ــ أنا أليوشا وأنت تعرفني جيداً، وطالما تحاورنا فيما جرى ويجري آنذاك. وكنت برفقتك في العاصمة عمَّان لزيارة المكتبة المعمدانية، أتذكـــر هذا...؟
ــ أذكره جيداً، فقد عرفتك منذ خمسين سنة يا سليل عائلة كارامازوف، أي صدفة جميلة تلك التي أتاحت لي فرصة مشاهدتك من بين رفوف الكتب، تقلبها باحثاً عن كتاب.
ــ تماماً. ومن يومها لم أنسك قط.
ــ ولا أنا .. كنت أتحين الفرص لملاقاتك، فأنت تشبهني في أشياء كثيرة.
ــ كنت مولعاً بكم، خاصة راسكولنيكوف ومحنته مع دوائر المفتش العام. وكم تمنيت أن أعثر عليه لأخبّئه في أي مكان عنهم.
ــ أنت متصالح مع نفسك كما أرى، بدليل متابعتك لما سطره قلم فيدور.
ــ تشغلني الاستثناءات في الوجود، وليس ما أراه من قشور تغلف واقعنا. تزاحم مرٌّ على الغنائم لا يتوقف، لذا فقد انتبهت مبكراً لقول راسك.. أنا لم أقتل عجوزاً شمطاء مرابية، بل قتلت نظاماً....أتجد أفضل من هذا القول يوجَّه إلى السلطة الجائرة. أنا أجده وصفاً وصورة لواقعنا.
ــ لا أرى مثلما ترى، لك زمنك ولي زمني، لكن تجمعنا خيوط تخص التسلط والجور، لقد جاهد فيدور في صناعتنا بإرادة ذكية وجريئة، ما جعلنا أكثر فعالية في رواياته وفعالياتنا تتركز في أن ما فعلناه وفكرنا به يمتد إلى أزمنة قادمة. إنه ذو نبوءة في ما كتب وسطَّر من أعمال.
ــ هذا صحيح جدًّا. فيدور خالق لرموز الحقائق التي أحاطتكم وتحيطنا الآن.
ــ التاريخ يعيد نفسه، خاصة في ما هو سيئ من سلوك. نحن وأنتم نعاني من سوء النوايا وتكالب الإنسان على ما لا ينفع الآخر.
ــ هذا ما فكرت به، فقد تركنا نقلب الحقائق وندير الحياة بمرونة فكرية خالصة .
ــ أنت ما الذي فعله معك غير إضفاء صفة التبصر في خط العائلة .. مما دفعك إلى الاختيار الحر، وهو طريق الانتماء إلى الدير والتمسك بحياة الرهبنة بعيداً عن هرطقة الواقع. هل تعتقد أن دخولك الدير هرب من واقعٍ مرٍّ؟
ــ كلا.. إنه اختيار ليس إلا.
ــ اختيار لطريق مغاير لما يشكل طابع العائلة. أليس كذلك؟
ــ هذا صحيح، وها أني أُصحح خطيئتي من وجودي على وفق نظام عائلي مرتبك. لذا أقوم بتعميق العلاقة سوزيما الأب الأكثر نصاعة مما أحاطوا بنا.
كما أرى هذا بجلاء، وها إني في حضرة الأب، أنظر باتجاهه وهو يرقد بهدوء ووقار على سريره المتواضع، حيث بدا منكبًّا على مجلسه منذ أن أعلن وتنبأ بدنو زمن مغادرة الدنيا نحو ملكوت السلام الأخير، فالذي حفلت فيه حياته داخل الأديرة بأن زرعت في ذاكرته تراتيل الإيمان التي وسمت شخصيته وأكسبته قيماً عليا حمته من الزلل وارتكاب الخطيئة، كما ابتلى بها الكثيرون الذين يُحيطون بالمدينة، وقسم من قاطني الأديرة، خاصة فيما تجسد في التسلط وظلم الآخر وارتكاب الموبقات باسم الرب. إنهم يرددون خطابات زائفة ، ويعملون على تشويه الحقائق ،لذا كانت مثل هذه الصفات قد كثفت حزنك المكبوت يا أخي أليوشا، حزنك على فراق حامي الإيمان والصابر على زلل الأزمنة ، مما زاد من كثافة حزنك وأساك أمام حدث مرتقب كهذا، فالذي يربطك بالأب سوزيما أكبر من ارتباطه بالأب كارامازوف، كذلك أخوك ديمتري وإيفان، فأنت تميل إلى إيفان بالرغم من إلحاده وعدم إيمانه القاطع بوجود الرب، لأنك توازن بين فعل الإيمان وفعل الوجود الإنساني، فللدين موضعه، وللفكر غيره، حتى لو كان مغايراً لما تعتقد، كذلك نما هذا الانطباع من الانفتاح على الأخ الأكبر بفعل آراء الأب سوزيما الذي أكد لك باستمرار أقواله الأثيرة (لا تكره يا بني الأخ إيفان وسواه من الملحدين والعلمانيين، بل ابد احترامك لآرائهم وتواصلْ معهم، لأن هذا يعمق إيمانك، ويزيد من صلابة العلاقة مع الإنسانية. بنى الحياة معناها التقارب والمحبة ونبذ الكراهية، لكن الأب انتبه إلى ملامح الحزن التي انطبعت بوضوح على صفحة وجهك. قال:
ــ ما لي أراك هكذا؟
أجبت:
ــ لا شيء يا أبتي..!
ــ لا تحاول إخفاء ما تحس به عني أنا الأقرب لوجودك؟
ــ لا شيء يحزنني سوى فراقك يا أبتي.
ــ هذا مصير الجميع، ونحن نلاقي مصيرنا كما هم خلق الله، فجلالته لا ُيفرّق
بين خلقه.
ــ وأنا من لي بعدك يا أبتي؟
ــ لك الأب والأُخوة!
ــ وهل تعتقد بهذا؟
ابتسم الأب بمرارة ثم مال بنظره نحو جهة أُخرى وهو يرقد على فراش ناصع البياض كالوفر، لا يحرك سوى يديه ورأسه، والأهم الواضح أنه يستطيع إدارة عينيه باتجاهات متعددة. قال مستدركا من دون أن ينظر إليك:
ــ لك الله يا بني.
لاحظت البحة التي شابت صوته، قلت على عجالة ومرارة:
ــ لا تبك يا أبَه، سأتدبر الأمر بنفسي.
ــ لك الأُخوة، فمل إليهما؟
ــ سوف أُحاول باستمرار، بالرغم من أنهما مشغولان بما يعتقدان ويحتاجان.
ــ هذا جيد.
ــ لكنهما مختلفان حد الاختصام.
ــ على ماذا اختلفا؟
ــ اختلفتم على شيء متكَهن وليس واقعياً.
ــ ما هو؟
ــ مقتل الأب.
ــ وأنت ماذا تعتقد؟
ــ أنا لا أتهم أحداً بقدر ما أدرك أن مصير أبي صنعه بنفسه. لقد قتل نفسه
بأفعاله المشينة.
إنه ميت منذ زمن بعيد.
ــ هل ترى هذا بجد؟
ــ نعم.. كان طمعه وفسقه طريقه للموت. وسلوكه من سارا به نحو التهلكة.
ــ هل دفعتك مثل هذه الأخطاء إلى الدير؟
ــ ربما أيقظت حسي باتجاه حياة أُخرى غير حياة العائلة.
ــ هذا مصيرك.. أنت ابن بار.
ــ ليس إلى الدير أبتي أولاً، وإنما العمل على اختيار طريق غير طريقهم.
ــ وهل تعتقد أنك اخترت الصحيح؟
ــ أرى مثل هذا، والدليل أني انفتحت على حياتك ومناخ الدير الذي وفّر لي سبل
الخلاص من ارتكاب الخطيئة. كم تؤرقني الخطيئة.
ــ ومن يا ترى يتحملها؟
ــ الكثير من الأفراد والجماعات. هل تعتقد أبتي أن كل ما يدور حولنا صحيح؟
ــ المقياس لضبط الصحيح من الخطأ متماهٍ مع الخطيئة، لأنها مربحة في الدنيا.
ــ هذا ما يدفعني للقطيعة مع الحياة، والذهاب إلى طريق الله.
ــ لا تثقل نفسك بهموم كبيرة كهذه، خذ ما يؤهلك لحمل أحزانك.
ــ أُحاول، لكن ما جرى هو أكبر، خاصة حياة أخي سميرداكوف المسكين
ــ لا شك أنه عاش حياة ثقيلة كما ذكرت.
ــ ومن أثقلها عليه هو أبي بتأنيبه المستمر وتذكيره بأنه ابن الخطيئة. ولم
ينتبه إلى نفسه وما ارتكبه من خطيئة متعمداً ومدفوعاً بغريزته المريضة.
ــ كيف؟!
ــ كان يعنفه ويذكّره بأنه ابن زنى، وكأنه لم يكن السبب في خلق شخصيته المعقدة.
ــ الله يشمله برحمته.
ــ إن حياته أصبحت عذاباً أزليًّا له.. عذاباً كبيراً يحتاج إلى عزاء، بينما أُخوتي
لم يبالوا بعذابه. الكل كانوا يعذبونه بفاحش الكلام باستمرار خاصة
أبي كارامازوف.
ــ لا حقَّ لهم تعذيبه مطلقاً. إنه فعل يُغضب الرب.
ــ كانوا يعنفوه، ويذكرونه بصدفة وجوده غير الشرعي، على الرغم من أنه الأخ لنا
من الأب، فكيف تسمح ضمائرهم على تعنيفه وإهانته؟
ــ الذي أثاره، وحسب روايتك هو الأب.
ــ تماماً يا أبتي.
ــ اسمح لي بالقول وأنا على فراش الموت، إن كارامازوف الأب هو الخطيئة التي
لا يمكن أن تُغتفر. إن حسابه عند الرب يوم تقوم الساعة.
انزويت لحظتها في زاوية من الغرفة، بعيداً قليلاً عن سرير الأب وبدأت بالنحيب الذي أثّر به فراح يشاركني النحيب مردداً:
ــ كلنا خطاؤون، ولكن المؤمن من يعترف بخطئه في حضرة الرب، فهو
الذي يغفر له خطأه.
واصلت نحيبك كامرأة ثكلى، كان نحيبا مشوبا ببحة ناعمة الأثر كصوت فتاة صغيرة، قال الأب الذي أحبك بصورة لا يحوز عليها سوى المتصوف الذي يتعلق بالأشياء كتعلقه بالرب:
ــ لا تنتحب يا بني فقد فطَّرت قلبي، اعمل على إزالة الخطيئة من هذا العالم
الذي شاع فيه الخطأ واضمحل الصحيح، تسيّد الفارغ وانزوى المليءُ بحب الله.
ــ هذه مشيئة الوجود.
ــ بل مشيئة الإنسان المتجبر الذي لا رحمة عنده سوى عذاب الغير ونهب حقوقه.
ستشهد البشرية جملة ارتكابات للخطايا ومنها الحروب بشتى صورها. الإنسان جُبل
على ظلم الآخر وسلب حقوقه.
ــ الرب لن يرحمهم ولا يغفر لهم أخطاءهم. فليشبعوا من الحيازة
والاحتواء ما شاءوا.
ــ أبتي أني أتذكر عذاب سميرداكوف، تماماً كما كان عذابك وأنت تشاهد
مصرع أول إنسان شنقاً في حضرة القيصر.
ــ لا تذكرني بذلك يا بني، فهو عذاب لي. بالله عليك لا تذكرني؟
ــ أعد لي صورة ما شاهدت؟ هذه رغبتي.
ــ وأنا لا ألغي لك رغبة، فأنت ولدي البار.
ــ أنا ممتن منك.
ــ سأكرر روايتها بالرغم من أن فيها عذاباً لي ولك!
ــ لا بأس، لنتعذب أكثر، كي يغفر لنا الرب خطيئتنا ويزيد من نقاء سريرتنا؟
ــ العذاب والحزن أفضل من الفرح المزيف.
ــ حقاً أبتي.. نحن نعيش كذبة كبيرة ومفجعة.
ــ لنعد إلى ما طلبت في وصف مشهد مفجع كما ذكرت. كنت أنظر إلى الرجل الذي أحكم حبل الشنق على رقبة ذاك الإنسان الذي بدا لي لحظتها لا حول له ولا قوة، بدا كالأبله، وحين لقنته وجدته يرتجف ويهتز جسده كغصن شجرة وسط ريح عاصفة، كان يبدو عليه الندم، ولكن من يلاحظ ذلك؟ هل القيصر الذي يرى في موته أمامه مشهداً للفرجة وتطبيقاً لقانون أرضي، وصورة لعدالة حكمه؟ لقد تلاشت الرحمة من قلوب هؤلاء. تجدهم قبل ذلك ذوي قلوب مرهفة، لكنهم ما أن يتسلطوا وتحين لهم الفرصة في التحكم بمصير الآخرين حتى تجدهم يترفعون عن ماضيهم، بل يتناسون وجوده تماماً. وحين تحاول تذكيرهم ينتقمون منك بأبشع السلوك. إننا نعيش في غابة لا قانون إنساني يحكمها. لاحظته فوجدت غياب الكثير من التصورات عما يجري. غاب عن باله أن الحكم للقيصر الآن وليس لله، وحده يغيب عن وجوده كجسد ويتوارى وراء شعور مبهم، يكشفه الصمت أو الذهول. كأنه لا يصدق ما يجري له. هكذا رأيته وأنا ألقِّنه الاعتراف بالخطيئة، ورجاء الرب أن يغفر له ما ارتكب. أحسست أنه يود أن يقول؛ إني لم أرتكب ما يغضب الله، هم حكموا عليّ هكذا. أرجوك يا أبي أن تقنعهم بالعدول عن قتلي بهذه الطريقة المؤلمة...أرجوك، لكني لم أستطع عمل شيء من هذا، وما أن انتهيت من تلقينه، حتى تلقفه القائمون على الشنق. حملوه جسداً مرتخياً، رفعوه على منصة الإعدام ووضعوا رأسه في الكيس، ثم ثبتوا حبل الشنق المتين والخشن حول رقبته. رأيته يا بني يسقط وطال عندي موته. كان ينازع ويقاوم الاختناق، والجميع يتفرجون ببلاهة فرضتها عليهم سلطة الحاكم الجائر. كيف لنا أن نتشفى من ابن جنسنا أمام دعي جبار ومفتر ينتحل الدين وسيلة تفيد العلة النفسية التي ابتلى بها القيصر. ألم أقل لك إننا أمام خطيئة كبيرة ؟!لم تدم مقاومته كثيراً، بل سكن جسده وطالت رقبته وتدلى لسانه بعد سقوط الكيس اثر رفسه المتتالي. كادت أنفاسه تنقطع وتضيق قبل أن يسكن تماماً كالشاة المعلقة على مسمار التشريح، انصرف الجمهور بعد أن داوى عللهم بموت المسكين، ولم يبق سوى الحرس والقيصر الذي لم يغادر المكان، بل اقترب مني متسائلا...لِمَ سجدت يا أبانا لهذا المجرم؟ فكرت في قوله، لكني لم أخضع لسطوته بقدر ما تمسكت برضا الرب. أجبته بكل جرأة.. إني لم أسجد له، بل سجدت لعذاباته...كان يُفترض أن يُعاقب بوسيلة أُخرى، لكن سيدي لم تشرّع سوى لحكم جديد جائر عند الرب..... وغادرنا المكان، بينما بقي الإنسان معلقاً يزوره من امتلك الفضول للفرجة.
ــ كانت شجاعة منك يا أبي.
ــ ليست شجاعة، وإن كانت كذلك برأيك، فقد استمددتها من قوة إيماني بالله الذي علمني قول الحق وفضح الخطيئة التي ترتكب أمامنا يوميًّا باسم الدين. هل ترى يا بني كما أرى أنك تتعذب لسميرداكوف وهو واحد.
ــ صحيح أنه واحد، ولكنه إنسان مهما كانت وسيلة وجوده في هذا العالم المبني على
الخطيئة. كان عذابه يُفجعني ويحزنني، لأنه كان يدرك مبلغ الإهانات والزجر الذي
كان يكيلهما له أبي الظالم.
ــ لا تقل هذا بخصوص الأب، هذا يغضب الرب. اتركه وحساب الله يوم لا
ينفع سوى العمل الصالح.
ــ أبي لقد سبب بتصرفاته ونزواته بخلق المشاكل، وزرع الفرقة بين أولاده.
ــ هذا سلوكه، والرب خيّره بين فعل الخير والشر.
ــ لكنه اختار الثاني؟!
ــ هذا ما وضعه أمام الإغراء.
ــ تقصد قضم التفاحة؟
ابتسم الأب لقولك الذكي معلقاً وماسكاً يدك بقوة وحرارة:
ــ لقد نضجت مبكراً يا أليوشا، أنا أخاف عليك.
ــ لا تخف، فقد عزمت على فهم الأشياء بإعادة قراءة التاريخ.
ـ وهل تجد في نفسك قدرة على مثل هذه القراءة؟
ــ بالمثابرة سوف أدرك الحقيقة التي تلحق بي العذاب في حياتي!!
ــ أنت تشبهني إلى حد كبير.
ــ أنت رمزي جرَّاء ما اقتسمت معك من عذاب في الحياة.
ــ لا تتصور أن الأشياء تأتي بسهولة، ففي كل مدرَك خسارة لا تؤثر كثيراً
بقدر ما تترك أثراً على وجود الشخص.
ــ وأنت وكما أعرف عانيت كثيرا!
ــ هذه هي الحياة، فمن أراد الوصول إلى الحقيقة، عليه أن يتحمل تبعات بحثه
ولا يضجر. فهو اختيار ذاتي، وأنا اخترت الطريق الشائك برغبتي. أتمنى أن
تكون رغبتك كذلك.
ــ لقد اخترت وكفى.
ابتسم الأب، ففهمت أنك حظيت على رضاه في كل ما قلت وتصورت.
ك2 / 2023