آذار/مارس 16
   

على مدى عقود من عمر التجربة المسرحية العراقية نستطيع أن نرصد اتجاهين في التأليف المسرحي وعلاقته بالخشبة، فالاتجاه الأول يعتمد على كتابة النصوص من أجل تقديمها على خشبة المسرح مباشرة سواءً من قبل مؤلفها نفسه أو من قبل مخرجين آخرين وهو الاتجاه الأكبر من الناحية العددية، ثم يجري إهمال النص فيما بعد. ونادراً ما تتم أرشفته وتوثيقه عبر نشره في كتاب، الأمر الذي جعلنا نفقد آلاف النصوص المسرحية التي يجري الحديث عن تقديمها في سنوات وعقود ماضية من دون أن يتم تدوينها. والاتجاه الثاني هو تلك النصوص التي تؤلف وتُنشر في جريدة أو مجلة أو كتاب بأمل تقديمها على الخشبة في المستقبل وهو الاتجاه الأقل من الناحية العددية إلا أنه الأوثق من الاتجاه الأول لأنه بالإمكان العودة لمثل هذه النصوص في مواضع نشرها والاطلاع عليها أو دراستها أو حتى التصدّي لإخراجها. وبالعودة للاتجاه الأول نجد ثمَّة استثناءات قليلة قام كُتّاب تلك النصوص بنشر نصوصهم في كتب مستقلة أو مجلات أو صحف وبالتالي صار بالإمكان العودة لمثل هذه النصوص بمناسبة محددة أو من دونها لأنها اكتسبت ديمومة وجودها من فعل التدوين والنشر. ولعلَّ تجربة الكاتب والمخرج العراقي من محافظة بابل زهير المطيري واحدة من تلك التجارب الاستثنائية في الإتجاه الأول الذي حرص فيه على توثيق وطباعة نصوصه المُختلفة والمُقدَّمة على خشبة المسرح فقد نشر الجزء الأول من مسرحياته تحت عنوان (من مسرحياتي ) عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل – العراق عام 2020 وضمَّ عشرة نصوص مسرحية متنوعة اعتمد فيها على اللغة العربية الفصيحة مُمهداً للجزء الثاني من مسرحياته التي نحن بصدد الكتابة عنها حيث تقع في سبعة نصوص مسرحية مكتوبة باللهجة العامية العراقية الدراجة، الأمر الذي يُعطينا صورة واضحة – عبر الجزأين – عن هذا الكاتب الذي تتمتع نصوصه المسرحية بالعديد من الشواغل سواءً على مستوى الموضوعات التي يعالجها في مسرحه أو الشكل البنائي للنصوص، أو حتى القيم الدراماتيكية التي تشكّل منطلقاته الشخصية في منجزه التأليفي ما يُعطي فرصة للدارسين والباحثين لتأطير هذه التجربة نقدياً وأكاديمياً ووضعها في مسارها الصحيح من مسارات التأليف المسرحي في العراق .

في هذا الجزء الثاني من مسرحيات المطيري نجد هيمنة (المسرحية الاجتماعية) بوصفها خطاباً مسرحياً قريباً من الجمهور لأنها تعالج مشكلاتهم اليومية، وهمومهم، وتطلعاتهم، وأحلامهم، وهي بالتالي تتناول ما هو يومي بعيداً عن الهموم الوجودية أو الفلسفية التي تهتم بمشكلات فردية أكثر من كونها جمعية ، لذلك نجد في نصوص المطيري وتوجهاتها الثيمية غوراً في الواقع اليومي وتناقضاته وما يترتب على ذلك التناقض من صراعات تبدو في ظاهرها فردية بين شخصيات محددة لكنها في عمقها تعد تعبيراً عن صراعات طبقية قائمة على الجدل بين طبقات المجتمع العراقي التي خلّفت الحروب والحصارات الإقتصادية والعنف والطائفية والإرهاب والفساد المالي والإداري فيها انهيارات قيميَّة حادة تصلح في واقع الحال لتكون مادة درامية لأي نص مسرحي يذهب باتجاه تصوير تلك الانهيارات والبحث في مرجعياتها السوسيو – ثقافية .

يتجلّى المنحى الواقعي والاجتماعي في نصوص المطيري هذه بدءا من بنية العنوان حيث يؤسس لعناوين مسرحياته عبر إنتقاءات لغوية تتساوق مع طبيعة الموضوعات التي تتناولها تلك النصوص وشخصياتها ليؤكد (شعبيتها)، لذلك نجد عناوين نصوصه بحسب التسلسل: (منو يسمع؟ ، صدك چذب ، خربانة ، أبو الشرف ، أحلام غريب ، ألواح خالدة ، إنتبه .. وشكرا) ، تعزز من فكرة الواقعية الاجتماعية فيها على الرغم من بعض الإنزياحات الواضحة – في بعض النصوص – عن هذا المنحى كما سيتضح فيما بعد. ونستطيع أن نُميّز بين مستويين من مستويات الدلالة في بنية العنوان : الأولى ، دلالة مباشرة عبر توظيف المفردات العاميّة في بنية العنوان كما هو الحال في المسرحيات الأربع الأولى، والثانية : دلالة غير مباشرة عبر الاتكاء على اللغة الفصيحة في بنية العنوان لأن طبيعة موضوعات تلك النصوص انزاحت عن منهج الواقعية الاجتماعية المباشرة كما هو الحال في عناوين النصوص الثلاثة الأخيرة ، ما يعني أن المطيري لا يلتزم التزاما صارماً بواقعية نصوصه وتوجهاتها الاجتماعية بل يخرج أحياناً من ذلك التوجه ليُصيب أهدافاً أخرى تفرضها عليه المناسبة التي كُتب النص لها وعلى أساسها.

ويتنقَّل المطيري عبر ثيمات نصوصه في حقل كبير وواسع من المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي خاصة بعد الاحتلال الأمريكي 2003 – لا يُشير المطيري بشكل مباشر إلى زمن كتابة هذه المسرحيات – فالمسرحية الأولى (منو يسمع؟) تتناول التمايز الطبقي الحاصل بسبب الثروة المفاجئة عند طبقة اجتماعية محددة يمثلها ( الحجي شوكت - أبو سرى ) صاحب مصنع النسيج ومعه شخصية ( زبالة – أبو فرح ) اللص الذي أصبح مع تلك الثروة من الأغنياء بسبب إدارته لمكتب أحد المسؤولين الكبار من جهة ، و(مطرود - أبو أسعد) الذي يعمل عند الحجي ومعه (وسام) أحد العاملين معه من جهة أخرى ، وبين هاتين الطبقتين نجد ( جليل ) الذي فقد عقله في حادث تفجير إرهابي و (سلوى - أم غادة) التي تزوجت من الحجي بالسر وأنجبت منه طفلة قبل أن يتنكر لها الحجي ويهجرها . وتقوم حبكة المسرحية على حاجة أم غادة للمال من أجل إجراء عملية لابنتها، في ذات الوقت الذي يحتاج فيه أشقّاء الحجي للمال أيضاً لعلاج أمهم، لكن الحجي يتنكر للإثنتين ، أمه التي تموت في نهاية المسرحية وابنته غادة التي تموت هي أيضاً في النهاية ، وتُظهر المسرحية عاقبة البخل بوصفه عاهة اجتماعية، فضلاً عن الفساد المستشري في مؤسسات الدولة خاصة في عقود المشاريع وتواطؤ الجميع لنهب ثروات البلد عبر المشاريع الوهمية التي لا تُقدّم خدمات حقيقية للناس .

في المسرحية الثانية (صدك .. چذب) ينتقل بنا المطيري إلى مؤسسة أخرى من مؤسسات الدولة التي يستشري فيها الفساد أيضاً لكنه في المقابل يؤكد وجود مصدّات لذلك الفساد عبر شخصية (الطبيب) الذي يرفض تقديم تقرير طبي مزيف عن السلامة العقلية لأحد المرضى المدعو بــــ (الحجي) أيضاً المُتهم بجرائم فساد مالي من أجل عدم مقاضاته في المحكمة وبتواطؤ من إحدى الممرضات في المستشفى ، وبسبب رفضه يتم الاعتداء عليه داخل المؤسسة الصحية من قبل (سربوت) مدير أعمال ذلك الحجي وبلطجيته ، لكن نزلاء المصحَّة من المجانين ينتصرون لطبيبهم وينقذوه . المسرحية تكشف بشكل واضح أن الفساد لا يأتي من خارج مؤسسات الدولة فقط وإنما من داخلها أيضاً عبر رشوة بعض منتسبي تلك المؤسسات لتزييف الحقائق من أجل إنقاذ الفاسدين من قبضة القضاء وعدالة القانون، فضلاً عن تأكيدها على العمل المهني النزيه عبر شخصية الطبيب على الرغم من تعرضها للضغوطات والتهديدات المباشرة من قبل مافيات الفساد وأزلامها.

في مسرحية ( خربانة ) التي تحتل المركز الثالث في تسلسل المجموعة ينتقل بنا المطيري إلى الشارع بوصفه الفضاء الأوسع للأمراض والعلل الاجتماعية خاصة قضايا النصب والاحتيال، فالتسول ليس مجرد حالة اجتماعية تدل على فقر بعض الطبقات الاجتماعية إنما تحوّل الى مهنة عمادها الغش الذي يتأطر عبر سيناريوهات محكمة يُجيد أولئك المتسولون نصب فخاخها لبسطاء الناس من الطيبين حيث يقع (عدنان - أبو سلام) ضحية لعائلة متسولين (طفلة، امرأة، رجل) في الشارع يجردونه من كل أمواله تدريجياً ، ويصل به الحال الى تجريده حتى من ملابسه في نهاية المسرحية . إنَّ المطيري يؤكد في حبكة مسرحيته هذه على أن التسوّل آفة اجتماعية تجرّد الناس من إنسانيتهم ليتحولوا إلى عالة على المجتمع في ذات الوقت الذي يُظهر فيه معاناة الناس البسطاء والأميين من ذوي الطيبة المفرطة في العيش مع هكذا كائنات تحولت الى ما يُشبه المافيات الاجتماعية التي تجرَّدت من إنسانيتها لتمتص دماء الأبرياء بأساليب شيطانية لا يمكن تخيلها .

أما في مسرحية ( أبو الشرف ) فيخلق المطيري حبكته عبر التوازي لقصتين رئيستين ترتبطان فيما بعد – في نهاية المسرحية - لتأسيس الحبكة العامة للنص ، ويكون بطل القصة الأولى ( الشاب ) الخرّيج في كلية الهندسة الذي لا يجد تعييناً في مؤسسات الدولة فيضطر الى العمل في مسطر عمال البناء ليكون الشارع فضاءً لتلك المشاهد التي يغلب عليها الحوار الذاتي للشاب باستثناء مشهد استذكار صديقه (خالد) أحد شهداء ثورة تشرين 2019 عبر مشهد استرجاع فني (Flashback) الذي كان مُحبّاً لأشعار الشاعر العراقي أحمد مطر التي يهجو فيها الحكومات والسلطات المتعاقبة على حكم البلد ، بينما تكون بطلة القصة الثانية (سمر - السكرتيرة) التي تعمل في مكتب المسؤول الحكومي المُشرف على المشاريع (أبو الشرف) الذي يراود سكرتيرته عن نفسها في ذات الوقت الذي يوسوس له شيطانه عن كيفية الحصول على الأموال بطرق شيطانية وهي استعارة ميثيولوجية واضحة يكسر فيها المطيري النسق الواقعي لنصه ليذهب باتجاه الماورائيات التي تعمّق بناء شخصيته الرئيسة ( أبو الشرف ) خالقاً نوعاً من المفارقة بين دلالة الإسم ومُخالفة الفعل لتلك الدلالة ، وتكون النهاية على يد رجال النزاهة الذين يكشفون حجم الفساد في مؤسسة المشاريع هذه بمساعدة السكرتيرة والشاب الذي يجعل مصير ( أبو الشرف ) في حاوية النفايات . 

يعتمد المطيري في مسرحيته الخامسة ( أحلام غريب ) الأسلوب ذاته في كسر النسق الواقعي في حبكته عبر إدخال عناصر غير واقعية عن طريق ابتكار شخصيات لها دلالة رمزية في السياق العام للقصة فشخصية ( الغريب ) ليست شخصية محددة بأبعادها الثلاثة المعروفة (الطبيعي ، النفسي ، الإجتماعي) ، إنما هي شخصية ذات أبعاد رمزية فيها من الدلالة ما يؤهلها لقابلية التأويل بعيداً عن المعطيات الواقعية ، وما يُعضّد هذا المنحى في حبكة المسرحية شخصية ( السيد الأكبر ) الذي يُمثّل السلطة بوصفها أداة هيمنة عبر أدواتها التنفيذية التي يُمثّلها في هذه المسرحية شخصية ( الغريب ) في سعيها الرمزي لمحو تاريخ العراق عبر جهاز خاص لمحو الذاكرة يقوم بمسح كل ما هو مُدوّن عن هذا البلد في الكتب والمراجع التاريخية وتدوين معلومات مزيفة بديلاً عن تلك الحقائق ، فيكون فضاء النص عبارة عن مكتبة (دار العلم) التي تضم أمهات المصادر عن تاريخ العراق مع التركيز على بعض مناحي الحياة العراقية الإيجابية مثل نجاح العراق في تنظيم بطولة خليجي 25 ، وكرم العراقيين في التعامل مع الزائرين في عاشوراء ، وإطلاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لمبادرة: إدرس في العراق، وغيرها من المظاهر التي تؤكد حالة التحدي لدى الشعب العراقي على الرغم من كل المحاولات التي تجري لإعاقة تقدمه وتطوره – بحسب ما يرى المطيري – في نصه الذي يضع الصراع بين العالم المتقدم والعراق في صورة صراع علمي وحضاري يكون فيه المنتصر في جولات هو الآخر الغربي بينما يكون العراقيون هم المنتصرون في جولات أخرى عبر فعل التحدي .

يغادر المطيري في مسرحيته (ألواح خالدة) النسق الواقعي في التأليف الى النسق التسجيلي عبر استحضار العديد من الرموز التاريخية في مسرحيته (طه باقر ، أحمد سوسة ، بهنام أبو الصوف) واضعاً إياهم في فضاء واحد هو بوابة عشتار التاريخية مستخدماً لغة فصيحة تتناسب وطبيعة حبكة المسرحية وموضوعها العام مغادراً اللهجة الشعبية التي درج على استخدامها في مسرحياته الست الأخرى مازجاً أزمنة متعددة بعضها حقيقي والبعض الآخر مُتخيل وفانتازي مثل شخصية ( اللوح الأسود ) من أجل تكوين صورة بانورامية عن مدينة بابل وحضارتها عبر تقنيات المسرح التسجيلي التي لا تلتزم بالبناء الدرامي التقليدي بقدر التزامها بتقديم (الوثيقة) بوصفها العنصر الدرامي الرئيس في مثل هكذا نسق مسرحي .

أما المسرحية الأخيرة في المجموعة (إنتبه .. وشكراً) فهي منذ عنوانها الذي يأخذ صيغة تحذيرية مهذبة تنطوي على صورة أخرى من صور الأمراض الاجتماعية القائمة على النصب والاحتيال عبر عصابة مكونة من امرأة وثلاثة رجال تمارس الاحتيال بطرق متعددة مثل ادعاء الدهس بسيارة أحد المستطرقين في الشارع ، أو مراقبة شركات الصيرفة والنصب على أصحاب التحويلات المالية ، وكيف تتصدى الشرطة لمثل هكذا عصابات عبر كمين محكم للإيقاع بهم ، والمطيري يواصل النهج نفسه في هذه المسرحية عبر التقاطه لموتيفات حياتية صغيرة من المجتمع العراقي ويومياته كاشفاً بذلك عن عمق الانهيارات القيمية التي أصابته في العقود الأخيرة بسبب الحروب والحصار الاقتصادي وتفشّي العنف والتمايز الطبقي الحاد .

يعتمد المطيري العديد من الوسائل الأسلوبية والتكنيكية لتعميق البناء الدرامي في مسرحياته مثل الإعتماد على (المطرب) أو المغني بوصفه بديلاً عن (الجوقة) التي تؤدي وظيفة المعلق على الأحداث في أكثر من نص ، ليتحول هذا المطرب إلى راوي أو حكواتي في مسرحية (ألواح خالدة) عبر تنويع واضح لفعل السارد العليم في بعض تلك النصوص ، أو اعتماد الكوميديا عبر المفارقة اللفظية كما هو الحال في أسماء بعض شخصياته مثل: مطرود ، سربوت ، زبالة ، مطي ، .... الخ ، فضلاً عن حس الفكاهة الذي يرافق بعض المشاهد المأساوية كما في تجريد ( أبو سلام ) من ملابسه كافة أمام الجمهور في مسرحية (خربانة).

يؤسس المطيري أيضاً مشاهد مسرحياته على تكنيك المشاهد القصيرة التي يتم التحول فيها من مشهد الى آخر على وفق إيقاع سريع عبر استخدام تقنية ( القطع Cut ) المونتاجية في السينما حيث تلعب الإضاءة دوراً مهماً في جميع هذه المشاهد التي تعمل على بناء الإيقاع البصري في الإنتقال من مشهد الى مشهد ويتضح ذلك بشكل جلي في مسرحية ( أبو الشرف ) حيث تسير قصتان مع بعضهما البعض في إطار موازي لتجتمعا في نهاية المسرحية بقصة جامعة لكلا القصتين . كما أنه يستخدم تقنية ( الإسترجاع الفني  ( Flashback بشكل محدود في المسرحية نفسها لينوع في أسلوبية الكتابة لديه .

ونلاحظ أن المطيري يُضفي على عناصر مسرحياته الواقعية بعض العناصر غير الواقعية التي تفتح آفاق التعبير لديه مثل شخصية (الشيطان) في مسرحية (أبو الشرف) بوصفه معادلاً موضوعياً للنفس الأمّارة بالسوء لدى الشخصية المركزية في المسرحية، فضلاً عن شخصيتي (الغريب ، السيد الأكبر) في مسرحية (أحلام غريب) بوصفهما تعبيراً رمزياً عن عوالم غير واقعية تمثل جوهر الصراع في هاتين المسرحيتين بين الذات الإنسانية والقوى الماورائية التي تشكل أنموذجاً للصراع بين الإنسان والقوى الخفية. ولا تقتصر محاولات المطيري في التنويع الأسلوبي على تلك العناصر فقط بل يُفيد من تقنيات المسرح التسجيلي في مسرحية (ألواح خالدة) عبر استخدام جهاز (الداتا شو) لعرض بعض الصور عن الحضارة البابلية، فضلاً عن التسجيلات الفيديوية لعلماء الآثار الذين يستحضرهم ويستحضر معهم العديد من الوثائق التي تؤكد حقيقة وتفاصيل حياتهم المهنية وما قدموه من جهود للحضارات العراقية، وكذلك سيرهم التاريخية عبر فعل التسجيل البصري على شاشة الداتا شو.

ولعلَّ واحدة من السمات الأسلوبية التي يمكن تأشيرها في معظم هذه النصوص أن لغة الحوار فيها لغة منتقاة على الرغم من كونها لهجة دارجة لا تقتفي أثر لغة الشارع لكنها تنتقي مفرداتها بدقة للتعبير عن أهداف الشخصيات ورغباتها وطبيعة ثقافتها الاجتماعية، وبالتالي فان المطيري يبتعد كثيراً عن مفردات الشارع البذيئة التي دخلت للنصوص الشعبية العراقية خاصة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات وتحديداً في ما سُمي بــ(المسرح التجاري)، ويؤسس لنا لغة رشيقة أقرب الى اللهجة البغدادية التي تتميز بعذوبة جرسها اللغوي الموسيقي ، مع أنه يقع – أحياناً – في اللغة التقريرية على لسان بعض شخصياته ليتجرّد الحوار من ميزاته الدرامية الى ميزة وعظية وشعاراتية تُضعف من لغة الحوار في بعض المشاهد ، وربما يعود ذلك الى رغبة المطيري بإيصال رسالته من النص بشكل مباشر مراعاة لأدنى مستوى من مستويات التلقي لدى جمهوره المختلف ثقافياً .

إن الكاتب زهير المطيري يضع أمامنا مقترحات أسلوبية وثيمية متعددة تبقى قيمتها محدودة على فضاء الورقة (النص) ما لم يتم اختبارها على فضاء الخشبة التي وحدها يمكن أن تُفصح عن مدى فاعلية تلك المقترحات ومدى تأثيرها المباشر على الجمهور، وإذا ما كان المطيري قد قام بتجسيد تلك النصوص إخراجاً أو تمثيلاً فإنه بالتأكيد قد وضع نصب عينيه إمكانيات الخشبة واشتراطاتها العملية في الكشف عن مدى حيوية تلك النصوص من عدمها .

 ياسر عبد الصاحب البراك:  مخرج وناقد مسرحي عراقي