بنظرة وتمعن على مشروع بشرى الهلالي رواية (المواطنة 247) ادركت بأنني امام عالم متخيل سادته الفوضى والقمع والخراب وفقدان القيم الانسانية، هذا الذي اتخذت فيه بشرى من مصادرة الرؤوس استعارة كبرى لمصادرة الوعي والذاكرة والإرادة الإنسانية. فكرة امتلكت من الجد "والجرأة" ما يكفي لجذب أي قارئ منذ الصفحات الأولى، مع بدء المشهد الافتتاحي الذي جمع أفراد الأسرة بانتظار انتهاء البرمجة وعودة رؤوسهم، والذي نجح في خلق حالة من التوتر والأسئلة وأسَّس لجو كابوسي تداخلت فيه السخرية السوداء مع الإحساس بالفقد والعجز. الا ان الكاتبة وعلى الرغم من نجاحها في ابتكار هذا العالم الرمزي، اراها قد تعمدت في الشرح والإفصاح المبكر عن الدلالات، ربما لأنها أرادت تفسير أفكارها بدلاً من تركها تتجسد عبر الأحداث والشخصيات، وهذه تحسب احيانا مواقع قوة فنية لبعض المشاهد كما هي في رؤيتها للرأس و هو هنا ليس عضوًا جسديًا بقدر ما هو رمز للذاكرة والهوية والقدرة على التفكير الحر، كما تمثل البرمجة سلطة شمولية تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي ومراقبة التاريخ وتدجين الإنسان. وهكذا جاءت أنجح اللحظات الرمزية في هذه المقاطع هو قول الطفلة إنها قطعت رأس لعبتها: "كي تشبهنا يا أمي"، وهي جملة مكثفة اختصرت مأساة العالم الروائي كله، وكشفت قدرة بشرى على إنتاج صور ذات أثر عميق حين تخلت عن الشرح وتركت الرمز يتكلم بنفسه. أما شخصية الأب، فقد بدت حتى الآن الأكثر اكتمالاً من الناحية الفنية، فهو مدرس تاريخ فقد قدرته على الدفاع عن التاريخ نفسه، ورجل مسحوق يعيش على بقايا ذاكرة تتآكل باستمرار، فهو يمثل جيلًا كاملًا أرهقته الحروب والهزائم والتنازلات. ومع ذلك فإن بشرى الهلالي قد كررت الإشارة إلى ضعفه واستسلامه إلى حد جعلت من الشخصية تدور أحيانًا حول فكرة واحدة.
أما الأم (آمنة) فقد برزت شخصية محورية حقيقية للرواية، فهي الحارس الأخير للذاكرة والمقاومة الصامتة ضد البرمجة، وهي شخصية حملت أبعادًا تراجيدية واضحة لأنها تدرك حجم ما خسرته وتحاول في الوقت نفسه إنقاذ ما تبقى من وعي أبنائها. و بدت الأبنة الكبرى أقل حيوية من الشخصيتين السابقتين لأن صوتها السردي مال أحيانًا إلى أن يكون "صوت الكاتبة نفسها"، وهي تعرض أفكارها وتأملاتها لتتحول الشخصية إلى وسيلة لتمرير الرؤى الفكرية أكثر من كونها كائنًا روائيًا مستقلًا. أما الطفلة الصغرى، فقد نجحت في الحفاظ على عفويتها وهي تكشف عبث هذا العالم ببراءة الطفولة وسذاجتها الظاهرية. وهنا لابد من الاشارة الى ان الكاتبة تمتلك قدرة واضحة على الوصف وصناعة الصورة، فتجاوزت في لغتها المستوى في التناولات الكتابية لسواها، إذ طغى عليها الحس الشعري والقدرة على التقاط التفاصيل مع انها استطردت في الإفراط الوصفي التأملي وتعدد التشبيهات والاستعارات إلى درجة ابطأت بعض من حركة سردها، في ذات الوقت الذي جاءت فيه الانتقالات الزمنية بين الحاضر والماضي والذكريات والحروب والسنوات السابقة لتمنح النص عمقًا وتعدد طبقات ولو بانسيابية غير كافية!!

وكان ذلك بسبب آلية اشتغال الرواية الذي تتخلله قفزات من مشهد آني إلى استرجاعات طويلة أوهنت معها إيقاع الحكاية لرواية ارادت بشرى من وراء سوقها السعي إلى معالجة قضايا سياسية وفكرية تتعلق بالحرب والرقابة ومصادرة الذاكرة وتزييف التاريخ في عمل ينضح خيالاً خصباً ورؤية واضحة وعالماً رمزياً متماسكاً وشخصية نسائية مركزية واعدة.
وبتمعن قرائي يتضح ميل بشرى إلى الشرح والإطالة لتؤكد على بعض أفكارها من دون ان تثقل السرد الذي استمر بوتيرة واحدة، ليعتريني انطباع بأن "المواطنة 247" ليست رواية أحداث بقدر ما هي رواية فكرة كبرى تراهن على سؤال الذاكرة والهوية في مجتمع صودرت منه رؤوسه. وقد نجحت بشرى في إثارة أفقً تأويليً واسعً. وهكذا فنحن امام عالم بُني على مستويين متداخلين: أحدهما مستوى خارجي يتمثل في نظام (البرمجة) الذي يصادر الرؤوس والذاكرة ويحوّل المواطنين إلى كائنات مراقبة ومروّضة، والآخر مستوى داخلي يتمثل في ذاكرة الشخصيات التي تقاوم المحو عبر استعادة تفاصيل الماضي. لذلك لم تعد الذاكرة مجرد وسيلة سردية بل تراها فعل مقاومة وجودية، فكل استرجاع للماضي هو تمرد على السلطة التي تريد صناعة إنسان بلا تاريخ، فشخصية آمنة هي الأكثر التصاقاً بالذاكرة. بينما يستسلم الزوج تدريجياً لفكرة العطب والتآكل، نراها ظلت متمسكة بالماضي وتتعامل مع الذكريات بوصفها آخر مساحة للحرية. ولهذا وضعتنا الكاتبة امام مناوبة بين آمنة الشابة التي تعيش قصة حبها الأولى، وآمنة الزوجة التي تعيش تحت سلطة البرمجة، وتغدو هذه الشخصية موزعة بين زمنين- زمن الرغبة والحلم، وزمن القمع والخذلان. كما ان حادثة الاعتقال في مركز الشرطة كشفت عن أحد الجذور التاريخية للخوف الذي ارادت له بشرى ان يحكم عالم الرواية، لأنها لا تقدم القمع كظاهرة طارئة بل ترسمه بنية متراكمة تبدأ بمراقبة الأجساد والعلاقات الخاصة وتنتهي بمصادرة الوعي نفسه، فالقبلة الأولى التي كان يفترض أن تكون لحظة اكتمال عاطفي تحولت إلى مدخل للعقاب والإذلال، وكأن السلطة تتدخل حتى في أكثر مناطق الإنسان خصوصية.
إن نجاح السرد هنا، في الانتقال بين الأصوات والذكريات من دون أن يفقد خيطه المركزي، له علاقة بالأطفال والبرتقالة وألعاب الحصار ومناديل المدرسة، لم تسقها بشرى كاستطرادات مجانية بل أسستها لتشكيل شبكة من الذاكرات الصغيرة التي ترسم تاريخًا اجتماعيًا كاملًا لجيل عاش الحروب والحصار والفاقة، لتضعنا الهلالي إزاء فسيفساء من الذكريات الفردية التي تجمعت لتشكّل ذاكرة جماعية. وتبرز مع هذا الاشتغال "ثيمة الجسد" كساحة للصراع، ففي الماضي كان الجسد مرتبطًا بالحب والرغبة والاكتشاف أما في الحاضر الذي عليه (247) فقد تحول إلى موضوع للمراقبة والتفتيش والسيطرة. لذلك نلحظ بان الحديث عن الرؤوس والعيون والأجساد واللمس والذاكرة يتكرر في شبكة رمزية واحدة تشير إلى أن السلطة لا تكتفي بالهيمنة على السلوك، بل تسعى إلى احتلال الإنسان من الداخل. وهكذا يبدو سياق بشرى محوري وهي تضيف بعدًا مهمًا من خلال مراقبة العملاء الذين يراقبون الذكريات ويكتبون التقارير عنها لتنتقل الرواية من مستوى الإيحاء إلى مستوى الكشف الجزئي عن آلية النظام، لنفهم أن البرمجة ليست مجرد إجراء تقني بل مؤسسة رقابية متكاملة تقوم على تحويل الذاكرة إلى مادة أمنية خاضعة للفحص والتصنيف. يتصاعد خطاب بشرى الروائي ليصل إلى درجة أعلى من التأمل الفلسفي، إذ يتحول الحديث عن التاريخ والحرب والذاكرة إلى مساءلة لمعنى الحياة نفسها، فالزوج الذي كان معلمًا للتاريخ يكتشف أن التاريخ الرسمي ليس سوى إعادة إنتاج للخطاب السلطوي! وأن الإنسان حين يفقد قدرته على صناعة مصيره يفقد أيضًا قدرته على صناعة تاريخه.
عند هذا الفضاء الكتابي في الرواية، نَمْثُل كمتابعين أمام نقطة تحول سردية مهمة، لأنها لا تكتفي بتوسيع العالم المتخيل الفوضوي القمعي الخرب الفاقد لكل قيم انسانية، بل لتمنح الشخصيات عمقًا نفسيًا وتاريخيًا أكبر، فمعركة الرواية الحقيقية ليست بين السلطة والمواطن فقط، بل بين الذاكرة والنسيان وبين الإنسان كما كان والإنسان الذي تريد السلطة إعادة تشكيله. لذا يمكن القول (بأن الذاكرة أصبحت عند هذا المآل السردي هي البطل الحقيقي للرواية)، و (البرمجة) هي الاسم الرمزي لكل أشكال القمع التي تسعى إلى محو الماضي من أجل التحكم بالمستقبل.
تزداد الرواية تعقيدًا وعمقًا حين تنتقل الكاتبة إلى مرحلة تفكيك الشخصيات من الداخل كي تربط مصائرها الفردية بالبنية السياسية الكبرى، وهنا تتشكل الذروة الحقيقية، لأن الرواية لم تعد تكتفي بعرض فكرة (مصادرة الذاكرة) بل تجعلها جرحًا وجوديًا يحدد مصائر البشر وعلاقاتهم وعواطفهم وأحلامهم.
اكتسب سلام بعدًا تراجيديًا واضحًا، فالرجل الذي بدا سابقًا جزءًا من منظومة السلطة ها هو يتحول تدريجيًا إلى ضحية لها بعد اعترافه الداخلي بأنه قاتل وأنه كذب على أمه وأسرته طوال حياته ليكشف انشطارًا نفسيًا حادًا بين صورته الاجتماعية وحقيقته الباطنية، على ان بشرى الهلالي نجحت هنا في بناء شخصية مأزومة أخلاقيًا لا يمكن تصنيفها بسهولة ضمن خانة الجلاد أو الضحية، فهو من جهة ساهم في بناء منظومة القمع، ومن جهة أخرى كان ضحية ابتزازها منذ شبابه.

وتكمن اهمية السرد هنا انه يعيد لنا تفسير الماضي كله، فحادثة اعتقاله مع آمنة لم تعد مجرد ذكرى رومانسية بل تحولت إلى لحظة تأسيسية صنعت مصير شخصين كاملين. ومن الناحية الرمزية بدت جملة "كل الأشياء لها غشاء بكارة" مفتاحًا فكريًا للمجرى الحدثي لأن الكاتبة ترى ان الخيانة يمكن اعتيادها بعد المرة الأولى، كما يمكن اعتياد الألم والخوف، وبذلك تحولت الخيانة على وفق هذا المنظور من حدث فردي إلى آلية اجتماعية تتغذى عليها الأنظمة الشمولية.
تمنح الرواية آمنة عمقًا إنسانيًا استثنائيًا، فهي لا تقدم آمنة كبطلة مقاومة حسب، بل أمًا مثقلة بالخيبات والأحلام المجهضة. فحين تشاهد ابنتها بين أحضان ابن الجيران، لا يكون الحدث مهما نفسه!! بل ردة الفعل حيث يغدو الصمت أكثر بلاغة من الانفجار.
لقد استهلكت الحياة ما يكفي من طاقة الغضب داخل هذه المرأة حتى باتت الصدمات تمر عبرها كأنها تضرب جسدًا منهكًا لم يعد يملك قدرة على المقاومة. ويتخذ هذا المشهد بعدًا رمزيًا من خلال ارتباط اكتشاف علاقة ابنتها مع مشروعها السري الخاص باستعادة الوعي، فبين محاولة إنقاذ الجيل القادم من الموت العقلي الذي تفرضه البرمجة، تدرك آمنة أن أبناءها يبتعدون عن الصورة التي حلمت بها لهم. وهنا تتجلى إحدى أهم ثيمات الرواية: استحالة توريث الأحلام، فآمنة التي أرادت ان يكون أبناؤها امتدادًا لأحلامها تكتشف أن الحكمة لا تنتقل بالوراثة، وأن كل جيل محكوم بأن يرتكب أخطاءه الخاصة.
إن المونولوج الطويل الذي استعادت فيه آمنة سنوات الحصار والزواج والفقر هو من أقوى المقاطع الاجتماعية في الرواية، فالرواية هنا تتجاوز بعدها, لتتحول إلى وثيقة عن المرأة العراقية التي سحقتها الحروب والعوز والمسؤوليات اليومية: زوج عاجز، راتب لا يكفي، ديون متراكمة، أحلام أكاديمية مجهضة، وأبناء ضائعون. هذه التفاصيل الواقعية منحت العالم المتخيل مصداقية كبيرة لأن بشرى ربطت الخيال السياسي بجذور اجتماعية ملموسة بعودة السرد.
وحين تتكشف الخلفية التاريخية لمشروع السيطرة على الذاكرة، لا يعود سلام مجرد موظف في المنظومة، بل أحد مهندسيها الأصليين. وهذه المعلومة هي التي غيرت موقع الشخصية بالكامل داخل البناء الروائي، فالرجل الذي يراقب آمنة الآن هو نفسه الذي شارك في تأسيس الشبكة التي سلبتها حريتها. إلا أن الهلالي لا تقدم هذا الاكتشاف بطريقة مباشرة بل وضعته داخل إطار شعوري قومته على الندم والحنين والحب المستحيل، ولذلك تحول إنقاذ آمنة في وعيه إلى محاولة تكفير متأخرة عن ذنب قديم، وعند هذا الوصفة يمكنني القول إن الرواية نجحت هنا في تجنب الثنائية الساذجة بين الخير والشر، لأن سلام يمثل التناقض الإنساني الكامل، فهو الجلاد الذي يحاول إنقاذ ضحيته.
أما الحوار المتخيل بين آمنة وأمها هنا فيكشف لنا استمرار الجرح الأول بعد عشرين عامًا، فالرواية تؤكد أن الزمن لا يداوي كل شيء، من حيث ان بعض الأحداث تحولت إلى ندوب دائمة شكلت الهوية كلها مثل موت الأب وبيع البيت، الفضيحة الاجتماعية، الزواج غير المرغوب فيه، كلها جاءت نتائج متسلسلة للحظة الاعتقال الأولى، وكأن بشرى ارادت القول بأن الأنظمة الاستبدادية لا تعاقب الأفراد فقط، بل تعيد تشكيل مسارات عائلات كاملة عبر عقود طويلة. تأخذ بشرى قارئها الى نقطة انعطاف فكرية مهمة جدًا، فهنا تبدأ آمنة الانتقال من مرحلة الشك إلى مرحلة الفعل، فعبارة "الأعلى مفتوح...انظر إلى الأعلى" تتحول من حكمة فلسفية إلى مفتاح سردي قادها نحو اكتشاف إمكانية اختراق شبكة السيطرة ذاتها. وظفت الهلالي الفلسفة كأداة عملية لا تأملًا مجردًا، فالنظر إلى السماء يقودها إلى الأسلاك، والأسلاك تقودها إلى تصور جديد للخلاص لتتحول السماء رمزيًا هنا من فضاء روحي إلى فضاء تقني، وكأن الخلاص في هذا العالم لم يعد معجزة سماوية بل فعلاً بشريًا يتطلب المغامرة والمعرفة.
تزداد أهمية الابن الأصغر الذي لم يعد مجرد طفل ثانوي داخل الأسرة، بل شريكًا فعليًا في مشروع الأم. وتبدو العلاقة بينهما من أجمل العلاقات التي بنتها بشرى في اشتغالها حتى الآن لأنها تقوم على الثقة المتبادلة أكثر مما تقوم على رابطة الأمومة التقليدية. فالولد يرى في أمه بطلة تستحق الطاعة وهي ترى فيه الامتداد الوحيد القادر على فهم مشروعها، وبذكاء تنتقل الكاتبة سرديًا من زاوية الرؤية إلى الابن نفسه، ومن خلال عيني طفل في الثالثة عشرة هيّىءَ لنا كقارئين رؤية المجتمع كله بصورة ساخرة ومؤلمة في آن واحد. فبراءة الطفل تكشف عبثية النظام أكثر مما يفعل أي خطاب سياسي مباشر، سؤاله البسيط "ما فائدة المدرس إذا كانت الصناديق تقوم بالتعليم؟" يتحول إلى جريمة تستحق العقاب. وهنا تبلغ رواية بشرى إحدى ذراها النقدية الفكرية، فالنظام لا يخاف من السلاح بقدر ما يخاف من السؤال. لذلك تصبح الصفعة التي يتلقاها الطفل رمزاً لقمع العقل نفسه. والأهم من ذلك أن اكتشافه عبث أخته برأس الأم اصبح شرارة نرى انها ستدفع الأحداث نحو تطورات أكبر لاحقًا، فنحن هنا امام تفجير مصائر الشخصيات حيث ان سلام يقترب من مواجهة ماضيه، وآمنة تقترب من اكتشاف طريق المقاومة، والابن يتحول إلى عنصر فاعل في الحبكة بينما تبدأ الأسرار القديمة بالظهور تباعاً. فالرواية تتقدم بثبات نحو الذروة عبر مزج ثلاثة مستويات سردية متوازية، المستوى السياسي المتمثل بمنظومة السيطرة، والمستوى النفسي المتمثل بجروح الشخصيات، والمستوى العائلي المتمثل بتفكك الأسرة وصراعاتها اليومية وهذا التداخل بين الخاص والعام هو ما منح (المواطنة 247) قوتها الحقيقية لانها عند هذا الحد بدت اكثر نضجاً.
لم تنشغل الكاتبة بوصف القمع حسب، بل بدأت تلاحق إمكانية التمرد عليه...ولو من خلال أفراد معزولين ومهزومين ظاهريًا، لنواجه سخرية ومرارة ان السلطة لا تعلن نفسها سلطة قمع بل سلطة رحيمة تخشى على مواطنيها من التفكير، فها هو الخطاب السياسي الرسمي يكرر سؤالاً يبدو بسيطًا، لكنني كقارئ حسبته قد شَكّل جوهر الرواية كلها "ماذا يريد المواطن أكثر من أن يعيش بسلام؟" فهذه تحولت إلى شعار استبدادي برّر مصادرة الذاكرة والعقل والإرادة، ليؤكد لنا كيف تتحول مفردات الحماية والرعاية والأمن إلى أدوات للهيمنة الشاملة.
إن استرجاع آمنة لموقف زوجها عند سماع الخطاب، هو نبوءة مبكرة بالغة الأهمية بقوله "سيسرقون آخر ما تبقى لدينا يا آمنة....... الذاكرة"، فمنذ تلك اللحظة تحول الزوج إلى كائن منزوع الحيوية. إن مصيره هنا ليس فرديًا بل هو مصير جيل كامل سحقته السلطة حتى فقد رغبته في الفعل، ولهذا بدا الزوج أشبه بضحية تاريخية أكثر منه شخصية شريرة، رغم ما يسببه ذلك من ضيق لزوجته. ومن خلال اكتشافها للثغرة الكبرى في منظومة السيطرة، تدرك آمنة أن السلطة لا تراقب الجسد بل الرأس فقط، فلا يهمها الإنسان ككائن حي بل على انه حامل لشيفرة، لتزحزحنا بشرى الهلالي مع هذه المحطة إلى فكرة فلسفية عميقة: الدولة الشمولية التي لا ترى البشر أفرادًا بل أرقامًا وبيانات، وهذا ما رسم امام ذهن آمنة مشروع المقاومة الحقيقي.
وفي داخل المؤسسة الأمنية نفسها، تتكشف عبقرية البناء السردي، حيث يبدو أن منظومة القمع لا تثق حتى بعناصرها، العملاء أنفسهم معزولون عن بعضهم لا يعرف أحدهم الآخر ولا توجد علاقات إنسانية بينهم. الجميع مراقَب والجميع متهم محتمل!!
وهكذا يتبين للقارئ أن الخوف لا يقتصر على المواطنين بل يمتد إلى أجهزة السلطة ذاتها. إنها دولة تأكل أبناءها كما تأكل خصومها، ومع هذا الواقع نرى بأن آمنة قد تحولت من امرأة قلقة إلى باحثة عن الحقيقة، فصعودها إلى سطح المنزل وتسلقها السلم للوصول إلى صندوق المفاتيح حمل دلالة رمزية واضحة، إنها رحلة صعود نحو المعرفة المحرمة، فالصندوق، في "الأدب الأسطوري"، يشبه الباب الذي يخفي السر المقدس، وحين تفتحه تكتشف أن عدد المفاتيح أكبر بكثير من عدد أفراد العائلة، وهنا يبدأ الشك يتوسع، فلم تعد البرمجة مجرد تنظيم منزلي للرؤوس، بل شبكة أكبر وأعقد مما كانت تتصور، حتى ان المشهد الذي اعقب نزولها من السطح كشف تحولاً آخر في شخصية الزوج الذي يبدو للمرة الاولى مجردا من سلطته لتكتشف بأنه إنسان منكسر الروح. وفي قوله "لم أكن يومًا بخير"، يظهر فجوة إنسانية حيث تدرك آمنة أن هذا الرجل الذي تمنّت اختفاءه لسنوات هو أيضًا سجين مثلها، لترتقي بنا بشرى الهلالي في بنائها من الصراع الشخصي إلى حيث المأساة الجماعية.
مع وضوح هوية العميل (س) أكثر فأكثر، يعمّق الاكتشاف المأساة- فسلام الذي كان يمثل حلم الشباب صار جزءًا من جهاز القمع، لكنه في الوقت نفسه يحاول حماية المرأة التي أحبها، لنكون من هنا مع تشكّل لأجمل تناقضات رواية الهلالي- فالضحية والحارس يعيشان داخل الشخص نفسه!!
وتظهر الرواية اتّساع الهوة بين جيل آمنة وجيل ابنتها، فالبنت لا تبحث عن الحرية الفكرية ولا عن مقاومة النظام بل عن الحب والزواج والخلاص الفردي. إنها ابنة عالم البرمجة الذي حرمها من الأحلام الكبرى، فلم يبق لها سوى أحلام صغيرة وشخصية. ويكشف الحوار بين الأم والبنت، كيف دمرت الأنظمة الشمولية حتى مفهوم الحلم نفسه، ليتحول مفهوم الخطر داخليا حيت تتعمد الفتاة ابتزاز والدتها بعد اكتشاف فعلتها مع ابن الجيران. فلم تعد السلطة وحدها هي التهديد، بل المجتمع الذي أعادت السلطة تشكيله ليصبح شبكة من العيون المتبادلة. وحين نصل الى ذروة الرواية مع لقاء آمنة بسلام، نفاجأ بأن اللقاء لا يجري في فضاء خاضع للبرمجة، بل في بيت يبدو وكأنه جزيرة خارج سيطرة النظام: رأسك في مكانه آمنة، أنت تقفين في بيتي أنا... أنا سلام"، حيث بشرى الهلالي، عند هذا المحور، بالرواية عتبة جديدة تمامًا. لقد انتهت مرحلة البحث عن الحقيقة وبدأت مرحلة المواجهة معها وهي ترفع منسوب التوتر إلى أقصى درجة- سيارات الأمن تطوق المنطقة، الأهالي يغلقون أبوابهم، والأطفال يهربون، فهنا تحولت الرواية إلى مشهد حصار جماعي. فالخوف لم يعد فكرة بل صار حضورًا ماديًا في الشارع، وتتقارب مصائر الشخصيات الرئيسية بسرعة نحو نقطة انفجار واحدة، فآمنة خرجت لمقابلة سلام، وسلام مهدد بالانكشاف داخل المؤسسة الأمنية، والابنة تملك سرًا خطيرًا، والابن شاهد على ما جرى فوق السطح، والزوج يستعيد شيئًا من وعيه وقدرته على الإحساس، أما السلطة فتتحرك فعليًا، فيبدو وكأن الشخصيات تقف جميعها هنا على حافة الهاوية. وامام هذا الكم من التشكيلات البنائية السردية ماعاد السؤال، كيف يعيش الناس تحت القمع؟ بل أصبح: ماذا سيحدث عندما يكتشف بعضهم أن القمع ليس كاملاً كما ظنوا؟ وهل تستطيع الذاكرة، بعد كل هذا الخراب أن تهزم المنظومة التي صممت لمحوها؟
تؤول اشتغالات السرد هنا إلى تصارع الإرادات الأخيرة لان الاحداث تشي بانفجار نهائي، حيث ان الكاتبة تضعنا امام تحول طرأ على شخصية آمنة، فبعد أن كانت امرأة مسحوقة تبحث عن طريقة للتعايش مع القهر، أصبحت تمتلك مشروعًا واضحًا للنجاة. لم تعد تطلب تحسين شروط حياتها داخل النظام بل صارت تفكر بالخروج منه نهائيًا، ولذلك فالحوار بينها وبين سلام لا يدور في الحقيقة حول الهرب الجغرافي بل حول سؤال أعمق وهو: هل يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته بعد أن تحول إلى رقم داخل منظومة السيطرة؟ فآمنة تمثل الإرادة الفردية الرافضة للاستسلام، بينما يمثل سلام المأساة الأخلاقية للمثقف أو التقني الذي ساهم في بناء آلة القمع ثم اكتشف متأخرًا أنه صار أسيرًا لها. ومن أجمل ما ذهبت اليه بشرى في الرواية هو أنها لا تقدمه كشرير خالص ولا بطلاً !! إنه ضحية وجلاد في الوقت نفسه، حين تصف آمنة ذلك لتجمع بشرى أهم الثنائيات التي بنتها الرواية منذ بدايتها.
يكشف الحوار لنا أيضاً أن الحب القديم لم يمت تمامًا لكنه لم يعد قادرًا على إنقاذ أحد، فسلام ما زال يرى في آمنة الفتاة التي أحبها، وآمنة ما زالت ترتبك أمام حضوره وعطره وذكرياتها معه، غير أن الزمن حوّل الحب إلى جرح تاريخي. لذلك لا تستخدم بشرى العلاقة العاطفية كقصة حب تقليدية، بل رمزًا لوطن ضائع وفرصة تاريخية مهدورة، فسلام لم يخن آمنة وحدها، بل خان أيضًا المثال الذي كان يؤمن به في شبابه. وحين يقترب الخطر من بيت آمنة لأول مرة وبصورة ملموسة، مع دخول رجال الأمن واشتعال الخوف، تنجح الكاتبة في خلق توتر سردي مرتفع جدًا لأن القارئ مثلي عرف ما لا تعرفه آمنة.. فقد كانت تحاور سلام بينما كانت الأجهزة الأمنية تقترب فعليًا من عالمها الخاص، وهذه تقنية سردية فعالة تجعل القارئ يشعر بأحكام المصيدة حول الشخصيات.
وتتسع دائرة المفاجأة لتتجاوز مأساة آمنة الفردية، فسلام نفسه أصبح مهددًا لأن النظام الذي ساعد في بنائه صار يشك فيه، حيث ان الشيفرات المغلقة والسجلات المحجوبة والإحساس بالمراقبة كلها علامات على أن السلطة لا تثق حتى بتابعيها. وهكذا نكون أمام رواية عبقرية من حيث أن نظام البرمجة نفسه بدأ يتصدع، فبينما نظن أن السلطة تسيطر على كل شيء، نفاجأ بخبر اختراق المنظومة بواسطة طائرات أمريكية مسيرة، وهذه ليست مجرد حادثة تقنية بل لحظة رمزية تشير إلى قرب انهيار العالم الذي بُنيت عليه الرواية كلها. ويمثل اعتراف المدير بذلك إحدى نقط التحول الكبرى في النص الذي يعيدنا إلى قلب آمنة وذاكرتها لتكون الهلالي هنا قد انجزت واحدًا من أهم الاسترجاعات في الرواية كلها حيث ان المتابع لسردها عرف أخيرًا بالسبب الحقيقي للجروح النفسية التي حملتها آمنة طوال حياتها، علاقتها بسلام، السجن، العقاب العائلي لتكشف لنا بأن السجن لم يبدأ مع النظام السياسي فقط، بل بدأ قبل ذلك داخل البنية الاجتماعية نفسها وكأن بشرى ارادت القول بأن الاستبداد السياسي يجد جذوره في الاستبداد الاجتماعي والعائلي. وهذا ما يفسر سر العلاقة الباردة بين الزوجين، فالزوج لم يكن مذنبًا، لكنها كانت تعاقبه لأنه لم يملأ الفراغ الذي خلّفه سلام، وهذه من أكثر لحظات الرواية نضجًا من الناحية النفسية. لا تكتفي الكاتبة بإدانة المجتمع أو السلطة، بل بمعالجة سيكولوجية الظلم الذي يمارسه الضحايا أنفسهم على الأبرياء من حولهم.
أما الجملة الاخيرة، حين يقول الزوج: "لم يطبقوا البرمجة الليلة"، فهي ليست تفصيلاً عابرًا، وانما إعلان نحو النهاية الكبرى للرواية - سقوط النظام.
وتدريجيا تتجه الرواية نحو ثلاثة مسارات متوازية: مصير آمنة التي أصبحت مكشوفة تقريبًا أمام السلطة، مصير سلام الذي يبدو أنه انتقل من ابن للنظام الى ضحية محتملة له، و مصير الدولة التي تقف على أبواب الحرب، مما يعني بأن البنية الشمولية التي قامت عليها الرواية، منظومة البرمجة، بدأت تدخل مرحلة الانهيار.
ومع اقتراب نهاية السرد، ظلت بشرى تنتقل من مستوى الحكاية الفردية إلى مستوى الرؤية الفكرية والسياسية الشاملة بعد ان بنت عالمًا قام على مصادرة الرؤوس والذاكرة، لنواجه خاتمة تكشف بأن الرعب الحقيقي لم يكن في التكنولوجيا نفسها، بل في الخوف الذي جعل الناس يقبلون الوهم ويتعايشون معه، فالشخصية التي بدت طوال الرواية جزءًا من آلة السلطة (سلام) تتحول هنا إلى ضحية لها، فلم يعد سلام ذلك العميل الواثق من دوره، بل إنسان محطم يراجع حياته الضائعة وأحلامه المؤجلة وحبه المهدور، حيث استعادت الكاتبة عبر مونولوج طويل مأساة المثقف أو الخبير الذي ساهم في بناء منظومة القمع ثم اكتشف أنه صار أحد أسراها. انها لا تقدم سلام على انه بطلاً يطل ثوري نقي ؛ بل شخصية مأزومة أخلاقيًا، فهو شريك في الجريمة، ومتمرد عليها في الوقت نفسه. ومن خلال اعترافه الضمني بأنه تعمد تأخير إصلاح منظومة البرمجة لإنقاذ آمنة، يتحول الحب من عاطفة شخصية إلى فعل مقاومة وحيد استطاع أن يفعله داخل مؤسسة شمولية ضخمة. وهكذا انتقل الصراع من المستوى السياسي إلى المستوى الاجتماعي والإنساني. ويؤكد الحوار بين آمنة وزوجها بأن الرواية لا تكتفي بإدانة السلطة، بل تفحص أيضاً آثارها العميقة في العلاقات البشرية: فزوج آمنة يمثل المواطن الذي ينتظر الخلاص من الخارج ويرى في سقوط النظام نهاية للمأساة، بينما مثلت آمنة وعيًا أكثر تشاؤمًا وعمقًا وهي تدرك أن الاستبداد لا يسقط بمجرد دخول الجيوش الأجنبية. ولهذا جاءت عبارتها المحورية: حين يعلو صوت الرصاص يخفت صوت الحرية وتختنق الحياة... لتلخص موقف الرواية كله من الحرب والتغيير المفروض من الخارج. فالرواية لا تنحاز إلى النظام ولا إلى الغزو، بل تضع الاثنين في دائرة نقدية واحدة لأن كليهما يصادر إرادة الإنسان. وبقراءة فاحصة تتجلى شخصية آمنة هنا بأوضح صورها، كونها الشخصية الأكثر وعياً في الرواية والأقل خضوعاً للأوهام. لقد أدركت أن الخوف أصبح جزءًا من تكوين الناس، وأن تعطل منظومة البرمجة لم يحررهم فعلاً لأن البرمجة الحقيقية أصبحت داخل النفوس. وينتقل النص من نقد سلطة سياسية محددة إلى نقد آليات الاستبداد عموماً حين يتحول الخوف إلى عادة نفسية تتجاوز وجود النظام نفسه.
وفي مفارقة روائية شديدة الذكاء، يكشف الطفل لأمه أن الجميع صاروا يعرفون أن تعطل البرمجة كان بسبب العبث بصندوق المفاتيح، لكن آمنة ترفض تصديق هذا التفسير أو الاحتفاء به، فالكاتبة هنا تعمدت الإبقاء على مساحة من الغموض: هل كان انهيار النظام نتيجة فعل فردي صغير؟ أم نتيجة تراكم أعطال داخلية أم بفعل الحرب نفسها؟ هذه الضبابية ليست نقصًا في السرد، بل جزء من فلسفة بشرى الهلالي التي تؤكد أن التحولات الكبرى لا تصنعها أسباب بسيطة أو فردية فقط. فهي تظهر التناقض بين رؤية زوج آمنة المتفائلة بالتغيير القادم ورؤية آمنة الحذرة، فالرجل يرى أن زمن الظلم انتهى، بينما ترى هي أن التحرر الحقيقي لا يأتي على ظهور الدبابات. وهنا رسخت الكاتبة بشرى وبفطنة أحد أهم أسئلة الرواية:
هل سقوط الطاغية يعني سقوط الطغيان؟...لكن القيمة الفكرية الكبرى للرواية تجسد في "الرسالة الأخيرة"، فهي ليست مجرد رسالة وداع من سلام إلى آمنة، بل مفتاح تأويلي يعيد قراءة الرواية كلها من جديد. فمن خلالها يعلن سلام الحقيقة الصادمة: الرؤوس لم تكن تُنتزع فعليًا بل كانت نسخاً بلاستيكية مزودة بوسائل مراقبة! أما السلاح الحقيقي فكان الخوف، وبهذا الاعتراف ينتقل النص من الخيال إلى المجاز السياسي والفلسفي، فالرؤوس المصادرة لم تكن سوى رمز لمصادرة الوعي، والبرمجة لم تكن سوى رمزا لصناعة الطاعة الجماعية. على إن أخطر جملة في الرسالة هي قوله "الخوف هو من يصنع الطغاة". بهذه العبارة اختصرت الهلالي مشروع الرواية بأكمله، فالطاغية لا يحكم بقوته وحدها، بل بالخوف الذي يزرعه في نفوس الناس حتى يصبحوا حراسًا لسجونهم الخاصة، لذلك تتحول البرمجة من نظام تقني إلى استعارة كبرى عن الاستبداد بكل أشكاله.
من جانب آخر، فأن الرواية لا تتوقف عند كشف الخديعة القديمة، بل فاجأتنا بخديعة جديدة في المشهد الختامي. فبعد عام من التغيير، وبعد سقوط النظام وانهيار منظومة البرمجة، تعيش آمنة في واقع جديد مليء بالفوضى والأخبار والقتل والاضطراب، وحين تظن أن كل شيء انتهى، تكتشف فجأة أن رأسها لم يعد في مكانه لتطرح سؤالها الأخير المرعب: من الذي أعاد تشغيل النظام؟
هذه النهاية، من أجمل عناصر الرواية وأكثرها عمقًا، فهي لا تُقرأ حرفيًا بل رمزيًا، فالرؤوس التي سقطت ثانية تشير إلى أن الاستبداد قادر على العودة بأشكال جديدة، وأن سقوط سلطة لا يعني انتهاء آليات السيطرة، لقد تبدلت الوجوه لكن خطر مصادرة الوعي ما زال قائماً. ولهذا فإن عبارة "رياح التغيير أطاحت برؤوسهم من جديد" تحولت إلى خلاصة مأساوية للرواية كلها، فالتغيير الذي حلم به الناس لم يمنحهم بالضرورة الحرية التي انتظروها.
إن قراءة نهاية الرواية يكمن بمدى ارتباطها بمرض آمنة الذي أخذ يتفاقم. فالكاتبة تركت الباب مفتوحًا بين التأويل الواقعي والتأويل الرمزي: هل فقدت رأسها فعلاً، أم أن المرض والموت كانا يقتربان منها، أم أن المشهد كله استعارة عن ضياع الإنسان وسط الفوضى الجديدة؟
هذه النهاية المفتوحة منحت النص قوة فنية كبيرة لأنها رفضت تقديم إجابة نهائية.
إن خاتمة (المواطنة 247 ) لا تنتهي بسقوط نظام سياسي بل تنتهي بسؤال فلسفي مقلق: من يملك الرؤوس حقاً : السلطة القديمة أم الجديدة، التكنولوجيا أم الخوف، أم الإنسان نفسه حين يتنازل عن حريته؟
لقد غادرت الرواية عالمها المحلي المحدد لتصبح تأملاً إنسانيًا عامًا في الذاكرة والخوف والسلطة ومعنى الحرية. فالمأساة النهائية ليست في أن الناس فقدوا رؤوسهم، بل أنهم ظلوا طوال الوقت غير متأكدين إن كانت رؤوسهم ملكاً لهم أم لا. وهذا بالضبط هو الذي جعل نهاية الرواية خاتمة "ديستوبية" مفتوحة تنتهي عند آخر سطر لكنها تواصل طرح أسئلتها.
ومع ان الرواية لا تؤكد موت آمنة صراحة، لكنها تضعها عند عتبة الموت تقريبًا، وقد تعمدت بشرى الهلالي أن تترك القارئ مترددًا بين أن تكون قد ماتت فعلاً وبين أن يكون المشهد الأخير رمزاً لعودة الاستلاب وفقدان الحرية، إن الكاتبة أرادت الإبقاء على آمنة في منطقة بين الحياة والموت لأن موتها البيولوجي ليس القضية الاساسية ابدًا، فالقضية هي أن المرأة التي قاومت الخوف طوال الرواية اكتشفت في النهاية أن الخوف والهيمنة قادران على العودة بأقنعة جديدة، لذا فإن "فقدان الرأس" هنا اراه أهم دلاليًا من معرفة ما إذا كان القلب قد توقف عن النبض أم لا.