
لم يكن الخيال رهن بالفنان التشكيلي في الماضي والمعاصر، ولا هو رهن لخيال الجمع الشعبي العربي لوضع شهرزاد بطلة لرواية "ألف ليلة وليلة"، ولا هو رهن لخيال الشاعر الذي يساعده تابعه الجني من وادي عبقر، كما يذكر ابن شهيد الأندلسي في روايته "التوابع والزوابع"، بعد أن يردفه خلفه على ظهر جواد الجني زهير بن نمير، ويطير بهما الى الوادي هذا، ولا هو رهن لخيال المعري الذي أخد صديقه علي بن منصور الحلبي، ابن القارح، الى العالم الآخر ليستلم صك الغفران بعد الشفاعة، ويزور الشعراء في الجنة، وفي الجحيم، ولا هو رهن لخيال الهمـذاني عندما ترك بطله أبو الفتح الإسكندري (يـﮒدي) في المدن كما يحلو له، ولا هو رهن لخيال ابن المقفع الذي يترك حيواناته تقوم بدور البطولة في رواية "كليلة ودمنة".
ولم يكن الخيال رهن بالكاتب اليوناني كازنتزاكي عندما ترك صاحبه زوربا يرقص على لحن الموسيقى التي لحنها الموسيقار اليوناني "ميكيس ثيودوراكيس"، والتي باتت مشهورة كشهرة رواية "ألف ليلة وليلة"، ولا الخيال رهن بالكاتب كافكا الذي انهض بطله سامسا من نومه، وقد أصبح صرصورا في روايته "المسخ"، حيث تحول الإنسان إلى كائن مسحوق ومغترب، ومعزول، في الأنظمة غير الإنسانية، ولم يكن الخيال رهن بالكاتب ديستيوفسكي الذي جعل بطله روديون راسكولنيكوف يقتل العجوز المرابية أليونا إيفانوفنا في روايته "الجريمة والعقاب"، ولم يكن الخيال رهن الكاتب نجيب محفوظ عندما جعل كل شخص مقدس في الاسلام بطلا لروايته "أولاد حارتنا"، ولم يكن الخيال رهن الكاتب غائب طعمة فرمان عندما شربت النسوة الويسكي على انه عصير إنكليزي في روايته "النخلة والجيران" فثملن حد التشهير ببعضهن، ولم يكن الخيال بعيد عن كاتب هذه السطور عندما تزوّج الإخوة، وأنجبا بنتا تروي حكايتهم للناس في روايته "الهاوية"، لم يكن الخيال حكرا لهؤلاء، ولا لغيرهم، بل كان متاحا لكل الخلق، حتى الإنسان الأمي الذي لا يفقه أي شيء , إذ عليه أن يبني أحلاما وردية تزهو بالفرح، والسرور. في هذا المعترك الحياتي، فقد وجد الجاحظ خياله الجامح يتصور ان الكاتب أحمد بن عبد الوهاب في وضع يمكن أن يهزأ به، ويسخر منه، ويجعله محلا للفكاهة، ويرسم له صورة كاريكاتورية مضحكة.
و "رسالة التربيع والتدوير" التي تجمع بين تربيع الشيء واستدارته في عالم غيسر هندسي، وضعها الجاحظ ليسخر فيها من الكاتب المعاصر له أحمد بن عبد الوهاب، الذي كان من كتّاب الخليفة الواثق. وكان هذا الهجاء لسبب يرتبطً بصراع بين أخي أحمد صالح بن عبد الوهاب ووزير الخليفة محمد بن عبد الملك الزيات، حيث يُعتقد أن ابن الزيات قد حثّ الجاحظ على هجوه، والسخرية منه، كما تذكر المصادر التاريخية. انصب هذا الهجاء على النواحي الجسمية، والخلقية، والعقلية.
إذن الجاحظ يرسم الصورة التي يراها لهذا الشخص بالكلمات لأن الجاحظ لا يعرف الرسم بالخط، والألوان، مثل الفنان العربي (يحيى بن محمود الواسطي) الذي رسم مقامات الحريري بالخط، والألوان بل يعرف الحروف، والكلمات، لتتحول الخطوط، والألوان، بيديه الى حروف، وكلمات، كما قال الشاعر نزار قباني في قصيدته "الرسم بالكلمات" التي يختمها بقوله:
((مارستُ ألفَ عبادةٍ وعبادةٍ
فوجدتُ أفضلَها عبادة ذاتي
فَمُكِ المطيَّبُ .. لا يحُلُّ قضيَّتي
فقضيَّتي في دفتري ودواتي
كلُّ الدروب أمامنا مسدودةٌ
وخلاصُنا .. في الرسم بالكلماتِ)).
الصورة التي رسمها الجاحظ تبدأ من الخارج، وتدخل في أعماق الشخصية المرسومة. لقد صور الجاحظ خصمه تصويرا حسيا، وكذلك تصويرا معنويا أخلاقيا.
والسخرية هي أداة فعالة في التعبير عن أفكار الجاحظ الهازئة من الشخص الذي يراه حقيقا بها، وكذلك تحمل نقدا لاذعا. هذه السخرية من خلال رسم صورة كاريكاتيرية يدعو إلى إنشاء مذهب فكري خاص به، يجمع بين الأدب والفلسفة، فهناك صورة حسية ترى بالعين، وأيضا هناك صورة تجمع بين الحسي، واللاحسي، وكذلك هناك صورة غير حسية تدرك بالتأثير الواضح على الآخر.
اما الجوانب التي هجاها الجاحظ،، وسخر منها لهذا الرجل فهي:
1 – المشاهد الحسية "المواصفات الجسمية":
قدم الجاحظ صورة كاريكاتورية ساخرة عن أعضاء جسم هذا الشخص، ورسم بالكلمات وجهه، وأطرافه، وبطنه، وظهره، وخاصرته، وقامته، وأصابع يديه. قدمها بصورة بشعة لتكون مدعاة للفت النظر، والوقوف حيال هذا الوصف. يقول عن طوله وقصره وتربيعه وتدويره:
((ﻛﺎن أﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻮﻫﺎب ﻣُﻔﺮِط اﻟﻘِصرَ، وﻳﺪﱠﻋِﻲ أﻧﻪ ﻣُﻔﺮِط اﻟﻄﻮل، وﻛﺎن ﻣُﺮﺑﱠﻌًﺎ، وﺗَﺤْﺴَﺒﻪ ﻟِﺴَﻌﺔ ﺟُﻔْﺮﺗﻪ واﺳﺘﻔﺎﺿﺔ ﺧﺎصرﺗﻪ ﻣُﺪوﱠرًا))(*).
ان هذا القول يضع القارئ في شك من أمر مواصفات هذا الرجل، فهل هو طويل أم قصير؟ خاصة هو نفسه لا يعلم إن كان طويلا أم قصيرا!
في الوقت نفسه كان مربع الجسم، وصدره واسعا، فيما خاصرته مستفيضة، ومدورة.
ويصفه كذلك قائلا: ((ومن غريب ما أعُطيتَ، وبديع ما أوُتِيتَ، أنَّا لم نرَ مقدودًا واسِعَ الجُفْرة غيرَك، ولا رشيقًا مستفيض الخاصِرة سواك، فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب! فيا شعرًا جمع الأعاريض، ويا شخصًا جمع الاستدارة والطول)).
يندهش الجاحظ من جمع هذا الشخص لكل الصفات المتناقضة، مثل للاستدارة، والطول، المديد، والبسيط، والطويل، والمتقارب، كحال الشعر الذي جمع كل الأعاريض.
مثل هذه الأوصاف تجعل الشخص يستحق هذا الهزء، وتلك السخرية المرة، من كل من يراه.
وكان أيضا: ((جَعْد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدَّعي البساطة والرشاقة)).
وكذلك هو: ((عتيقُ الوجه)).
وهو أيضا: ((أخمصُ البطن معتدلُ القامة)).
وهو: ((تامُّ العظم، وكان طويلَ الظهر، قصير عظم الفَخِذ، وهو مع قِصَر عظم ساقه، يدَّعي أنه طويل الباد رفيعُ العماد، عاديُّ القامة، عظيمُ الهامة)).
و: ((أعُطي البَسْطة في الجسم والسَّعة في العلم)).
و: ((وكان كبير السنِّ، مُتقادِم الميلاد، وهو يدَّعي أنه معتدلُ الشباب، حديثُ الميلاد)).
و: ((ولو لم يكن فيك من العجب إلَّا أنك أول من تعبَّدَه لله بالصبر على خطأ الحسِّ، وبالشكر على صواب الذهن، لقد كنتَ في طولك آيةً للسائلين، وفي عرضك منارًا للمضلِّين.)).
2- المشاهد الحسية/ اللاحسية "ادعاء العلم، والأدب":
لا يخفى على أحد ان العلم يتضح لدى الشخص أما على لسانه، أو في تفكيره، وكذلك في الحياة العملية له، أي فيما يقدمه من تجارب ذات طابع حسي أو عقلي. والجاحظ يقدم هجاءه هذا، وسخريته، لرجل لا يفقه شيئا من العلم المعروف في ذلك الوقت، فهو يدعي العلم بلا علم، وبالإبانة فيما هو غبي، وغيرها من الأوصاف التي يدعيها إلا انها تستحق الهجاء والسخرية. قال:
((وكان ادعاؤُه لأصناف العلم على قَدْر جهله بها، وتكلُّفُه للإبانة عنها، على قدر غباوته عنها)).
((وكان كثير الاعتراض لهجًا بالمراء، شديد الخلاف، كلِفًا بالمجاذبة، مُتتايِعًا في العُنود، مؤثرًا للمغالبة)).
((مع إضلال الحُجَّة، والجهل بموضع الشُّبهة، والخطرفة عند قصر الزاد والعجز عند التوقُّف، والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء ومغبَّة فساد القلوب، ونكد الخلاف)).
((وما في الخوض من اللغو الداعي إلى السهو، وما في المعاندة من الإثم الداعي إلى النار، وما في المجاذبة من النكد، وما في التغالُب من فُقْدان الصواب)).
وكان ((قليل السَّماع غُمْرًا وصُحُفيٍّا غُفْلًا)).
و: ((لا ينطق عن فِكر ويثق بأول خاطر، ولا يفصل بين اعتزام الغُمْر واستبصار المُحِق))
وهو: ((يعُدُّ أسماءَ الكتب ولا يفهم معانيها)).
3 – المشاهد غير الحسية "الحسد":
من الأمور التي لا تتوضح معالمها بأدوات الحس، وانما بتأثيراتها على الآخر، كما تزعم العامة كان الحسد.
يقول الجاحظ عن الحسد: ((الحسد - ابقاك الله - داء ينهك الجسد ، ويفسد الود علاجه عسير، وصاحبه ضجر وهو مسلك خفي يصعب الخروج منه، وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه فمداويه في عناء . ولذلك قال النبي (ص)"دب اليكم داء الامم قبلكم الحسد والبغضاء".
الحسد عقيد (قرين) الكفر وحليف الباطل وضد الحق، والحاسد جامع الي كل صفات الكذب والنميمة والوشاية والوقيعة بين الناس ومنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم من الاقرباء، ومحدث للتفرق بين القرناء، وملقح "مولد" الشر بين الحلفاء.))
فقد كان المهجو منه يحسد الآخرين عما عندهم من أشياء، وفي الوقت نفسه فهو بخيل كذلك:
((اعلم أن الحسد اسمٌ لما فَضَلَ عن المنافسة، كما أن الجُبن اسمٌ لما فضل عن التوقِّي، والبخل اسمٌ لما قصر عن الاقتصاد، والسَّرَف ما جاوز الجود، وأنت — جُعلتُ فداك — لا تعرف هذا، ولو أدخلتُك الكُور ونفختُ عليك إلى يوم يُنفَخ في الصُّور.
و: ((ويحسد العلماء من غير أن يتعلَّق منهم بسبب؛ وليس في يده من جميع الآداب إلَّا الانتحال لاسم الأدب.)).
وهل في الأرض إقرارٌ أثبت ودليلٌ أوضح وشاهد أصدق من شاهدي على ما ادَّعيتَ لنفسك من الرِّفعة، مع ما ظهر من حسدك لأهل الضَّعة؟ وهل تكون بعد ذلك إلَّا فاسد الحسِّ ظاهرَ العنود، أو جاهلًا بالمحال)).
وبهذا الوصف الذي وصف به الجاحظ المهجو منه قدم صورة كاريكيتيرية رسمها بالقلم على الورق الذي يكتب عليه، لكاتب الخليفة الواثق، أحمد بن عبد الوهاب، لتلبية طلب الوزير محمد بن عبد الملك الزيات منه هذا، وهذا يذكرنا بمحللينا السياسيين إذ يظهرون في القنوات التلفزيونية ليقدموا هجاء لبعض الشخصيات مقابل ثمن. ونحن نسأل هل قبض الجاحظ الثمن من صاحبه الزيات؟
* كل الاقتباسات الواردة في المادة استلت من كتابي:
الجاحظ، التربيع والتدوير، مؤسسة هنداوي، 2019.
رسائل الجاحظ - دار ومكتبة الهلال - بيروت - ط/2 - ١٤٢٣.