تشرين2/نوفمبر 08
   

الدكتور تحسين الشيخلي، مهندس وأكاديمي وباحث عراقي في الحوسبة ودراسات المستقبل. حصل على دكتوراه دولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، ومارس التدريس في الجامعات العراقية والبريطانية. في كتابه الأخير لا ينظر للذكاء الصناعي بصفته تقنية جديدة، بل نقلة حضارية قد تُعيد نظرة الإنسان لنفسه بصفته العارف الوحيد.  

عصر نهضة جديد
ث .ج: أنت تقول بأننا نعيش عصر نهضة جديد؟ هل هذا صحيح؟ بأي معنى؟
د تحسين: عندما أقول إننا نعيش بدايات (عصر النهضة الجديد)، فأنا لا أستخدم كلمة النهضة بوصفها استعارة للتقدم التقني، ولا أقصد أن التاريخ يعيد النهضة الأوروبية في صورة رقمية. أنا أستعمل المصطلح لوصف تحول أعمق أعتقد أننا بدأنا نرى علاماته، تحوّل يمس المفاهيم التي بنينا عليها فهمنا للإنسان والمعرفة والعقل والعمل والإبداع، وربما موقع الإنسان نفسه في العالم.
وهنا أجد نفسي أمام جوهر ما أسميه (عصر النهضة الجديد). عندما أتحدث عن احتضار العالم القديم لا أقصد انهيار الحضارة التي نعيش فيها، ولا اختفاء المؤسسات والتقاليد والتقنيات السابقة. أقصد شيئا أعمق. 
-    ما هو؟
د.تحسين: أقصد أن منظومة المفاهيم التي استخدمناها لفهم الإنسان والعالم بدأت تعاني من قصور أمام واقع جديد. النهضة الأوروبية لم تكن مجرد ظهور آلات أو اكتشافات. كانت إعادة ترتيب لموقع الإنسان في المعرفة والعالم. ثم جاءت الثورة العلمية والتنوير، وتغيرت معهما العلاقة بين العقل والسلطة والطبيعة. أما التحول الذي نعيشه اليوم فقد يحمل مفارقة تاريخية مختلفة. النهضة الأولى أسهمت في دفع الإنسان نحو مركز المشهد، أما النهضة الجديدة فقد تجبره على إعادة التفكير في معنى هذا المركز نفسه. لسنا أمام كوبرنيكوس جديد يخبرنا أن الأرض ليست مركز الكون فقط. نحن أمام منظومات صنعناها بأيدينا وبدأت تجبرنا على التساؤل عما إذا كان الذكاء واللغة والإبداع والاستدلال حكرًا علينا. وقد يكون هذا من أشد التحولات المؤلمة للوعي البشري. استطاع الإنسان، وإن بعد مقاومة طويلة، أن يتقبل أن الأرض ليست مركز الكون، وأن الإنسان نفسه جزء من التاريخ الطبيعي للكائنات الحية. لكنه قد يجد صعوبة أكبر في تقبل أن بعض القدرات التي جعل منها أساساً لتفرده، يمكن أن تظهر، بأشكال مختلفة، في منظومات غير بشرية صنعها هو نفسه. ولهذا فإن السؤال الذي يهمني ليس (هل الإنسان حاسوب؟). أراه سؤالا ضيقا أمام حجم التحول الجاري. السؤال الأوسع هو ماذا يبقى من تعريف الإنسان عندما لا يعد تعريفه كافيا بوصفه نقيض الآلة؟ لقد اعتدنا كلما اقتربت التكنولوجيا من قدرة كنا نعدها إنسانية خالصة أن نتراجع إلى خاصية أخرى، ونقيم حولها سورا جديدا. قلنا العقل، ثم اللغة، ثم الحساب، ثم الإبداع، واليوم نلجأ إلى الوعي والعاطفة والقصدية. وقد تثبت الأيام أن بعضها سيبقى بالفعل خاصية بشرية، وقد تكشف لنا تطورات المستقبل صورة معقدة ربما بشكل أكبر. لكنني أعتقد أن عصر النهضة الجديد يفرض علينا سؤالا مختلفا. هل ينبغي أن نعرّف الإنسان من خلال قائمة القدرات التي يتفوق بها على كل ما سواه؟
ربما كانت إنسانيتنا أعمق من ذلك. قد تكون في تاريخنا الجسدي والبيولوجي، وفي هشاشتنا وفنائنا، وفي علاقتنا بالآخر، وفي قدرتنا على منح الأشياء معنىً، وفي تحمل مسؤولية قراراتنا، وفي التجربة التي نعيشها، لا في المخرجات التي ننتجها وحدها.. وهذا يعيدنا إلى المعرفة من زاوية أخرى. قد يستطيع نظام اصطناعي معالجة مقدار من المعلومات يفوق قدرة أي إنسان، وقد يستطيع استخراج علاقات لا يستطيع عقل منفرد اكتشافها، لكن السؤال عن معنى هذه المعلومات وقيمتها وعلاقتها بحياة البشر لا يختفي بسبب زيادة القدرة الحسابية. على العكس، قد يصبح حرجا، لهذا لا أرى الذكاء الاصطناعي مجرد فصل جديد في تاريخ التكنولوجيا. المحرك البخاري ضاعف القوة العضلية، والحاسوب وسع قدرتنا على الحساب، والإنترنت أعاد تشكيل الوصول إلى المعرفة. أما الذكاء الاصطناعي فقد اقترب من منطقة أكثر حساسية، لأنه بدأ يشاركنا بعض العمليات التي استخدمناها لتعريف أنفسنا. ومن هنا يأتي المخاض الذي أتحدث عنه. العالم القديم لم يمت، والعالم الجديد لم يولد بعد. نحن نقف في منطقة بينهما، حيث ما زالت مفاهيم الماضي تعمل، لكنها لم تعد تفسر كل ما يحدث. نحاول وصف الذكاء الاصطناعي بكلمات مثل الأداة والمساعد والوكيل والشريك والعقل، ثم نكتشف أن أيا منها لا يكفي بمفرده. ونستخدم كلمات مثل التفكير والفهم والوعي والذكاء، ثم نكتشف أن تطور الآلة أجبرنا على العودة إلى مفاهيم لم نكن قد حسمنا معناها حتى عندما كنا نتحدث عن أنفسنا. وهذه المنطقة بالتحديد هي التي أراها قلب عصر النهضة الجديد. إنها ليست نهضة للآلة، وليست إعلانا عن نهاية الإنسان. إنها إعادة فتح للسؤال الإنساني بعد أن اعتقدنا لزمن طويل أننا نعرف إجابته. حاولت تتبع هذا السؤال عبر رحلة بدأت من الحاسوب بوصفه آلة للحساب، ثم (تورنغ) وسؤال التفكير، مرورا بـ(فينر) و(سيرل)، وصولا إلى الأسئلة المعاصرة عند (ديفيد تشالمرز) و(لوتشيانو فلوريدي) وغيرهم. وما وجدته أن تطور الذكاء الاصطناعي لم يقدم لنا أجوبة نهائية بقدر ما أعاد فتح أسئلة قديمة بصورة لم تعد الفلسفة قادرة على تجاهلها. والسؤال هنا هل يدخل الذكاء الاصطناعي عالم الإنسان، أم أننا نحن الذين نغادر تصورا قديما لما يعنيه أن نكون بشرا؟ لا أجد ضرورة لإغلاق هذا السؤال بإجابة نهائية. ربما تكون قيمة اللحظة التاريخية التي نعيشها في أنها أعادت السؤال إلينا. فاحتضار العالم القديم لا يعني موت الإنسان، بل ربما يعني احتضار صورة صنعها الإنسان عن نفسه وظن أنها نهائية. ومخاض العالم الجديد لن يكتمل عندما نصنع آلة تشبهنا، بل عندما نفهم نحن كيف نعيد تعريف أنفسنا في عالم لم نعد فيه وحدنا من يكتب ويحسب ويستدل ويولد الأفكار. وهنا أصل إلى المعنى الذي أريده من (عصر النهضة الجديد). في النهضة الأولى كان السؤال الكبير يتعلق بموقع الإنسان في الكون والمعرفة. وفي عصرنا قد يصبح السؤال عن موقع الإنسان في عالم معرفي لم يعد فيه وحده. لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي لعصر النهضة الجديد (ماذا ستصبح الآلة؟) بل (ماذا سنصبح نحن؟).
 
الآلة والروح
ث. ج: في عصر النهضة أثيرت مخاوف، الآلة في مواجهة الروح، الذكاء الاصطناعي فتح بوابات مخاوف جديدة، لا تقتصر على منافسة الإنسان على مهنته، ولا في كونه منتج معرفة، بل تحوّله إلى عارف...
د.تحسين: أعتقد أن هذه هي النقطة التي تجعل ما يحدث اليوم مختلفا عن الثورات التقنية السابقة. الإنسان خاف من الآلة منذ وقت مبكر، لكنه كان يخاف منها لأنها تنافس عضلاته. الآلة البخارية حلت محل جزء من القوة الجسدية، والآلة الصناعية أخذت بعض أعمال اليد، ثم جاء الحاسوب لينافس الإنسان في الحساب ومعالجة المعلومات. أما الذكاء الاصطناعي فيقترب من منطقة أشد حساسية، لأنه لم يعد ينافس ما نفعله فقط، بل بدأ يثير السؤال عمن يعرف.. وهنا ينبغي أن نكون حذرين في استعمال الكلمات. هناك فرق بين أن نقول إن نظام الذكاء الاصطناعي ينتج معرفة، وأن نقول إنه (عارف). الفلسفة لم تتعامل مع المعرفة بوصفها مجرد امتلاك للمعلومات. كان السؤال دائما يتعلق بالعلاقة بين المعرفة والاعتقاد والحقيقة والتبرير والفهم، ثم جاءت فلسفات أخرى لتضيف الخبرة والوعي والقصدية والسياق الاجتماعي إلى هذا النقاش. لذلك لا أستطيع أن أقول ببساطة إن النموذج اللغوي يعرف بالطريقة نفسها التي أعرف بها أنا أو تعرف بها أنت.
لكن المشكلة أن التطور التقني بدأ يربك هذا الفصل المريح.
عندما يجيب النظام عن سؤال، ويقارن بين فرضيات، ويستخرج علاقة لم ننتبه إليها، ويقترح تجربة علمية، ويبرر النتيجة التي وصل إليها، ويصحح بعض أخطائه، ويتعامل مع معلومات جديدة لم تكن موجودة عند تدريبه، يصبح من الصعب الاكتفاء بالقول إنه مجرد مخزن للمعلومات. قد نرفض وصفه بأنه (عارف)، وهذا موقف فلسفي مشروع، لكن علينا عندئذ أن نوضح ما الذي ينقصه حتى يصبح كذلك.
وهنا أرى أن سؤالا قديما يعود إلينا في صورة جديدة، وهو (من الذي يعرف؟).
طوال قرون كان الجواب يبدو بديهيا. الإنسان يعرف، والكتاب يحتوي المعرفة، والمكتبة تحفظها، والحاسوب يخزنها. كان هناك فاصل واضح بين العارف وبين الوعاء الذي توجد فيه المعرفة. الكتاب لا يعرف ما هو مكتوب فيه، والمكتبة لا تفهم الكتب الموجودة على رفوفها. لكننا اليوم نتعامل مع نظام لا يكتفي بحفظ النص، بل يستطيع الدخول معنا في حوار حوله، ومقارنته بنص آخر، واستخلاص نتائج منه، والدفاع عن تفسير ثم تعديله عندما نقدم له دليلا جديدا.
هل يكفي ذلك لكي نسميه عارفا؟ لا أعتقد أن لدينا حتى الآن جواب فلسفي وعلمي حاسم. وربما يكون الخطأ أن نحاول الإجابة عن السؤال الجديد بتعريفات صممت لعالم لم تكن فيه مثل هذه الكيانات موجودة.
وأنا هنا لا أريد أن أنسب الوعي إلى الآلة. لا يوجد لدينا دليل علمي يتيح لنا أن نقول إن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية تمتلك تجربة ذاتية أو وعيا شبيها بالوعي الإنساني. لكن غياب الدليل على الوعي لا يلغي المشكلة المعرفية التي ظهرت أمامنا. فقد يكون علينا أن نفصل بين الوعي وبين بعض أشكال الفاعلية المعرفية.
وهذا ما يجعلني أعتقد أننا أمام تحوّل أعمق من قضية فقدان الوظائف. إذا أخذت الآلة وظيفة من الإنسان يمكن أن نسأل عن وظيفة أخرى له. أما إذا بدأت تشاركه موقعه بوصفه المصدر الذي نذهب إليه لكي نعرف، فنحن أمام إعادة توزيع للسلطة المعرفية في المجتمع.
لقد انتقلت هذه السلطة عبر التاريخ بين مؤسسات وأشخاص مختلفين. كانت للكاهن والفقيه والفيلسوف والعالم والجامعة، والموسوعة، والصحيفة، والخبير. واليوم يدخل إلى هذه السلسلة كيان جديد هو النظام الخوارزمي. ملايين البشر يسألون أنظمة الذكاء الاصطناعي كل يوم عن التاريخ والطب والقانون والعلم والحياة الشخصية، وقد يقبلون أجوبتها من دون أن يعرفوا المصدر الذي جاءت منه أو الطريق الذي أوصل النظام إليها.
وهنا يصبح السؤال أخلاقيا وسياسيا وحضاريا أيضا. المسألة ليست فقط هل تعرف الآلة، بل متى يبدأ الإنسان في معاملتها كما لو كانت تعرف؟ ومن يمنحها هذه السلطة؟ ومن يصححها عندما تخطئ؟ ومن يحدد ما تعلمته وما استبعد من تدريبها؟ ومن يتحمل النتائج عندما تتحول إجاباتها إلى قرارات تؤثر في حياة البشر؟
لهذا لا يقلقني كثيرا أن نختلف اليوم حول ما إذا كان ينبغي أن نسمي الذكاء الاصطناعي (عارف) أم لا. ما يهمني أكثر أن نلاحظ أن وظيفة العارف بدأت تتغير أمام أعيننا.
وقد نكتشف بعد سنوات أن السؤال الأهم لم يكن هل أصبحت الآلة إنسانا، بل كيف تغير معنى المعرفة نفسها عندما لم يعد الإنسان وحده في الحلقة المعرفية.

داخل الحلقة أم خارجها؟
ث .ج : حتى لو كان الذكاء الاصطناعي عارفاً، كيف يمكننا أن نثق بمخرجاته العلمية؟
د.تحسين: أفضل أن أقلب السؤال قليلاً. لماذا ينبغي أن نثق بمخرجات الذكاء الاصطناعي أصلا؟ في العلم لا نفترض أن النتيجة صحيحة لأنها صدرت عن إنسان، ولا ينبغي أن نفترض صحتها لأنها صدرت عن آلة. الثقة العلمية لا تمنح للمتكلم، بل تبنى على المنهج والدليل وإمكان التحقق وإعادة الاختبار. وهذا مهم لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم إجابة شديدة الإقناع حتى عندما تكون خاطئة. لقد عرفنا في النماذج اللغوية ظاهرة إنتاج معلومات ومراجع غير صحيحة، وتطورت الأنظمة كثيرا وأصبحت قادرة على استخدام الأدوات والبحث والرجوع إلى المصادر، لكن المبدأ المعرفي لم يتغير. جودة اللغة ليست دليلا على صحة المعرفة، والثقة التي توحي بها الإجابة ليست بديلا عن التحقق منها. لذلك أتعامل مع الذكاء الاصطناعي بطريقة قد تبدو متناقضة. أثق كثيرا بقدراته، لكنني لا أمنحه ثقة معرفية مسبقة. يمكن أن أطلب منه تحليل عدد كبير من الدراسات، أو المقارنة بين نتائجها، أو البحث عن أنماط داخل بيانات ضخمة، أو اقتراح فرضية لم تخطر للباحث، وقد يستطيع معالجة حجم من المعلومات يتجاوز قدرة أي إنسان منفرد. لكن النتيجة التي يقدمها لا تصبح حقيقة علمية لمجرد أنه قدمها. ينبغي أن يكون الإنسان قادرا على العودة إلى المصدر وفحص البيانات ومراجعة الاستدلال ومقارنة النتيجة بأدلة مستقلة. وهنا أصل إلى مسألة أراها أكثر أهمية للمستقبل، وهي موقع الإنسان داخل الحلقة. الأنظمة التي خبرناها حتى اليوم، على اختلاف درجات استقلالها، ما زالت تعمل داخل منظومات صممها البشر ويحددون أهدافها ويشرفون على استخدامها. ولذلك ما زلنا نتحدث عن الإنسان داخل الحلقة  (Human in the Loop). الإنسان يسأل، والآلة تجيب، والإنسان يراجع ويقرر في النهاية إن كان سيقبل النتيجة أو يرفضها. لكن ماذا يحدث إذا تغيرت هذه العلاقة؟ ماذا يحدث إذا أطلقنا العنان لتطوير أنظمة تستطيع أن تسهم في تصميم وتدريب واختبار أنظمة متقدمة أكثر منها، وتقوم هذه الأنظمة بدورها بتطوير أجيال أخرى، بينما يتراجع التدخل البشري المباشر في كل دورة؟ هذا الاحتمال لا يعني بالضرورة ظهور آلة خارجة عن السيطرة، لكنه يطرح مشكلة معرفية مختلفة. كلما ازدادت سرعة الدورة وتعقيدها، قد يصبح من الصعب على الإنسان أن يفهم بصورة كاملة لماذا اختار النظام بنية معينة، أو لماذا ظهرت قدرة جديدة، أو كيف وصل نظام متقدم إلى نتيجة ما. عندئذ لا يعود السؤال فقط هل الإنسان داخل الحلقة أم خارجها، بل أين يقف داخلها. هل سيظل في مركز الحلقة، يحدد الأهداف ويفهم العمليات ويقيم النتائج ويتخذ القرار؟ أم سيبدأ بالانتقال نحو أطرافها، يراقب عمليات معرفية وتقنية أصبحت أسرع واكبر من قدرته على متابعتها بالتفصيل؟ هذا التحول هو ما ينبغي أن ننتبه إليه. فالوجود الشكلي للإنسان داخل الحلقة لا يكفي. قد يكون الإنسان موجودا من الناحية الإجرائية، يضغط زر الموافقة في النهاية، لكنه لا يمتلك المعرفة الكافية لفهم المسار الذي أنتج القرار. عندئذ يصبح وجوده أقرب إلى المصادقة منه إلى السيطرة الحقيقية. ومن هنا يصبح سؤال الثقة مختلفا. في الأنظمة الحالية يمكن أن نقول لا تثق بالمخرج قبل التحقق منه. لكن ماذا لو وصلنا إلى أنظمة تنتج في ساعات من الفرضيات والتصميمات والنتائج ما يحتاج البشر إلى أشهر أو سنوات لمراجعته؟ وماذا لو أصبحت بعض الأنظمة العلمية قادرة على اقتراح التجربة وتحليل نتائجها ثم تعديل الفرضية واقتراح التجربة التالية ضمن حلقة متصلة؟ سنكون عندئذ أمام مفارقة غير مألوفة. قد تزداد قدرتنا على إنتاج المعرفة، بينما تتراجع قدرة الإنسان الفرد على الإحاطة بالطريق الذي أنتجها. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي بدأنا منه في هذه المقابلة (من الذي يعرف؟). إذا بقي الإنسان في مركز الحلقة، يستطيع أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدراته المعرفية. أما إذا انتقل بالتدريج إلى أطرافها وأصبح النظام هو الذي يقترح ويختبر ويصحح ويطور، فقد نجد أنفسنا أمام تحول في مركز الثقل المعرفي نفسه. أنا لا أقول إن هذا قد حدث، ولا أريد أن أحول احتمالا مستقبليا إلى حقيقة حاضرة. الأنظمة الحالية ما زالت تعتمد على البشر وعلى البنية التحتية والمؤسسات والبيانات والأهداف التي يوفرها البشر. لكن الاتجاه يستحق أن نأخذه بجدية، لأن السؤال عن السيطرة لا يبدأ بعد فقدانها، بل قبل ذلك بكثير. ولهذا فإن الثقة بمخرجات الذكاء الاصطناعي ليست مسألة تقنية فقط. إنها ترتبط بموقع الإنسان في منظومة إنتاج المعرفة. وكلما ازدادت استقلالية النظام وقدرته على المشاركة في تطوير أنظمة أخرى، ازدادت حاجتنا إلى آليات تجعل الإنسان قادرا على الفهم والمراجعة والتدخل، لا مجرد الحضور الرمزي في نهاية العملية. ربما يكون السؤال الذي سيواجه العلم في السنوات المقبلة ليس فقط (هل نستطيع الوثوق بما أنتجته الآلة؟)، بل (هل ما زلنا نفهم بما يكفي لكي نقرر متى نثق بها؟). وهناك فرق كبير بين السؤالين. الأول يفترض أن الإنسان ما زال في مركز الحلقة وينظر إلى الآلة أمامه. أما الثاني فيسأل عما إذا كان مركز الحلقة نفسه قد بدأ يتحرك. وهذا، في تقديري، أحد الأسئلة الكبرى لعصر النهضة الجديد. ليس هل ستخرج الآلة من الحلقة، بل هل سيبقى الإنسان في مركزها، أم يجد نفسه يوما ما على أطراف حلقة احتلت الأنظمة الذكية مركزها؟
 
الخزن والتنظيم 
ثّ .ج: يمكنني حتى الآن أن أتعامل معه، أي الذكاء الاصطناعي، كأداة لخزن وتنظيم المعلومات، لكنني أخاف أن يأخذ صفة الإنسان كعارف حقيقي قادر على المعرفة والفهم والتبرير؟
د. تحسين: هنا نصل، إلى السؤال الأصعب في الموضوع كله. لأننا لم نعد نسأل عما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله، بل عما يمكن أن يكونه. لو بقي مجرد مخزن ضخم للمعلومات لكانت المسألة أسهل بكثير. لدينا المكتبات ومحركات البحث وقواعد البيانات، ولم يخطر لنا أن نسأل إن كانت المكتبة تعرف الكتب الموجودة فيها. لكن النظام الذكي المعاصر يفعل شيئا مختلفا. أنت لا تستخرج منه معلومة فقط، بل تحاوره، وتسأله لماذا، وتطلب منه أن يبرر، وتعترض عليه، فيراجع جوابه، وتقدم له معلومة جديدة فيعيد بناء استنتاجه على أساسها. هنا تبدأ الحدود القديمة بين الأداة والفاعل المعرفي في الاهتزاز. لكنني سأظل حذراً من القفز من القدرة على أداء هذه الأفعال إلى القول إن النظام (يعرف) بالمعنى الإنساني للكلمة. فالإنسان لا يعرف فقط لأنه يمتلك معلومات. معرفتنا مرتبطة بتاريخ شخصي، وتجربة مع العالم، وجسد، وذاكرة، وعلاقات اجتماعية، ولغة، ومشاعر، وإدراك للذات، وللآخر. وحين أقول إنني أعرف أن النار تحرق، فمعرفتي ليست مجرد علاقة إحصائية بين كلمتي النار والاحتراق. إنها تنتمي إلى عالم كامل من التجربة الإنسانية. وهنا تظهر المشكلة الفلسفية الكبرى. هل كل هذه الشروط ضرورية للمعرفة، أم أننا جعلناها شروطا لأن الإنسان كان طوال تاريخ الفلسفة هو النموذج الوحيد للعارف الذي نعرفه؟
هذا السؤال يشغلني كثيرا. قد نكون أمام خطأ شبيه بالأخطاء التي نقع فيها عندما نجعل الإنسان مقياسا لكل شكل ممكن من أشكال الذكاء. ربما توجد معرفة لا تشبه المعرفة الإنسانية. وربما يظهر شكل من الفاعلية المعرفية لا يحتاج إلى أن يمتلك التجربة الداخلية نفسها التي نمتلكها نحن. وفي المقابل قد تكون الأنظمة الحالية بارعة جدا في محاكاة مظاهر المعرفة من دون أن يوجد خلفها ذلك الشيء الذي نسميه الفهم. نحن ببساطة لا نملك حتى الآن جوابا حاسما. وهنا أميز بين ثلاثة أشياء بالغالب ما نخلط بينها، إنتاج الإجابة، وتبرير الإجابة، وفهم الإجابة. تستطيع الأنظمة الحالية أن تنتج إجابات، وتستطيع في حالات كثيرة أن تقدم ما يبدو تبريرا لها. أما السؤال الأصعب فهو هل تفهم ما تقول؟ هذه هي المنطقة التي لم يحسمها العلم ولا الفلسفة. لكن ثمة مفارقة أراها أكثر أهمية من حسم هذا الخلاف. قد لا نعرف هل الآلة عارفة بالفعل، ومع ذلك يبدأ المجتمع في معاملتها بوصفها عارفة. وهذا أخطر من المشكلة الاصطلاحية نفسها. فالسلطة المعرفية لا تحتاج دائما إلى إثبات فلسفي. يكفي أن يعتمد الناس على كيان ما في معرفة العالم حتى يبدأ هذا الكيان في اكتساب سلطة عليهم. وإذا أصبح الطبيب والقاضي والطالب والباحث والصحفي وصانع القرار يرجعون إلى نظام ذكي قبل اتخاذ قراراتهم، فإن هذا النظام يصبح جزءا من البنية المعرفية للمجتمع، سواء اتفق الفلاسفة على منحه صفة (العارف) أم لم يتفقوا. ولهذا أعتقد أن السؤال الذي سيواجهنا لن يكون فقط (هل يعرف الذكاء الاصطناعي؟)، بل سؤال آخر قد يكون مختلفا وهو (متى بدأنا نحن نتصرف كما لو أنه يعرف؟). هناك فرق كبير بين السؤالين. الأول يتعلق بطبيعة الآلة، أما الثاني فيتعلق بطبيعتنا نحن وبمقدار السلطة المعرفية التي نحن مستعدون لمنحها لها. وربما يكون هذا أحد أهم تحولات عصر النهضة الجديد الذي أتحدث عنه. لأول مرة في تاريخ المعرفة يظهر إلى جانب الإنسان كيان نستطيع أن نسأله، ويحاول أن يجيب، ونطلب منه الدليل فيقدمه، ونعترض عليه فيعيد النظر في جوابه. قد نختلف طويلا حول ما إذا كان هذا الكيان (يعرف)، لكن مجرد اضطرارنا إلى طرح السؤال يعني أن شيئا عميقا قد تغير بالفعل.
 
 المعرفةّ والمسؤوليّة
ث. ج: في واحدة من أخطائه الكارثية خلال الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وايران قاد الصاروخ إلى مدرسة أطفال، كيف يتحمل المسؤولية المعرفية؟ وهو في كل الحالات بلا روح وبلا مثل؟
د. تحسين: هذا السؤال يأخذنا من المعرفة إلى المسؤولية، وهما ليسا نفس الشيء. قد يستطيع نظام ذكي أن يحلل المعلومات، وأن يرجح هدفا، وأن يقدم توصية، وربما أن يشارك بدرجات مختلفة في سلسلة قرار عسكري، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أنه أصبح كائنا أخلاقيا يمكن أن نقول له أنت مسؤول عمّا حدث.
وأتحفظ هنا على الواقعة المحددة الواردة في السؤال ما لم نحدد الحادثة والنظام المستخدم ودوره الفعلي فيها. في الحروب المعاصرة تختلط أنظمة الاستشعار والاستخبارات وتحليل البيانات واختيار الأهداف والملاحة والأسلحة الموجهة، وليس من الدقة أن ننسب النتيجة إلى (الذكاء الاصطناعي) بصورة عامة. لكن المثال، حتى بوصفه فرضية، يضعنا أمام مشكلة حقيقية جدا.
لنفترض أن نظاما ذكيا صنف مبنىً على أنه هدف عسكري، ثم تبين أنه مدرسة فيها أطفال. من المسؤول؟ هل هو النظام الذي قدم التصنيف؟ أم المهندس الذي صممه؟ أم المؤسسة التي دربته؟ أم الجهة التي اشترته؟ أم القائد الذي اعتمد توصيته؟ أم الإنسان الذي ضغط الزر؟ هنا تظهر مشكلة أسميها (فجوة المسؤولية). كلما طالت السلسلة بين المعرفة والفعل أصبح من الأسهل على كل طرف أن يقول إن القرار لم يكن قراره وحده. وأعتقد أن علينا أن نرفض هذا المنطق منذ البداية. لا يجوز أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى منطقة يختفي داخلها الفاعل البشري. إذا لم يكن النظام يمتلك وعيا أخلاقيا ولا ضميرا ولا قدرة على تحمل العقوبة أو الشعور بالذنب، فلا معنى لأن نحمله المسؤولية الأخلاقية بالطريقة نفسها التي نحملها للإنسان. المسؤولية يجب أن تبقى لدى البشر والمؤسسات التي صممت النظام وسمحت باستخدامه وحددت حدود استقلاله واتخذت قرار الاعتماد عليه. وهنا نصل إلى عبارتك المهمة (بلا روح وبلا مثل). وأنا أفضل أن أفصل بين الروح والأخلاق في هذا النقاش. الروح سؤال ديني وفلسفي بالغ العمق، ولا أعتقد أن علوم الحاسوب تستطيع أن تحسمه. أما القيم والمبادئ والقيود الأخلاقية فيمكن أن نحاول إدخالها في تصميم الأنظمة وقواعد استخدامها. لكن هناك فارقا بين نظام يتبع قاعدة أخلاقية وبين كائن يدرك لماذا ينبغي أن تكون هذه القاعدة أخلاقية. يمكن أن نبرمج آلة لكي تمتنع عن فعل معين، لكن الامتناع ليس هو الضمير. الإنسان عندما يواجه قرارا أخلاقيا يستطيع، على الأقل من حيث المبدأ، أن يشعر بالمسؤولية والخوف والشفقة والندم، وأن يسأل نفسه عما كان ينبغي أن يفعله. أما النظام الحالي فيستطيع حساب الاحتمالات وتطبيق القيود وتقديم التبريرات، لكن ليس لدينا دليل على أنه يعيش التجربة الأخلاقية التي نعنيها عندما نتحدث عن الضمير. وهذا يجعل استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب حالة قصوى تكشف لنا المشكلة التي قد تظهر لاحقا في مجالات أخرى. ماذا لو أخطأ في تشخيص طبي؟ ماذا لو ساهم في قرار قضائي؟ ماذا لو رفض قرضا أو فرصة عمل؟ وماذا لو اتخذ نظام مستقل قرارا أدى إلى موت إنسان؟ لا ينبغي أن يكون جوابنا في كل مرة (الخوارزمية قررت).
الخوارزمية لا ينبغي أن تصبح اسما جديدا لإخفاء المسؤولية البشرية. ولهذا أعتقد أن المشكلة الحقيقية ليست أن الآلة بلا روح. نحن نعرف أننا نتعامل مع نظام تقني. المشكلة تبدأ عندما يمنح الإنسان هذا النظام سلطة الفعل، ثم يتراجع هو عند لحظة المساءلة ويقول إن الآلة هي التي قررت. عند تلك النقطة نكون قد ارتكبنا خطأ أخلاقيا مزدوجا. منحنا آلة لا تتحمل المسؤولية سلطة تؤثر في حياة البشر، ثم استخدمنا غياب مسؤوليتها لكي نتخلص نحن من مسؤوليتنا. ولهذا كلما ازدادت استقلالية الأنظمة الذكية ينبغي ألا تقل المسؤولية البشرية، بل ينبغي أن تصبح أوضح وأكثر قابلية للتتبع والمساءلة. قد نصل يوما إلى أنظمة تختلف بشكل جذري عما نعرفه اليوم، وعندئذ سيعاد فتح السؤال حول معنى الفاعل الأخلاقي نفسه. أما الآن فلا أرى سببا يجعلنا ننقل الذنب من الإنسان إلى الخوارزمية. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يدخل في سلسلة القرار، لكنه لا يمنح البشر حق الخروج من سلسلة المسؤولية.
 
المخيف والمتفائل
ث. ج: ما الذي يخيفك أنت منه؟
د. تحسين: تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تتنازعها اليوم رؤيتان متعارضتان؛ رؤية تهول من نتائجها وترسم أمامنا سيناريوهات الكارثة والانقراض وفقدان السيطرة، حتى لكأنها تردد العبارة التي وضعها (دانتي) على باب الجحيم في (الكوميديا الإلهية) (أيها الداخلون، تخلوا عن كل أمل). وفي الجهة الأخرى رؤية تهون من المخاطر وتستبشر بالذكاء الاصطناعي إلى درجة تكاد تجعله خلاصا تقنيا لمشكلات الإنسان، من المرض والفقر إلى الجهل ونقص الإنتاج وربما الشيخوخة والموت في بعض التصورات الأكثر تطرفا. أنا لا أجد نفسي في أي من الرؤيتين. لا ينبغي أن يقرأ مستقبل الذكاء الاصطناعي من خلال الخوف وحده، ولا أراه خلاصا ينتظر البشرية. التكنولوجيا لم تكن في يوم من الأيام قوة مستقلة عن الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة. نحن الذين نصممها ونمولها ونحدد مجالات استخدامها ونمنحها السلطة أو نضع لها الحدود. ولذلك فإن سؤالي ليس هل سيكون الذكاء الاصطناعي خير أم شر، بل ماذا سنفعل نحن بهذه القدرة الجديدة، وماذا ستفعل بنا عندما تصبح جزءا من حياتنا اليومية. لا أخاف من أن تستيقظ الآلة ذات صباح وتقرر القضاء علينا. ما يقلقني أكثر هو تحول هادئ يحدث أمامنا وربما يحدث داخلنا نحن. أخشى أن يتنازل الإنسان، بالتدريج ومن غير أن يشعر، عن بعض وظائف عقله. لقد صنع الإنسان الأدوات دائما لكي تعفيه من الجهد. الآلة أعفته من كثير من العمل العضلي، والسيارة اختصرت المسافة، والآلة الحاسبة تولت جانبا من الحساب، والحاسوب تولى معالجة المعلومات. لكن الذكاء الاصطناعي يدخل منطقة مختلفة. إنه يستطيع أن يقرأ عنا، ويلخص عنا، ويكتب عنا، ويقارن عنا، ويقترح عنا، وقد يتقدم أكثر في اتجاه أن يقرر عنا. وهنا تكمن المفارقة التي تشغلني. نحن نصنع آلة لكي توسع قدرات العقل، لكن الإفراط في الاعتماد عليها قد يؤدي إلى ضمور بعض القدرات التي أردنا توسيعها. ما يخيفني ليس أن يفكر الذكاء الاصطناعي، بل أن نتوقف نحن عن التفكير. أخشى أن يأتي جيل يجد من الطبيعي أن يسأل النظام قبل أن يسأل نفسه، وأن يطلب منه الرأي قبل أن يبني رأيه، وأن يكتفي بالملخص بدلا من قراءة الكتاب، وبالإجابة بدلا من رحلة البحث، وبالنتيجة بدلا من فهم الطريق الذي أوصل إليها. وعندئذ لا تكون المشكلة أن الآلة أصبحت أكثر ذكاء، بل أن علاقتنا بالمعرفة نفسها قد تغيرت. وهناك ما يقلقني أكثر، وهو أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة معرفية إلى سلطة معرفية. عندما كان الإنسان يقرأ كتابا كان يعرف مؤلفه، وحين يقرأ صحيفة يعرف المؤسسة التي نشرتها، وحين يستمع إلى أستاذ يستطيع أن يسأله ويجادله. أما النظام الذكي فيستطيع أن يقدم جوابا شديد الإقناع مركبا من فضاء معرفي هائل، بينما قد لا يعرف المستخدم مصادر كل ما جاء فيه، ولا ما استبعد منه، ولا الانحيازات الموجودة في البيانات والنماذج التي أسهمت في إنتاجه.
وعندما يصبح هذا النظام موجودا في الهاتف والمدرسة والجامعة والمستشفى ومكان العمل ومؤسسات الدولة، فإن المسألة لم تعد مجرد استعمال أداة. نحن أمام احتمال ظهور شكل جديد من السلطة المعرفية، سلطة لا تقول لنا بالقوة ما يجب أن نعتقده، بل تصبح هي المكان الأول الذي نذهب إليه لكي نعرف. وهنا يقع خوفي الحقيقي.
لكنني لا أريد أن يتحول هذا الخوف إلى موقف عدائي من التكنولوجيا، لأن ذلك يعيدنا إلى الرؤية الأولى التي بدأت بها. الخوف نفسه يمكن أن يصبح عائقا معرفيا مثلما يمكن للانبهار أن يصبح عائقا. المطلوب أن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي بعقل نقدي، لا بعقل مذعور ولا بعقل مفتون. لهذا فإن موقفي يقع بين نبوءة الجحيم ووعد الخلاص. الذكاء الاصطناعي ليس قدرا مكتوبا علينا، بل قوة حضارية ما زالت تتشكل، ونحن جزء من عملية تشكيلها. وإذا كان هناك شيء أخشاه بالفعل فهو ألا نشارك في هذا التشكيل، وأن نكتفي إما بالخوف من المستقبل أو انتظار خلاص يأتي منه. وفي الحالتين نكون قد تنازلنا عن مسؤوليتنا. ولهذا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس (ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالإنسان؟)، بل (أي إنسان نريد أن نكون في عصر الذكاء الاصطناعي؟). فمستقبل الإنسان لن تحدده قدرة الآلة وحدها، بل قدرتنا نحن على أن نبقى داخل هذا المستقبل فاعلين، ناقدين، مسؤولين، وقادرين على الاختيار.
 
ذاكرات ممتدة
ث. ج: ما يهمني منه الآن، وفي بلدنا العراق، الذي تعرضت ذاكرته الجماعية لكثير من الضياع والتلاعب الفوقي، كيف نحقق من خلاله ذاكرة ممتدة ومتعددة؟
د. تحسين: هذا السؤال يمسني بصورة خاصة، لأن العراق ربما يكون من البلدان التي تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي لا لكي يصنع لها ذاكرة، بل لكي يساعدها على استعادة ذاكرتها. وأتعمد هنا استعمال كلمة (استعادة)، لأن المشكلة العراقية ليست أننا بلا ذاكرة، بل أن ذاكرتنا موزعة وممزقة ومتنازع عليها. الحروب والانقلابات وتغير الأنظمة والهجرة ونهب المؤسسات وضياع الأرشيفات وإهمال الوثائق، إضافة إلى محاولات كل سلطة إعادة كتابة الماضي من زاويتها، جعلت أجزاء واسعة من الذاكرة العراقية موزعة بين المؤسسات والبيوت والمكتبات والصحف القديمة والصور والرسائل والتسجيلات، وبين عراقيين حملوا أرشيفاتهم الشخصية معهم إلى المنافي. ولهذا أميز بين التاريخ والذاكرة. التاريخ يحاول بناء معرفة نقدية بالماضي، أما الذاكرة فهي أوسع. إنها ما تحتفظ به الجماعات والأفراد عن حياتهم وتجاربهم ومدنهم وأحيائهم ومدارسهم ومهنهم وحروبهم وأفراحهم وخساراتهم. وفي بلد مثل العراق لا توجد ذاكرة واحدة، بل ذواكر كثيرة تتقاطع وتتعارض أحيانا. وهنا أرى فرصة كبيرة للذكاء الاصطناعي. تخيل لو استطعنا بناء أرشيف عراقي رقمي واسع، لا يخضع لرواية سياسية واحدة، نجمع فيه الصحف والمجلات والكتب والوثائق والصور والخرائط والرسائل والمذكرات والتسجيلات الصوتية والأفلام والشهادات الشفوية. ثم نستخدم الذكاء الاصطناعي لفهرسة هذه المادة وقراءتها وربط أجزائها واستعادة الأسماء والأماكن والأحداث الموجودة فيها. يمكن عندئذ لشخص يبحث عن بغداد في الأربعينيات، أو البصرة في الخمسينيات، أو الموصل في الستينيات، ألا يحصل على رواية واحدة جاهزة، بل يستطيع الوصول إلى الصحيفة والصورة والوثيقة والشهادة والمذكرات، وأن يرى الحدث نفسه من زوايا متعددة. هذه بالنسبة لي هي فكرة (الذاكرة الممتدة والمتعددة): ممتدة، لأنها تتجاوز حدود الذاكرة البشرية الفردية وحدود الجيل الواحد. الإنسان يموت، والشاهد يرحل، والصورة تضيع، والورق يتلف، لكن الأرشيف الرقمي يمكن أن يمتد عبر الأجيال. ومتعددة، لأنها لا تسمح لسلطة واحدة بأن تقول (هذه هي ذاكرة العراق). ذاكرة العراق ليست ذاكرة الحكومة وحدها، ولا الحزب، ولا الطائفة، ولا القومية، ولا العاصمة. إنها ذاكرة العراقي في بغداد والبصرة والموصل والنجف وكركوك وأربيل والناصرية والعمارة والرمادي وسواها. وهي أيضا ذاكرة اليهودي العراقي الذي غادر، والمسيحي الذي هاجر، والكردي والعربي والتركماني والأيزيدي والصابئي، وذاكرة من بقي ومن رحل، وذاكرة المرأة مثلما هي ذاكرة الرجل، وذاكرة الناس العاديين مثلما هي ذاكرة السياسيين والقادة. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنحنا للمرة الأولى قدرة تقنية على جعل هذه الذواكر المتباعدة قابلة للبحث والمقارنة والربط.
لكن هنا يظهر خطر ينبغي ألا نغفل عنه: الذكاء الاصطناعي نفسه يستطيع أن يصبح أداة جديدة للتلاعب بالذاكرة. فإذا كانت البيانات التي ندربه عليها منتقاة، أو إذا تركناه يقدم رواية واحدة بلا مصادر، فقد ننتقل من التلاعب الفوقي بالذاكرة إلى شيء ربما يكون أخطر، وهو التلاعب الخوارزمي بها. عندئذ لا تعود السلطة تقول لنا بصورة مباشرة كيف نتذكر الماضي، بل تفعل الخوارزمية ذلك من خلال ما تظهره وما تخفيه وما تضعه في المقدمة وما تتركه في الهامش. لذلك لا أريد من الذكاء الاصطناعي أن يكتب تاريخ العراق لنا. أريده أن يساعدنا على الوصول إلى مصادر تاريخنا. وهناك فرق جوهري بين الأمرين.
إذا سألت نظاما ذكيا عن حدث عراقي، فلا أريد منه أن يعطيني فقرة جميلة تبدو حاسمة وتنتهي المسألة. أريده أن يقول لي هذه الوثيقة، وهذه الصحيفة، وهذه الصورة، وهذه الشهادة، وهذه رواية الطرف الآخر، وهذه نقطة الخلاف بينها. عندئذ يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتوسيع الذاكرة لا سلطة تحدد مضمونها. وأتصور أن مشروع من هذا النوع ينبغي أن يقوم على مبدأ بسيط وهو أن تبقى الوثيقة الأصلية مرئية دائما. لا ينبغي أن ((يحل التفسير الخوارزمي محل المصدر)). وظيفة النظام أن يقودني إلى الوثيقة وأن يساعدني على فهم السياق والبحث والمقارنة، لا أن يطلب مني أن أثق بذاكرته هو. وهذا يقودني إلى جانب شخصي من الموضوع واعتقد تناقشنا أنا وانت في هذا سابقا. نحن من جيل يحمل في ذاكرته عراقا لم يعد موجودا بالصورة التي عرفناها. نتذكر أشخاصا وأماكن ومؤسسات وتفاصيل حياة يومية قد لا تعني شيئا للجيل الجديد، لكنها بعد عقود ستكون جزءا من المادة التي يحتاج إليها من يريد أن يفهم كيف عاش العراقيون وكيف تغير مجتمعهم. وإذا لم نسجل هذه الذاكرة الآن فسيرحل كثير منها معنا. الذكاء الاصطناعي يمنحنا إمكانيات لم تكن متاحة للأجيال السابقة. يمكن تسجيل الشهادات الشفوية وتحويلها إلى نصوص، وربط الأسماء بالأماكن والتواريخ، ومقارنة الروايات، واستعادة الوثائق القديمة، والتعامل مع ملايين الصفحات والصور التي يستحيل على فريق بشري صغير الإحاطة بها. لكن التقنية وحدها لا تصنع ذاكرة عادلة. نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي قبل أن يكون مشروعا تقنيا، وإلى مؤرخين وأمناء أرشيف ومكتبات وجامعات وصحفيين وأدباء وفنانين، وإلى العراقيين أنفسهم داخل العراق وخارجه. ربما يكون هذا أحد أجمل الاستخدامات التي أستطيع تصورها للذكاء الاصطناعي في العراق، ألا نطلب منه أن يخبر أبناءنا من كنا، بل أن نستخدمه لكي نحفظ لهم أكبر قدر ممكن من الأدلة والأصوات والذكريات، ثم نترك لهم حق القراءة والمقارنة والحكم. لقد عانى العراق طويلا من محاولة كل مرحلة أن تبدأ التاريخ من نفسها، وأن تعيد ترتيب ما قبلها بما يناسب روايتها. ربما تمنحنا التكنولوجيا اليوم فرصة معاكسة، أن نبني ذاكرة لا يستطيع طرف واحد امتلاكها. ذاكرة ممتدة لأنها تعبر الأجيال، ومتعددة لأنها تحفظ الاختلاف، ومفتوحة لأنها تسمح بالعودة إلى المصدر، ونقدية لأنها لا تطلب من العراقي أن يؤمن برواية واحدة. وإذا استطعنا تحقيق ذلك، فلن يكون الذكاء الاصطناعي قد صنع ذاكرة العراق، بل سيكون قد ساعد العراقيين على استعادة حقهم في ذاكرتهم.