجًا لبروفة مسرحية قسرية، حدد مواقعها ووزع أدوارها وقاد حركتها، بينما غاب صوتها الفردي والجماعي. غير أن هذه البروفة ليست تمهيدًا لولادة حياة جديدة، بل إعدادًا لمشهد متكرر من الموت والصراخ واللهاث. فالإنسان هنا لا يؤدي دوره بوصفه ذاتًا حرة، وإنما بوصفه جسدًا أستنزف داخل دورة لا تنتهي من العنف والخضوع. وبذلك، نجح العرض في بناء صورة رمزية قاسية، إذ غدا الشعب ممثلًا مجبرًا على أداء نص لم يكتبه، وإعادة تمثيل مآسٍ لم يخترها، بينما احتكر الجنرال -بوصفه واجهة للسلطة - الإخراج والتوجيه، وظل المتحكم،- بوصفه المؤلف الحقيقي للمشهد-، بعيدًا عن المحاسبة. ومن ثم، فإن الصراخ واللهاث اللذين يملآن فضاء العرض لا يمثلان مجرد استجابة جسدية للألم، بل تحولا إلى لغة شعب سلب منه حق الكلام، فلم يبق له سوى أن يصرخ ويجري خلف مصير لا يصنعه، وينتظر نهاية كتبت له قبل أن يصعد إلى خشبة الحياة.
نجح العرض في لحظاته الأولى في كسر الحدود التقليدية بين الخشبة والقاعة، فلم يدخل المتلقي إلى المسرح بوصفه مشاهدًا خارج الحدث، وإنما بوصفه جزءًا من بنيته الدرامية. فالافتتاحية لم تكتف بتهيئة فضاء العرض، بل استدرجت الجمهور إلى قلب الواقعة، ليصبح شاهدًا ومشاركًا في آنٍ واحد، وكأن ما يجري على الخشبة ليس تمثيلًا لواقع مضى، وإنما امتدادًا لواقع يعيشه الجميع. واكتسبت هذه المعالجة بعدًا جماليًا ودلاليًا مهمًا، إذ تم الغاء المسافة الفاصلة بين الممثل والمتلقي، لتغدو الشخصيات الخارجة من بين الجمهور أو المتماهية معه امتدادًا لهوية الجماعة نفسها. فالشخصيات ليست كائنات معزولة داخل العالم المسرحي، بل هي جزءًا من الجمهور، خرجت منه وإليه تعود، تحمل ذاكرته وتتكلم بلسانه وتجسد آلامه وانكساراته. وهكذا أصبح الجمهور ليس مجرد متلقٍ للعرض، بل واحد من مكونات صورته الدرامية.
لقد أحسن العرض في توظيف هذه التقنية، لأنها عززت الإيهام بأن المجتمع بأكمله حاضر داخل الفعل المسرحي، وإن الخشبة ليست سوى تكثيف رمزي للفضاء الاجتماعي. وبذلك، تجسدت فكرة أن الضحية والراوي والشاهد ينتمون جميعًا إلى الجماعة ذاتها، فلم يبق هناك فصل واضح بين من يشاهد المأساة ومن يعيشها. غير أن هذه البداية الواعدة، بما امتلكته من قدرة على دمج المتلقي داخل الحدث، كانت تستدعي استمرار هذا الاشتغال طوال العرض. فلو حافظ الإخراج على هذا التفاعل، وأعاد إشراك الجمهور في صناعة الحدث بدلًا من إعادته تدريجيًا إلى موقع المستمع للسرد، لأصبحت العلاقة بين الخشبة والقاعة أكثر حيوية، ولتعزز الإحساس بأن المتلقي ليس شاهدًا على المأساة فحسب، بل طرفًا في مساءلتها وتفكيكها. ومن هنا، فإن افتتاحية العرض تعد من أنجح لحظاته الإخراجية، لأنها دشنت علاقة مسرحية تفاعلية عميقة، وإن لم تستثمر بكامل طاقتها حتى نهاية العرض.
بلغ العرض ذروته الدرامية في المشهد الختامي، حيث تكثفت معظم علاماته السيميائية في صورة واحدة بالغة القسوة. فالجنرال المزيف، الذي لم يمتلك سلطة حقيقية، تحول إلى أداة تنفيذ لإرادة المتحكم، فيسحب أفراد الشعب بالحبال، وكأنهم أجساد منزوعة الإرادة تقاد إلى مصير رسم لها سلفًا. ولا تبدو الحبال هنا مجرد وسيلة حركية، بل علامة مسرحية اختزلت كل أشكال القهر والإخضاع، إذ تحولت العلاقة بين السلطة والشعب إلى علاقة شد قسري، ألغت فيها حرية الإنسان واختزلت وجوداته إلى أجساد تقاد نحو المجهول. وفي مقابل هذا القسر، لم يتوقف الشعب عن المقاومة، فمحاولات الإفلات من الحبال منحت وتمنح المشهد بعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ أكدت أن إرادة الحياة لا تنطفئ حتى في أكثر لحظات الاستلاب قسوة. غير أن هذه المحاولات قوبلت بسطوة منظومة تحكمت بالمصائر، فغدا الخلاص مؤجلًا، وبقت المقاومة نفسها جزءًا من المأساة. وأتت الصورة الأخيرة لتمنح العرض إحدى أكثر لحظاته بلاغة. فاللوحة المتدلية التي كتبت وتكتب بدماء الشعب لا تؤرخ لانتصار أو مجد، وإنما كتبت وتكتب سيرة وطن خطت صفحاته بالدم والفناء والموت والصراخ. إن الدم هنا لم يعد أثرًا للعنف فحسب، بل تحول إلى حبر دون ويدون تاريخًا قاسيًا، وإلى وثيقة إدانة لمنظومة أنتجت هذا الخراب وأعادت إنتاجه عبر الزمن. ومن الناحية السيميائية، تحولت اللوحة إلى أرشيف بصري للذاكرة الجمعية، فالتاريخ الذي عجزت المؤسسات عن كتابته بصدق، كتبه الضحايا بأجسادهم ودمائهم. وهنا، تجاوزت الصورة حدود المشهد المسرحي لتغدو استعارة للوطن نفسه، حيث أصبح الإنسان هو النص، والدم هو الكتابة، والموت هو اللغة التي فرضتها السلطة على المجتمع.
وبذلك لم ينته العرض بإغلاق الحكاية، وإنما بفتح سؤال أخلاقي وسياسي موجع، هل كتب على هذا الشعب أن يبقى مادةً لمشاهد الموت، أم أن كتابة التاريخ بالدم هي النداء الأخير لاستعادة الإرادة وقطع الحبال التي قادت الإنسان إلى هذا المصير؟ إن هذه النهاية لا تقدم جوابًا، لكنها تركت المتلقي أمام صورة بصرية آسرة، اختزلت مأساة وطن بأكمله في لوحة واحدة، حيث تجاورت الذاكرة والدم، والحياة والفناء، والصراخ والأمل المؤجل. إذ لم يقدم عرض مسرحية (شرقي... عذابات) حكاية عن حقبة تاريخية بعينها، بقدر ما فتح جرحًا وجوديًا اختبر فيه الإنسان علاقته بالحياة والموت، وبالحرية والقهر، وبالوطن الذي تحول إلى فضاء للصراع والتمزق. فمنذ اللحظة الأولى، لا تبدو الخشبة مكانًا لتمثيل الأحداث، وإنما تحولت إلى مختبر للذاكرة، حيث تقاطعت الأزمنة وتداخلت الوقائع لتكشف أن العذاب ليس حادثة عابرة، بل بنية ممتدة استوطنت الوجود الإنساني. من هنا، كان تأثيث العرض ينطلق من الإنسان وإليه بوصفه مركزًا للخطاب المسرحي، إنسان محاصر بأسئلة الوجود، ومهدد في حقه بالحياة، ومطارد بشبح الموت الذي لا يغادر تفاصيل يومه. وبين هذين القطبين تشكلت شبكة من العلامات البصرية والسمعية التي جعلت الموت حاضرًا بوصفه نتيجة طبيعية لاختلال معنى الحياة في ظل منظومات العنف والإقصاء. وغدت الجدران الإسمنتية T- wall أكثر من عناصر سينوغرافية، إنها استعارة مكثفة للسجن الكبير الذي وجد الإنسان نفسه داخله، فهي جدران عزلت الجسد كما عزلت الذاكرة، ومنعت الرؤية كما منعت الأمل، لتتحول إلى شاهد صامت على انكسارات الفرد والجماعة. إنها حدود مادية ونفسية في آنٍ واحد، اختزنت الخوف والانتظار والاختناق، بدل من أن تكون جدران بيت وجدران مدرسة ووطن وانتماء وفرح وسكون وطمأنينة، لتؤكد أن السجن الحقيقي ليس المكان فحسب، بل الواقع الذي صاغته الحروب والسلطة. وفي هذا السياق، استدعى العرض مرحلة ما قبل عام 2003 وما بعده، بوصفها نقطة تحول مفصلية في الوعي الجمعي، لا من خلال التوثيق المباشر، وإنما عبر تفكيك آثار الاحتلال وما أعقبه من انهيار المنظومات الاجتماعية، وصعود الطائفية بوصفها خطابًا لإعادة إنتاج الانقسام والعداء. وهكذا لا يظهر الاحتلال كحدث سياسي منته، بل كقوة ما تزال تلقي بظلالها على الوعي والهوية والعلاقات الإنسانية، فيما تبدو الطائفية امتدادًا لذلك الخراب، إذ أعادت تشكيل الإنسان وفق هويات قاتلة، ودفعته إلى مواجهة أخيه بدل مواجهة أسباب مأساته الحقيقية.
إن قوة العرض تكمن في أنه لم يقدم إجابات جاهزة، بل وضع المتلقي أمام مرآة يرى فيها ذاته وواقعه وأسئلته. فعرض مسرحية (شرقي... عذابات) ليس عرضًا عن الماضي فقط، وإنما عن حاضر ما زال يتكرر، وعن مستقبل يبقى رهين قدرة الإنسان على هدم الجدران التي شيدت حول روحه قبل أن تشيد من الإسمنت. من هنا، أسس عرض مسرحية (شرقي... عذابات) بنيته الجمالية على جدلية الإنسان والسلطة والوجود والفناء والذاكرة والنسيان، ليقدم خطابًا مسرحيًا لا ينشغل باستعادة الحدث التاريخي بقدر انشغاله بتفكيك آثاره العميقة في الوعي الجمعي. فالخشبة هنا ليست فضاءً لتمثيل الوقائع، وإنما منظومة من العلامات السيميائية التي تكاملت فيها الصورة والجسد والصوت والحركة، لتنتج خطابًا نقديًا قرأ التحولات التي أصابت الإنسان العراقي في ظل الاحتلال وما أعقبه من انقسامات طائفية واجتماعية. لقد جعل العرض من الإنسان مركزًا لدلالاته، لا بوصفه بطلًا دراميًا، وإنما بوصفه ذاتًا مأزومة فقدت يقينها الوجودي. فهو يعيش داخل فضاء تتنازعه الحياة والموت، حتى غدا الموت حالة يومية استوطنت تفاصيل الحياة، وأصبح البقاء ذاته شكلًا من أشكال المقاومة. ومن هنا، تجلت الرؤية الوجودية للعرض، إذ تحول الإنسان إلى كائن باحثًا عن معنى وجوده وسط عالم فقد منطقه الأخلاقي، وأصبحت الحرية فيه محاصرة بالخوف والهوية مهددة بالتشظي. أما الجدران الإسمنتية التي هيمنت على الفضاء المسرحي والتي توشح بعضها بمفروشات تراثية بيئية ممزقة، فلم تكن عنصرًا سينوغرافيًا وظيفيًا، بل علامة دلالية كثيفة اختزلت فلسفة العرض بأكملها. فهي مثلت الحدود التي فرضتها السلطة، والعزلة التي أنتجتها الحروب، والسجون المرئية وغير المرئية التي أُخضع لها الإنسان. لقد تحولت هذه الجدران إلى استعارة بصرية للخراب النفسي والاجتماعي، وإلى ذاكرة صلبة احتفظت بأصداء الصرخات أكثر مما احتفظت بأجساد الضحايا، وكأن العرض يؤكد أن الجدار لا يحاصر الجسد فحسب، بل يحاصر الحلم والهوية والقدرة على إنتاج المستقبل.
ومن هذا المنطلق، حضر الاحتلال بعد عام 2003 بوصفه لحظة مؤسسة لتحولات بنيوية أصابت المجتمع، لا باعتباره حدثًا سياسيًا منعزلًا، وإنما بوصفه بداية لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي على أسس التفكيك والانقسام. فلم يقدمه العرض بمنطق التوثيق التاريخي، بل بوصفه خطابًا مستمرًا ما تزال نتائجه فاعلة في إنتاج العنف وإعادة توزيع الخوف داخل المجتمع وتفتيت السلطة والمواطنة واحلال الهويات الفرعية. إن القيمة الجمالية لعرض مسرحية (شرقي... عذابات) كمنت في قدرته على تحويل الواقعة السياسية إلى سؤال فلسفي، وتحويل المأساة الاجتماعية إلى خطاب بصري مفتوح على التأويل. فالعرض لا يدين مرحلة تاريخية بعينها فحسب، بل يدين كل منظومة تنتج القهر، وتعيد تصنيع الموت، وتختزل الإنسان في هوية ضيقة أو رقم داخل سجلات الضحايا. ومن هنا تتجاوز المسرحية حدود التوثيق، لتصبح فعلًا نقديًا مقاومًا، يعيد مساءلة معنى الإنسان، معنى الوطن، معنى الحرية في زمن تتكاثر فيه الجدران أكثر مما تتكاثر النوافذ.
(شرقي... عذابات) تمثيلات الخراب الوجودي وتحولات الإنسان
لم يشرع عرض مسرحية (شرقي... عذابات) من رغبة في إعادة إنتاج الذاكرة العراقية بوصفها سجلًا للأحداث، بل تعامل معها باعتبارها منظومة من الندوب التي ما زالت تعيد تشكيل الوعي والهوية. ولذلك، لم يضع المتلقي أمام حكاية عن الحروب والحصار والاحتلال أو الطائفية أو الموت، وإنما دفعه إلى مواجهة سؤال أكثر عمقًا، كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته داخل عالم تتوالد فيه أشكال العنف أكثر مما تتوالد فيه فرص الحياة؟ فمنذ اللحظة الأولى، أسس العرض فضاءه على ثنائية الحياة والموت، لا بوصفهما نهايتين متقابلتين، بل باعتبارهما حالتين متداخلتين (شهيق -زفير)، فالحياة نفسها بدت مؤجلة ومهددة، والموت تحول إلى ممارسة يومية، حتى فقد دهشته وتحول إلى جزء من إيقاع الزمن المجتمعي. فظل الإنسان معلقًا بين النجاة أو الانزلاق في تيه الذاكرة والحلم المؤجل. إن الإنسان في هذا العرض ليس بطلًا تراجيديًا بالمعنى الأرسطي، بل ضحية بنية تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة، تحكمت في مصيره واعادت إنتاج مأساته باستمرار. فهو يعيش اغترابًا مزدوجًا، اغترابًا عن ذاته التي فقدت يقينها، واغترابًا عن وطن لم يعد قادرًا على احتضان أبنائه. ومن هنا، اقترب العرض من الرؤية الوجودية التي ترى أن الإنسان يلقى في عالم لا يختاره، ويجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن معنى وجوده وسط الفوضى والعبث. ولعل الأكثر العلامة السيميائية كثافة في العرض هي الجدران الإسمنتية التي تجاوزت وظيفتها السينوغرافية لتغدو نصًا بصريًا قائمًا بذاته. فهي ليست جدرانًا معمارية، وإنما تمثيل مادي لذاكرة الحصار، وللسلطة التي صنعت العزل، وللخوف الذي أحاط بالإنسان من كل الجهات. إنها جدران تفصل بين الإنسان ووطنه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان وذاته. وكلما ازدادت صلابتها على الخشبة، بدا الإنسان أكثر هشاشة، وكأن العرض يقيم مفارقة بصرية بين صلابة الحجر وانكسار الروح. وباتت الشخصيات ضحايا لخطابات أكبر منها. وعلى مستوى الصورة المسرحية، نجح العرض في بناء لغة بصرية، إذ أصبح الجسد المسرحي حاملًا للمعنى بقدر الكلمة، وربما أكثر منها. فالإيماءة والصمت والتكوينات الحركية والعلاقة مع الفضاء، جميعها تحولت إلى مفردات خطابية انتجت دلالاتها عبر التوتر المستمر بين الثبات والحركة، وبين القيد والرغبة في الانعتاق. وبلغ العرض ذروته في مشاهده الأخيرة عندما تحولت السلطة إلى قوة عمياء لا تكتفي بإدانة الإنسان، بل ساقته إلى مصيره المحتوم. إن مشهد سحب الجنرال المزيف ومن معه بالحبال، وتدلي اللوحة التي كتب عليها سيرة الشعب بدمائه، لم تمثل نهاية حدث درامي فحسب، بل اختزلت فلسفة العرض بأكملها، إذ تحولت الأجساد إلى نصوص، والدم إلى كتابة، والتاريخ إلى وثيقة دامغة تدين كل أشكال القهر. هنا أصبحت الخشبة فضاءً لمحاكمة التاريخ نفسه، لا لمحاكمة الأشخاص، وغدا الشعب المعاقب هو الكاتب الحقيقي لسيرته، لكن بحبر من الألم والضحايا.
وبذلك، نجح عرض مسرحية (شرقي... عذابات) في تجاوز حدود المسرح السياسي التقليدي، ليدخل منطقة المسرح الفلسفي الذي اشتبك مع أسئلة الإنسان الكبرى. فهو لم يكتفِ بكشف أسباب المأساة، بل دعوة المتلقي إلى مساءلة مسؤوليته تجاهها، وجعل من العرض فعلًا مقاومًا للنسيان، ومرافعة جمالية دفاعًا عن الإنسان في مواجهة كل سلطة تنتج الخراب، وكل خطاب يبرر الموت، وكل جدار يحاول أن يحاصر الحلم.
إن عرض مسرحية (شرقي... عذابات) ليس مسرحية عن الماضي، بل عن حاضر لم يكتمل خروجه من المأساة، وعن مستقبل لن يبنى إلا حين تتحول الذاكرة من مساحة للألم إلى وعي نقدي يرفض إعادة إنتاج العنف، ويؤمن بأن الإنسان سيظل القيمة العليا التي يجب أن تنتصر على الطغيان والطائفية والموت.
كشفت عتبة عنوان (شرقي... عذابات) عن دلالة تجاوزت الإحالة المكانية إلى سؤال وجودي يتعلق بمصير الإنسان في فضاء صاغته الحروب والسلطات. إنسان حاول استعادة إنسانيته وسط واقع تنازعته الهويات المتصارعة. ومن هذا المنظور اقترب العرض من رؤية (ميشيل فوكو) التي ترى أن السلطة لا تهيمن على الجسد فحسب، بل تعيد تشكيل الوعي والسلوك، كما التقى مع طرح (فرانز فانون) في كشف آثار العنف والهيمنة في تشويه الإنسان واغترابه عن ذاته. لذلك، لم يقدم العرض العذاب بوصفه قدرًا شرقيًا، بل نتيجة لبنية سلطوية كرست الحرب وأعادت إنتاجها عبر أجيال متعاقبة. من هنا، شكل عنوان عرض مسرحية (شرقي... عذابات) عتبة سيميائية أولى استفزت المتلقي قبل انفتاح العرض على فضائه البصري. فالاختيار لم يكن (عذابات... الشرقي) بل (شرقي... عذابات). وهو تركيب لغوي قدم صفة الانتماء قبل الموصوف، ليجعل الشرقي ليس مجرد توصيف جغرافي، بل هوية وجودية محملة بتاريخ طويل من القهر والحروب والانكسارات. وهكذا أصبح الشرق في العرض ليس مكانًا، بل قدرًا أنتج العذاب وأعاد تدويره عبر الأزمنة. وتجسدت هذه الدلالة عبر تحويل الإنسان إلى كائن يعيش تحت سلطة المؤسسة العسكرية، إذ تبدو عسكرة المجتمع واحدة من أكثر الأفكار حضورًا في العرض. فالفرد يجرد من فردانيته ليغدو رقمًا في آلة الحرب، تحدد قيمته بقدر ما يقدمه من دم وخسارات. إن الحروب العبثية التي استحضرها العرض لا تقدم بوصفها أحداثًا تاريخية فحسب، بل باعتبارها منظومة لإنتاج الخوف وتكريس الطاعة ومصادرة الحق في الحياة. ولا يقف العرض عند حدود الحروب السابقة، بل امتد إلى ها هنا الان، حيث ظهور جيل جديد وجد نفسه وارثًا لتاريخ مثقل بالخراب، دون أن يكون شريكًا في صناعته. إنه جيل ولد في زمن الاحتلال والانقسام والطائفية، فوجد نفسه يعيش نتائج انهيار الدولة وتفكك الهوية الوطنية، وتحول العنف إلى ممارسة يومية. لذلك، فإن هذا الجيل لم يرث الأرض فقط، بل ورث الذاكرة المثقلة بالدم والأسئلة المؤجلة، والآمال المؤجلة أيضًا. ومن هنا، تجاوزت المسرحية القراءة السياسية المباشرة لتقدم قراءة أنطولوجية للإنسان، فالاحتلال ليس مجرد حدث عسكري، والطائفية ليست مجرد انقسام اجتماعي، وإنما كلاهما يتحولان إلى منظومتين لإعادة تشكيل الإنسان، وتفكيك وعيه، ودفعه إلى الارتياب بالآخر وبذاته. وبهذا أصبح (شرقي العذابات) إنسانًا محاصرًا بين ماضٍ عسكري ثقيل، وحاضر ممزق ومستقبل لا يزال يبحث عن معنى للحرية والخلاص. إن العرض عبر هذه العتبة، وضع المتلقي أمام سؤال جوهري، هل العذاب قدر جغرافي لازم ويلازم الشرق، أم أنه نتيجة للسلطات التي صنعت هذا الشرق وفق منطق الحرب والعنف والإقصاء؟ وهنا تكمن قوة العنوان، لأنه لا يقدم إجابة جاهزة، بل حول العذاب إلى سؤال فلسفي مفتوح، وجعل الإنسان هو القضية المركزية التي تدور حولها جميع مفردات العرض.
مسرحية (شرقي... عذابات) تأليف: ماجد مطرود، إخراج: حسن خيون، أداء: عزيز خيون، طه المشهداني وبهاء خيون وأمير إحسان وإسراء رفعت وسجاد علي وحسن قاسم وحسن أمين ولطيف زهير وحسين خيرالله… تقديم: دائرة السينما والمسرح - الفرقة الوطنية للتمثيل وفرقة الفضاء الواحد/ بلجيكا... بغداد.. مسرح الرشيد 29/ 6/ 2026.
د. محمد فضيل الخفاجي: اكاديمي وناقد مسرحي عراقي.