حوار مع فتحي الفضل عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني

الثقافة الجديدة: لا يمكن فهم ما يحدث في السودان خلال السنوات الماضية دون استيعاب الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال المرحلة الأخيرة من عمر نظام “عمر البشير”، خصوصا بعد انفصال الجنوب وإنشاء دولة “جنوب السودان”.
فهل لكم رفيق فتحي الفضل ان تسلطوا الضوء على أبرز سمات هذه المرحلة؟
فتحي الفضل: بالتأكيد، لا يمكن بالفعل فهم ما جرى ويجري في السودان خلال السنوات الأخيرة بمعزل عن طبيعة المرحلة الأخيرة من عمر نظام عمر البشير، خاصة بعد انفصال جنوب السودان، لأن تلك المرحلة مثّلت تتويجًا تاريخيًا لأزمة بنيوية طويلة في الدولة السودانية، لا مجرد تعثر سياسي عابر. فقد كشف ما بعد الانفصال بصورة فاقعة طبيعة الدولة والاقتصاد اللذين أقامهما النظام طوال سنوات حكمه.
فعلى الصعيد الاقتصادي، دخل النظام في مأزق حاد بفقدانه الجزء الأكبر من عائدات النفط، وهو ما عرّى هشاشة الاقتصاد الريعي الطفيلي الذي اعتمد عليه، وأظهر عجزه عن الاستمرار دون موارد استثنائية. وبدلًا من أي مراجعة جذرية أو تحول في النهج الاقتصادي، لجأ النظام إلى تعميق السياسات نفسها التي راكمت الأزمة، عبر رفع الدعم، وتعويم العملة، والخصخصة، والتوسع في الديون، ما أدى إلى تفاقم الفقر والبطالة وتدهور مستوى المعيشة، دون أن يفتح أفقًا لتنمية حقيقية أو إنتاج وطني قادر على الاستدامة.
وفي الجانب الاجتماعي، أدت هذه السياسات إلى تعميق اختلالات تاريخية ظلت ملازمة لبنية الدولة السودانية منذ الاستعمار، حيث استمر التفاوت الحاد في توزيع الثروة والخدمات بين الأقاليم، وتسارعت عملية تفريغ الريف من سكانه، وتحويل الأرض والموارد الطبيعية إلى سلعة تخدم مصالح قوى محلية طفيلية ورأس المال الخارجي. وقد ساهم ذلك في تفجير النزاعات الاجتماعية والصراعات حول الأرض والموارد، وأعاد إنتاج التهميش والفقر في الأطراف على نطاق أوسع.
أما سياسيًا، فقد شكّل انفصال جنوب السودان لحظة كاشفة لفشل مشروع الدولة الذي أقامه نظام الإنقاذ. فالانفصال لم يكن حدثًا مفاجئًا أو طارئًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات الإقصاء والحرب والتفريط في وحدة البلاد، ولتحالفات النظام الخارجية التي أضعفت السيادة الوطنية وربطت مصير السودان بترتيبات إقليمية ودولية لا تخدم مصالح شعبه. وقد عمّق ذلك من أزمة الشرعية السياسية للنظام، وكشف عجزه عن إدارة التنوع وتحقيق السلام والاستقرار.
وبعد عام 2011، دخل النظام في أزمة حكم شاملة، عجز فيها عن الاستمرار بذات الأساليب القديمة، فلجأ إلى مزيد من القمع، وتوسيع رقعة الحروب في الأطراف، ومحاولات إعادة إنتاج نفسه عبر تسويات شكلية لا تمس جوهر الأزمة. غير أن هذه السياسات لم تؤدِّ إلا إلى تعميق التناقضات الاجتماعية والسياسية، وتهيئة الشروط الموضوعية لتصاعد المقاومة الجماهيرية، التي ستنفجر لاحقًا في شكل ثورة شاملة.
وعليه، فإن ما شهده السودان في السنوات الأخيرة من حكم نظام عمر البشير، خصوصًا في أعقاب انفصال الجنوب، لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة من الإخفاقات المعزولة أو الأخطاء الإدارية، بل باعتباره تعبيرًا مكثفًا عن أزمة بنيوية في طبيعة الدولة ونمط الاقتصاد القائم، أزمة جعلت الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي مخرجات منطقية لبنية الحكم نفسها، لا استثناءات عنها.
الثقافة الجديدة: مضت سبع سنوات ونصف السنة تقريبا على اندلاع ثورة 19 ديسمبر (كانون الاول) 2018. بعد مرور هذه السنوات، ما هي قراءتكم الآن لأحداث تلك الأشهر التي انتهت في 11 ابريل (نيسان) بسقوط نظام البشير؟ وعلى وجه الخصوص، ما هو تقييمكم لطبيعة القوى الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية التي ساهمت فيها خلال مراحلها المختلفة؟
فتحي الفضل: يمكن القول إن الأشهر الممتدة من ديسمبر 2018 وحتى سقوط رأس النظام في 11 أبريل 2019 لا تُقرأ بوصفها لحظة طارئة أو حدثًا منفصلًا عن سياقه، بل باعتبارها الذروة التاريخية لتراكم طويل من النضالات الاجتماعية والسياسية، وتجسيدًا مكثفًا لأزمة الدولة السودانية وبنيتها الطبقية. فما جرى آنذاك لم يكن مجرد انتقال من مطالب معيشية إلى مطالب سياسية، بل إعلانًا عمليًا لدخول قطاعات واسعة من الشعب، لأول مرة بهذا الاتساع والعمق، في مواجهة مباشرة مع طبيعة السلطة ونمط الحكم والاقتصاد الذي حكم السودان لعقود.
وقد حملت الثورة منذ بداياتها سمات نوعية جعلتها مختلفة عن سابقاتها. فقد اتسع نطاقها الجغرافي والاجتماعي بصورة غير مسبوقة، وخرجت من المركز إلى الأقاليم، ومن المدن الكبرى إلى المدن الصغيرة والريف، وشاركت فيها فئات عمرية واجتماعية متنوعة، مع حضور لافت للنساء والشباب. كما تميّزت بوحدة شعاراتها التي تجاوزت مطلب إسقاط رأس النظام، لتطرح بوضوح قضايا ظلت مؤجلة منذ الاستقلال، مثل إعادة توزيع السلطة والثروة، وإنهاء التهميش، وبناء دولة المواطنة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ووقف الحروب، واستعادة السيادة الوطنية.
القوة المحركة الأساسية لهذه الثورة كانت الجماهير الشعبية نفسها، لا بوصفها كتلة تلقائية، بل من خلال أشكال تنظيمية قاعدية أخذت في التبلور والتوسع، مثل لجان الأحياء، والتجمعات المطلبية، والتنظيمات المهنية. وقد شكّلت هذه الأشكال امتدادًا لتجارب نضالية سابقة، خاصة هبة سبتمبر 2013، التي كشفت هشاشة النظام وحدود الإصلاح من داخله، وأسهمت في ترسيخ قناعة متزايدة بضرورة بناء أدوات تنظيمية شعبية مستقلة. وفي هذا السياق، لعب الحزب الشيوعي السوداني دورًا فاعلًا في الدفع نحو العمل القاعدي، وفي تشجيع تكوين لجان المقاومة الشعبية منذ وقت مبكر، بوصفها تعبيرًا عن التنظيم الذاتي للجماهير، لا عن وصاية الأحزاب أو النخب السياسية.
في المقابل، شاركت في مسار الثورة قوى سياسية واجتماعية ذات مواقع ومصالح متباينة. فبينما انخرطت بعض هذه القوى في الحراك بدافع القناعة بضرورة التغيير الجذري، التحق بعضها الآخر بالثورة بعد أن أيقن استحالة بقاء النظام، وسعى منذ وقت مبكر إلى حصر أهدافها في حدود تغيير فوقي لا يمس جوهر الدولة ولا طبيعة الاقتصاد ولا شبكة المصالح الطبقية المتحكمة. هنا بدأ الصراع يتبلور داخل معسكر الثورة نفسه بين مسارين متمايزين: مسار ثوري يسعى إلى استكمال مهام الانتفاضة وصولًا إلى تفكيك النظام وبناء سلطة مدنية ديمقراطية كاملة، ومسار إصلاحي يهدف إلى احتواء الثورة عبر تسويات تعيد إنتاج السلطة بأشكال جديدة.
أما على مستوى مؤسسات الدولة، فإن سقوط البشير لم يكن تعبيرًا عن انحياز المؤسسة العسكرية للثورة، بل جاء بعد فشل أجهزة القمع في كسر الحراك الجماهيري، ما دفع اللجنة الأمنية للنظام إلى التضحية برأسه، حفاظًا على بنية الحكم نفسها. وقد شكّل المجلس العسكري، منذ لحظته الأولى، محاولة لقطع الطريق أمام تطور الانتفاضة نحو غاياتها النهائية، عبر تقديم انقلاب من داخل النظام في صورة استجابة لمطالب الشارع. وقد تكشّف هذا المسار لاحقًا بصورة دامية في مجزرة فض الاعتصام أمام القيادة العامة، التي كشفت حدود الشراكة مع العسكر وطبيعة الصراع على السلطة.
في هذا المناخ، لعبت التدخلات الإقليمية والدولية دورًا حاسمًا في مسار الثورة، لا بوصفها عاملًا طارئًا، بل كجزء من بنية الأزمة نفسها. فقد رأت قوى إقليمية بعينها، وعلى رأسها الإمارات والسعودية ومصر، في الثورة السودانية خطرًا على مصالحها وعلى نموذج الاستقرار القائم على السلطوية والتحالف مع العسكر. لذلك لم يكن هدف هذه القوى دعم انتقال ديمقراطي حقيقي، بل العمل على إدارة الثورة واحتوائها، عبر دعم مراكز القوة العسكرية، والضغط باتجاه تسويات تضمن انتقالًا مضبوطًا لا يخرج السودان من دائرة التبعية ولا يهدد شبكة المصالح القائمة. وقد تلاقت هذه الإرادة الخارجية مع مصالح قوى داخلية ليبرالية ومحافظة، راهنت على الحلول الفوقية والتوافقات النخبوية، وأسهمت، عن قصد أو دون قصد، في إفراغ الثورة من مضمونها الاجتماعي والطبقي. وبذلك لم يكن مشروع “الهبوط الناعم” مجرد خيار سياسي داخلي، بل تعبيرًا عن توازن إقليمي ودولي سعى إلى إعادة إنتاج السلطة القديمة بأدوات جديدة.
ومع تعمّق التجربة، خاصة خلال الفترة الانتقالية، تبيّن بوضوح محدودية العمل داخل التحالفات الفوقية، وعدم إمكانية إنجاز مهام الثورة من داخل مؤسسات دولة لم تُفكك بنيتها القديمة ولم يُمس جوهر سلطتها. في هذا السياق، جاء انسحاب الحزب الشيوعي السوداني من تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) بوصفه لحظة سياسية كاشفة وتحولًا استراتيجيًا واعيًا، لا مجرد خلاف تنظيمي أو موقف احتجاجي عابر. فقد أثبتت تجربة العمل داخل (قحت)، بما هي تحالف يجمع قوى متباينة المصالح والبرامج، عجزها البنيوي عن تحقيق التغيير الجذري، بل تحوّلها تدريجيًا إلى إطار لاحتواء الحراك الجماهيري وإعادة إنتاج السلطة القديمة تحت مسميات جديدة.
وعلى هذا الأساس، أعاد الحزب توجيه بوصلته بصورة حاسمة نحو العمل القاعدي المباشر، والانخراط في بناء الجبهة الجماهيرية العريضة والجذرية، بالتكامل والتضامن مع لجان المقاومة، والميثاق الثوري، والنقابات، والتنظيمات المهنية والاجتماعية، باعتبارها الحامل الحقيقي لمشروع التغيير، والتعبير الأصدق عن مصالح الجماهير وقوتها الفعلية في الصراع من أجل السلطة. ولم يكن هذا التحول قطيعة مع تاريخ الحزب، بل عودة واعية إلى جوهر تجربته التي انحازت، عبر مسيرتها الطويلة، إلى التنظيم الذاتي للجماهير لا إلى الترتيبات النخبوية أو الشراكات الهشة مع بنية الدولة القديمة.
ويمثّل هذا التوجه إحدى السمات الأبرز للمرحلة الراهنة من الصراع، حيث بدأت تتبلور تيارات جماهيرية عريضة قاعدية في أشكال تنظيمية تشبه، في جوهرها ووظيفتها، لجان المقاومة. وهي ليست نقلة تكتيكية مؤقتة، بل انعطافة سياسية تعكس استخلاصًا عميقًا لدروس الفترة السابقة، وإدراكًا متجددًا لطبيعة الصراع وشروط تغييره. فالتجربة أثبتت أن معركة التغيير لا تُحسم في غرف التفاوض ولا عبر التسويات الفوقية، بل عبر تنظيم القوة الشعبية وبناء أدواتها المستقلة القادرة على فرض ميزان قوى جديد.
ويعيد هذا التحول إلى الأذهان تجربة الحزب في ستينيات القرن العشرين، حين توصّل، بعد اختبار عملي لجبهة الأحزاب المعارضة آنذاك، إلى محدودية التحالفات النخبوية وعجزها عن إنجاز التحول الديمقراطي، فانسحب منها واتجه إلى تعميق عمله وسط النقابات، وحركة الطلبة والشباب، والنساء، والمزارعين. وقد شكّل ذلك التوجه آنذاك ركيزة أساسية لتوسيع القاعدة الاجتماعية للحركة الديمقراطية وتعزيز استقلالها. واليوم، يتكرر الدرس في سياق تاريخي مختلف ولكن بالمنطق نفسه: الانحياز للجماهير وتنظيمها في مواقعها الطبيعية هو الشرط الضروري لاستعادة مسار الثورة، وحمايته من الاحتواء، وقطع الطريق أمام محاولات اختطافه من الداخل أو الالتفاف عليه من الخارج.
ومع أن الثورة نجحت في إسقاط رأس النظام وكشفت هشاشة الدولة القديمة، فإنها لم تنجح في حسم مسألة السلطة لصالح الجماهير، بسبب اختلال ميزان القوى، والانقسامات داخل القوى المدنية، والقبول بتسويات مع مؤسسات النظام القديم. وقد فتح ذلك الباب لاحقًا لإعادة إنتاج الأزمة بأشكال أكثر عنفًا، وصولًا إلى الحرب الكارثية الراهنة. ومع ذلك، تظل ثورة ديسمبر لحظة تأسيسية في التاريخ السوداني المعاصر، لأنها أعادت طرح سؤال الدولة والسلطة من منظور شعبي، وكسرت حاجز الخوف، وراكمت خبرات تنظيمية عميقة، وأكدت أن التغيير الجذري ليس وهمًا، بل إمكانية تاريخية قائمة. وقراءة تلك المرحلة اليوم ينبغي أن تكون قراءة نقدية واعية، تستخلص الدروس حول طبيعة الصراع، وحدود الإصلاح من داخل النظام، وأهمية الاستقلال السياسي والتنظيمي للجماهير في معركة التغيير المقبلة.
الثقافة الجديدة: يعد الحراك السياسي والاجتماعي، للفترة من أبريل (نيسان) 2019 ولغاية اندلاع الحرب على السلطة 2023، ضبابيا نوعا ما. ربما يعود ذلك الى الانشغال بقضايا أخرى: اندلاع انتفاضة تشرين في العراق وتظاهرات في لبنان في عام 2019؛ ثم جاءت سنة الوباء 2020 وما تلاها من أزمات اقتصادية؛ فاقتحام مؤيدي ترامب مبنى الكابيتول مطلع 2021؛ وصولا الى “الحرب” الروسية الأوكرانية في شباط 2022 والانشغال العالمي بها.
هل لكم رفيق ان ترسموا لقرائنا لوحة زمنية توضحوا فيها أبرز التحولات في موازين القوى السياسية والعسكرية والمؤسساتية في السنوات الأربع منذ ابريل (نيسان) 2019 ولغاية اندلاع الحرب في ابريل (نيسان) 2023؟
فتحي الفضل: يمكن فهم الضبابية التي أحاطت بالحراك السياسي والاجتماعي في السودان منذ أبريل 2019 وحتى اندلاع حرب أبريل 2023 إذا ما نُظر إلى هذه السنوات بوصفها امتدادًا لصراع أعمق وأقدم بين تيارين متناقضين: تيار معادٍ للثورة يسعى إلى إعادة إنتاج الدولة القديمة بأشكال جديدة، وتيار ثوري جذري يعمل على تفكيك هذه الدولة وبناء سلطة شعبية بديلة من أسفل. ولم تكن هذه الفترة مرحلة انتقال هادئ أو إدارة مؤقتة للخلافات، بل كانت مرحلة صراع مكتوم ومفتوح في آن واحد، جرى خلالها إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة والمجتمع على حساب المشروع الثوري.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى بعد أبريل 2019 عمّا سبقه. فالدور الذي لعبه الحزب الشيوعي السوداني في التيار الثوري لم يبدأ مع سقوط رأس النظام، بل تبلور تدريجيًا منذ سنوات، خاصة بعد هبة سبتمبر 2013 التي كشفت هشاشة النظام وعجزه البنيوي، وأظهرت في الوقت نفسه حدود الرهان على التغيير من داخل مؤسساته. وقد مثّل موكب يناير 2018 الذي دعا إليه الحزب لحظة مفصلية في تصاعد الفعل الثوري، إذ شكّل بداية عملية لتجميع القوى الشعبية في الشارع، ومهّد الطريق لانفجار ثورة ديسمبر 2018.
وقبل ذلك، كان الحزب قد شرع منذ عام 2010 في الدفع نحو تكوين لجان المقاومة الشعبية بوصفها تنظيمات قاعدية مستقلة، لا تخضع لهيمنة الأحزاب الليبرالية الفوقية ولا لمنطق التسويات النخبوية. وقد تعمّدت هذه اللجان أن تتكوّن في الأحياء وأماكن العمل والدراسة، مستندة إلى تجربة العمل الجماهيري المباشر، وهو ما ظهر بوضوح في هبة سبتمبر 2013، حين لم يتردد الحزب في ضبط تحالفاته والانحياز للجماهير، متمسكًا بخط قوى الإجماع الوطني، حتى بعد مغادرة أبرز الأحزاب الليبرالية له، ورفضه الانخراط في تحالف نداء السودان ومحادثات أمبيكي مع النظام في عام 2016، وهي المحادثات التي لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام، بل إلى إعادة تأهيله عبر صيغة “الهبوط الناعم.”
بعد سقوط رأس النظام في أبريل 2019، لم تنتقل السلطة فعليًا إلى قوى الثورة، بل أُعيد تموضعها داخل بنية النظام نفسه عبر اللجنة الأمنية، التي احتفظت بأدوات العنف والقرار والسيادة. ورغم الزخم الجماهيري غير المسبوق الذي فرضته الانتفاضة والاعتصام، ظل ميزان القوى مختلًا منذ البداية. وقد كشفت مجزرة فضّ الاعتصام أمام القيادة العامة بوضوح طبيعة هذا الخلل، وأكدت أن الشراكة مع العسكر لم تكن سوى غطاء لإعادة إنتاج السلطة القديمة. في المقابل، دخلت قوى مدنية، ضمن تحالف قوى الحرية والتغيير، في معادلة تفاوض غير متكافئة، انتهت إلى الوثيقة الدستورية التي منحت العسكريين شرعية داخلية وخارجية، وأفرغت مطلب السلطة المدنية الكاملة من مضمونه.
خلال الفترة الانتقالية، تعمّقت الانقسامات داخل المعسكر المدني نفسه، على أسس طبقية وسياسية واضحة. فبينما تمسّك التيار الثوري، وفي قلبه الحزب الشيوعي ولجان المقاومة وحلفاؤهما، بخيار التغيير الجذري وبناء جبهة جماهيرية عريضة قاعدية، راهنت قوى ليبرالية متذبذبة على التسويات الفوقية واللقاءات النخبوية، وانخرطت في مؤسسات الدولة قبل أن تكتشف، عمليًا، استحالة التغيير من داخل نظام لم تُفكك أجهزته ولم تُمسك فيه السلطة الحقيقية. وقد مثّل اتفاق جوبا مثالًا صارخًا على هذا التذبذب، إذ أعاد إدماج قوى مسلحة في بنية السلطة دون تغيير طبيعتها، وأسهم في مزيد من التفكك داخل المعسكر المدني.
في الخلفية، لعبت التدخلات الإقليمية والدولية دورًا مركزيًا في احتواء الثورة ثم إحباط الفترة الانتقالية. فقد سعت دول بعينها – وعلى رأسها الإمارات والسعودية ومصر – إلى حماية بنية النظام القديم، سواء قبل انتصار الانتفاضة في ديسمبر 2018 أو بعدها، عبر دعم أطراف عسكرية بعينها، والضغط باتجاه تسويات تضمن الاستقرار الشكلي وتمنع التغيير الجذري. وقد تواصل هذا الدور خلال الفترة الانتقالية، ثم ازداد وضوحًا مع انقلاب 25 أكتوبر، وصولًا إلى الحرب الجارية، حيث تحوّلت بعض دول الجوار، مثل تشاد وجنوب السودان، إلى أطراف فاعلة بالوكالة، متجاوزة كل الأطر الإقليمية المعلنة، من جامعة الدول العربية إلى الاتحاد الأفريقي، وحتى الروابط الاجتماعية والقبلية العابرة للحدود.
مع دخول عام 2021، كانت موازين القوى قد مالت بوضوح لصالح التحالف العسكري –الاقتصادي المدعوم خارجيًا. تفككت التحالفات المدنية، وانهارت تحت ضغط العسكر واشتراطاتهم، وهرولت قوى ليبرالية للاحتماء بهذا الطرف العسكري أو ذاك، قبل أن تعيد إنتاج نفسها في تحالفات بأسماء جديدة، وهي ظاهرة لا تزال مستمرة حتى اليوم، مقرونة بالارتهان للحلول الخارجية، سواء في أوروبا أو غيرها. أما انقلاب 25 أكتوبر، فلم يكن قطيعة مع مسار الشراكة، بل تتويجًا منطقيًا له.
من هذا المنظور، فإن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن حدثًا مفاجئًا أو معزولًا، بل النتيجة المنطقية لمسار طويل من تفريغ الثورة، وإعادة إنتاج الدولة على أساس القوة المسلحة والتدخل الخارجي، لا على أساس الإرادة الشعبية. وهكذا، فإن السنوات الأربع بين أبريل 2019 وأبريل 2023 لم تكن مرحلة غموض، بل مرحلة إعادة بناء واعية لموازين القوى ضد الثورة. وقراءة هذه المرحلة اليوم تؤكد أن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يتم عبر تسويات جديدة، بل فقط عبر استعادة المشروع الثوري الجذري، وبناء جبهة جماهيرية قاعدية مستقلة تعيد طرح مسألة السلطة والدولة من منظور مصالح الجماهير، لا منطق التسويات الفوقية أو الوصاية الخارجية.
الثقافة الجديدة: هل لكم رفيق فتحي ان توضحوا الخلفيات السياسية والاجتماعية التي انبثقت منها قوات الرد السريع؟ وما الذي يجمعها بمليشيات الجنجويد؟
فتحي الفضل: لفهم نشأة قوات الدعم السريع وما يجمعها بمليشيات الجنجويد، لا بد من العودة إلى تاريخ أقدم بكثير من حرب دارفور ومن نظام الإنقاذ نفسه، لأن ظاهرة المليشيات في السودان ليست طارئة ولا استثناءً، بل هي نتاج مسار طويل ارتبط بأزمة الدولة السودانية وعجزها المزمن عن بناء جيش وطني موحد، وإدارة الصراع السياسي والاجتماعي بوسائل مؤسسية. هذا المسار تشكّل عبر عقود، وتداخلت فيه العوامل الداخلية مع الإقليمية والدولية، قبل أن يبلغ ذروته في تجربة الجنجويد ثم قوات الدعم السريع.
منذ سبعينيات القرن الماضي، لعبت الحروب الإقليمية دورًا محوريًا في عسكرة غرب السودان. فالصراع بين ليبيا وتشاد، خاصة في عهد معمر القذافي، حوّل الإقليم إلى ساحة مفتوحة للسلاح والمقاتلين المرتزقة، وأسهم في تفكيك الحدود الوطنية عمليًا، وربط العنف بالاقتصاد السياسي للمنطقة. في هذا السياق نشأت شبكات تسليح وتنقل مسلح عابرة للحدود، وتحول القتال إلى مورد للعيش والنفوذ، والسلاح إلى وسيلة للترقي الاجتماعي والسياسي. لم يكن السودان معزولًا عن هذه الدينامية، بل أصبح جزءًا منها، خصوصًا في دارفور وكردفان، حيث سبق السلاح الدولة، وتقدّم الانتماء المسلح على الانتماء الوطني.
في الداخل، لم تكن الدولة السودانية ضحية لهذا المسار فحسب، بل كانت طرفًا فاعلًا فيه. فقد لجأت أنظمة حكم متعاقبة، في لحظات ضعفها أو مواجهتها لمعارضين سياسيين أو مسلحين، إلى تسليح مجموعات محلية وقبلية، والسماح لها بمهاجمة خصوم النظام أو حماية نفوذه في الأطراف، مقابل الغنائم أو الامتيازات أو التغاضي عن الانتهاكات. بهذا المعنى، لم تكن المليشيا انحرافًا عن منطق الدولة، بل أداة غير رسمية داخل منطق السلطة، تعمل خارج القانون، ولكن في خدمته.
الخطورة الجوهرية في هذا المسار لم تكمن فقط في وجود المليشيات، بل في المبدأ الذي حكم استخدامها، وهو شرعنة العنف مقابل الغنيمة. حين يُربط السلاح بالنهب، وتُمنح السيطرة على الأرض والموارد بوصفها مكافأة على القتال، يتحول العنف إلى اقتصاد، وتصبح الحرب نمطًا للحياة لا مجرد وسيلة سياسية. هذا المنطق لم يختفِ، بل أعيد إنتاجه لاحقًا تحت مسميات مختلفة، ولا يزال حاضرًا اليوم في الحرب الجارية، حيث يُستدعى العنف الأهلي خارج أي إطار وطني، ويُقدَّم بوصفه دفاعًا أو “فزعًا”، بينما هو في جوهره استمرار لتفكيك الدولة من الداخل.
في هذا السياق التاريخي والاجتماعي اندلعت حرب دارفور مطلع الألفية الجديدة. الجنجويد لم ينشأوا من فراغ، بل من تفاعل هذا الإرث الطويل مع ظروف دارفور الخاصة، من تهميش مزمن، وتفكك الإدارة الأهلية، وتصاعد الصراع على الأرض والموارد. وقد اتخذ الصراع، منذ بداياته، صبغة قبلية بين ما عُرف اصطلاحًا بـ«العرب» و«الزرقة»، وهي صبغة أخفت في جوهرها الصراع الحقيقي حول الأرض والحواكير ووسائل العيش، وسهّلت توظيف العنف على أساس الهوية لتبرير سياسات الأرض المحروقة والتهجير القسري والإبادة الجماعية.
ولم تكن هذه الصبغة القبلية معزولة عن أيديولوجيات أوسع للتفوق العرقي، جرى إنتاجها وتغذيتها عبر عقود، سواء من خلال ما عُرف بـ«التجمع العربي» في حقبة القذافي، أو لاحقًا عبر تشكيلات مثل «حلف قريش 1 و2» وشخصيات دعوية – سياسية مثل الشيخ ابن عمر، وصولًا إلى محاولات تجميع شتات قبائل عربية تمثل أقليات في دول الساحل الأفريقي، كتشاد ومالي والنيجر وليبيا والكاميرون وغيرها. هذه الأيديولوجيات لم تكن وليدة اللحظة، بل امتدادًا لأحلام قديمة بما سُمي «دولة البيضان»، وهي أحلام غذّاها الاستعمار الفرنسي في الساحل، كما غذّاها الاستعمار البريطاني عبر سياساته في تقسيم القبائل السودانية والتشادية على جانبي الحدود الدولية، بما حوّل الحدود إلى خطوط إدارية لا تعكس الواقع الاجتماعي، وسهّل توظيف الهويات العابرة للدولة في الصراعات المسلحة.
العامل الحاسم في تحوّل الجنجويد إلى قوة تدميرية واسعة التأثير كان قرار الدولة بتسليحهم واستخدامهم كأداة حرب بالوكالة، بدل مواجهة الأزمة سياسيًا أو عبر مؤسسة عسكرية وطنية منضبطة. فقد احتفظت الدولة بالقرار، وتخلّت عن المسؤولية، واستخدمت مليشيات محلية لتنفيذ سياسات الأرض المحروقة، ثم أنكرت صلتها بها. ومع تصاعد الضغوط الدولية وتدويل ملف دارفور، لم تتجه السلطة إلى تفكيك هذه المليشيات، بل إلى إعادة إنتاجها في صيغة أكثر تنظيمًا.
قوات الدعم السريع جاءت بوصفها المرحلة الأكثر تطورًا وخطورة في هذا المسار. فهي لم تمثل قطيعة مع الجنجويد، بل امتدادًا مباشرًا لهم من حيث القاعدة الاجتماعية، والوظيفة السياسية، ومنطق العمل. الجديد كان إدخال هذه القوة المليشياوية إلى قلب الدولة نفسها، ومنحها غطاءً قانونيًا، وربطها مباشرة برأس السلطة، ثم السماح لها بالتمدد داخل العاصمة، ورفع عدد قواتها، وتمركزها في مواقع استراتيجية، مع انتقال كوادر من الجيش والأمن إليها، قبل انتفاضة ديسمبر وبعدها، في سياق أضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وعمّق ازدواجية السلاح.
هذا التحول تعزّز بصورة حاسمة عبر العوامل الخارجية، خاصة مشاركة قوات الدعم السريع في حرب اليمن. فقد ارتبط نمو هذه القوات ارتباطًا مباشرًا بالتمويل الضخم الذي وفرته كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في تلك الفترة، ما سمح برفع مستوى التسليح، والإعداد، والعدة، وبناء قوة عسكرية ذات موارد مستقلة عن الدولة. هذا الاستخدام الخارجي رسّخ منطق الجيش المأجور، وربط القتال بالعائد المالي، ومنح الدعم السريع نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا خارج أي رقابة وطنية.
إلى جانب ذلك، أُعيد تسويق الدعم السريع دوليًا بوصفه قوة قادرة على ضبط الهجرة غير النظامية، خاصة في إطار التعاون مع الاتحاد الأوروبي، ما منح قوة نشأت في سياق حرب داخلية دور “حارس الحدود” بالنيابة عن أوروبا، وساهم في تطبيع وجودها كفاعل أمني مقبول خارجيًا. وفي الوقت نفسه، لعب التحكم في الموارد الاقتصادية، وعلى رأسها الذهب، دورًا حاسمًا في صعود هذه القوات، حيث تحولت السيطرة على مناجم استراتيجية مثل جبل عامر إلى ركيزة أساسية لبناء سلطة مستقلة، تربط السلاح بالذهب، والعنف بالتراكم.
خلال الحرب الراهنة، تكرّس هذا البعد الخارجي بصورة أكثر وضوحًا، إذ تلقت قوات الدعم السريع دعمًا إقليميًا ودوليًا بأشكال متعددة، سواء عبر المال أو السلاح أو الغطاء السياسي والإعلامي، في إطار صراعات نفوذ لا علاقة لها بمصلحة السودان أو شعبه. وفي المقابل، جرى تسويق الحرب إعلاميًا بوصفها صراعًا داخليًا مجردًا، مع تجاهل السياق البنيوي الذي صنع هذه القوى المسلحة ومكّنها من التمدد.
ولا يمكن الحديث عن نشأة ودور قوات الدعم السريع من دون التوقف عند سجل العنف الواسع الذي ارتبط بها، سواء في دارفور أو في مسار الحرب الحالية، من قتل جماعي، وتهجير قسري، وعنف جنسي، وتدمير للقرى، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات. هذه الانتهاكات لم تعد محل خلاف، بل وثقتها تقارير دولية متعددة، وأكدت أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
إن أي مسار جاد للخروج من الحرب لا يمكن أن يتجاوز مسألة المحاسبة، لأن الإفلات من العقاب كان أحد الأسباب البنيوية التي سمحت بتكرار العنف وتوسّعه. كما أن قضية الأرض، التي كانت في قلب الصراع في دارفور وغيرها، لا يمكن التعامل معها كملف ثانوي، لأنها تمس جوهر العيش والهوية والاستقرار. من هنا، يصبح تفكيك البنية المسلحة غير النظامية، ونزع سلاحها، ومصادرة ما استولت عليه بالقوة من أراضٍ وموارد، ورد الحقوق إلى أصحابها، جزءًا لا يتجزأ من أي سلام حقيقي.
بهذا المعنى، فإن ظاهرة الجنجويد وقوات الدعم السريع ليست سوى التعبير الأشد عن تاريخ طويل من خصخصة العنف السياسي والحرب في السودان. فإن ظاهرة الجنجويد وقوات الدعم السريع ليست سوى التعبير الأشد عن تاريخ طويل من مليشنة السياسة والحرب في السودان، تاريخ تحوّل فيه العنف من أداة مؤقتة إلى بنية قائمة بذاتها. وتفكيك هذه الظاهرة لا يبدأ بحل قوة بعينها، بل بتفكيك المنطق الذي سمح بتعدد الجيوش، وشرعن العنف الأهلي، وربط السلطة بالسلاح لا بالإرادة الشعبية. دون ذلك، ستظل الأسماء تتغير، بينما يبقى الجوهر نفسه، وتبقى الحرب احتمالًا دائمًا في مستقبل السودان.
الثقافة الجديدة: للحزب الشيوعي السوداني قراءته الخاصة لطبيعة ومجريات الصراع الدموي في السودان، والذي سيدخل سنته الرابعة قريبا. وهي قراءة تتميز عن التبريرات السطحية الأخرى. فهي تحلل وتفسر، استنادا الى منهجية علمية وطبقية، أسباب الصراع انطلاقا من جذره الاجتماعي الاقتصادي.
هل لكم رفيق فتحي ان تقدموا لقرائنا القراءة التفصيلية للحزب الشيوعي السوداني لطبيعة الصراع في السودان الآن؟ قراءة توضح لنا فيها أيضا أشكال التدخل الأجنبي في الصراع، وكيف تدعم بعض الدول أحد طرفي الصراع ضد الطرف الآخر.
فتحي الفضل: في قراءة الحزب الشيوعي السوداني لطبيعة الصراع الدموي الدائر في السودان اليوم، ننطلق من أن ما يجري ليس حربًا أهلية ولا صراعًا اجتماعيًا بين مكونات الشعب، بل حرب سياسية طبقية مركبة، تُدار فوق أرض السودان بين مركزين مسلحين نشآ وتضخما داخل بنية دولة ريعية أمنية مختطفة، فشل تفكيكها بعد ثورة ديسمبر، وتحولت فيها أجهزة العنف إلى أدوات سلطة وتراكم اقتصادي. وهي في جوهرها صراع بين فصائل الرأسمالية الطفيلية السودانية، المرتبطة تاريخيًا بالدولة وبالاقتصاد الريعي وبشبكات التبعية الخارجية، حول من يقود الدولة، ومن يحتكر الثروة، ومن يسيطر على موارد البلاد ومنافذها ومراكز القرار فيها، بعد أن أخفقت قوى الهبوط الناعم، بدعم إقليمي ودولي، في احتواء الثورة وإنجاز انتقال يحفظ مصالح هذه الفئات دون تغيير جذري في بنية السلطة والثروة.
فهذه الحرب ليست انفجارًا عارضًا ولا خلافًا شخصيًا بين قادة عسكريين، بل تعبير مكثف عن تناقضات عميقة داخل معسكر الثورة المضادة نفسه، بين قوى راكمت ثرواتها عبر السلاح والجباية والتهريب وخصخصة العنف ونهب الموارد، وسعت خلال الفترة الانتقالية إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي – الاقتصادي القديم تحت شعارات الشراكة والتسوية والاستقرار. وعندما عجزت هذه الصيغة عن احتواء التناقضات المتراكمة، انفجرت في صراع مسلح مفتوح على قيادة الدولة وتوزيع الريع والامتيازات، ولو على حساب تدمير المجتمع والدولة ووحدة البلاد.
ولا يمكن فهم هذا الصراع بمعزل عن تاريخ طويل من التدخلات الخارجية في السودان، لم تكن يومًا محايدة أو طارئة، بل شكّلت عنصرًا بنيويًا في إعادة تشكيل الدولة السودانية ووظيفتها داخل الإقليم. فقد سعت هذه التدخلات، منذ عقود، إلى إضعاف المركز الوطني وتفكيك البلاد، وكان فصل جنوب السودان ذروة هذا المسار، بعد سنوات من تأجيج الحرب وتسليح المليشيات وتوفير مساحات الحركة والتمويل، وصولًا إلى اتفاقية نيفاشا التي قُدِّمت بوصفها “حلًا سلميًا”، بينما كانت في جوهرها حلًا قائمًا على البتر السياسي والمعالجة المجتزأة، دون تفكيك حقيقي لأسباب الصراع، ما أسهم في إعادة إنتاج الأزمة في أشكال جديدة.
وقبل ذلك، لعبت التدخلات الإقليمية دورًا بالغ الأثر في عسكرة غرب السودان، خاصة خلال فترة نظام القذافي، حين تحولت دارفور ومحيطها إلى ساحة مفتوحة للسلاح والمرتزقة والصراعات العابرة للحدود، وهو ما رسّخ منطق المليشيا، وقوّض الحدود الوطنية عمليًا، وأسهم في نشوء بنى عنف ظل أثرها ممتدًا حتى اليوم. هذا الإرث لم يُغلق، بل جرى استدعاؤه لاحقًا بأدوات جديدة، وفاعلين إقليميين ودوليين مختلفين، وفي سياقات أكثر تعقيدًا.
وفي الإطار الأوسع، تأتي الحرب الجارية اليوم باعتبارها حلقة ضمن صراع جيوسياسي أشمل يستهدف السيطرة على الساحل الإفريقي ومناطق النفوذ في البحر الأحمر، وقواعده وممراته الحيوية للتجارة الدولية والطاقة والملاحة. فالسودان، بحكم موقعه الاستراتيجي وموارده، ظل هدفًا دائمًا لمشاريع الهيمنة، وهو ما يفسر استمرار التدخلات الخارجية بأشكال عسكرية وأمنية وسياسية، تحت عناوين مثل “مكافحة الإرهاب” أو “ضبط الهجرة” أو “حفظ الاستقرار”، بينما هي في جوهرها إدارة للفوضى لا معالجتها.
وقد شهدت مرحلة ما بعد انتفاضة ديسمبر 2018 نمطًا جديدًا من التدخل الخارجي، اتخذ طابعًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا أكثر تركيبًا. فلم يعد التدخل يقتصر على الدعم غير المباشر أو إدارة الحروب بالوكالة، بل انتقل إلى محاولة هندسة مسار الانتقال نفسه. فقد سعت قوى إقليمية ودولية، على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الإمارات والسعودية ومصر، إلى احتواء الثورة عبر الضغط باتجاه تسويات سياسية تحافظ على جوهر بنية الدولة الأمنية – الاقتصادية، مع إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية بوصفها “ضامن الاستقرار.”
وفي هذا السياق، برز الدور الأمريكي والغربي لا عبر التدخل العسكري المباشر، بل من خلال إدارة العملية السياسية، وتكثيف الحضور الدبلوماسي والأمني خلال الفترة الانتقالية، وزيارات الوفود العسكرية والاستخباراتية، وربط الدعم الاقتصادي والسياسي بشروط تتعلق بإعادة دمج السودان في المنظومة الإقليمية والدولية وفق أولويات لا تنبع من مصالح جماهير الثورة. وقد تداخل هذا المسار مع ضغوط واضحة لدفع السودان نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني في إطار ما عُرف باتفاقيات أبراهام، بوصفه أحد “مفاتيح القبول الدولي”، وهو ما شكّل ابتزازًا سياسيًا استُخدم لتطويع السلطة الانتقالية وإضعاف استقلال قرارها.
أما على المستوى الإقليمي، فقد واصلت الإمارات والسعودية ومصر لعب أدوار مباشرة في دعم مراكز القوة العسكرية، كلٌّ وفق حساباته، سواء عبر المال أو العلاقات الأمنية أو الغطاء السياسي والإعلامي، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالنفوذ والموارد ومنع تحوّل الثورة السودانية إلى نموذج إقليمي مُعدٍ. وقد تلاقى هذا الدور مع مصالح قوى رأسمالية طفيلية داخلية، ما أسهم في تعطيل تفكيك بنية النظام القديم، وإفراغ الفترة الانتقالية من مضمونها، وصولًا إلى انفجار التناقضات داخل معسكر السلطة نفسه في حرب أبريل 2023.
وقد جرى كل ذلك ضمن مسار طويل من إجهاض الثورة عبر التسويات الهشة وسياسات الهبوط الناعم وفرض النهج النيوليبرالي، الذي أعاد إنتاج اقتصاد الريع، وعمّق الطابع الطفيلي للرأسمالية السودانية، وربط مراكز القوة العسكرية والأمنية بشبكات مصالح داخلية وخارجية تقوم على نهب الموارد والسيطرة على الذهب والأراضي والموانئ والمعابر والتجارة، وتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن جوهر الصراع هو صراع على جهاز الدولة ذاته، وعلى احتكار العنف المنظم، وعلى قيادة الاقتصاد الريعي التابع، وتحديد موقع السودان داخل منظومة التبعية، لا صراعًا بين المجتمع ومكوناته.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يرفض الحزب الشيوعي السوداني توصيف ما يجري بأنه حرب أهلية، لأن هذا الوصف يطمس الطبيعة الطبقية والسياسية للصراع، ويُخفي حقيقة أنه صراع بين فصائل رأسمالية طفيلية مسلحة على السلطة والثروة، ويحمّل المجتمع مسؤولية حرب لم يخترها، ويُساوي بين الضحية والجلاد. بينما يؤكد الواقع أن الشعب السوداني ليس طرفًا في هذه الحرب، بل هو ضحيتها الأولى، وأنها حرب عليه وعلى موارده وثورته ووحدته الوطنية. أما مظاهر الاستقطاب الأهلي والعنصري التي صاحبت الحرب، فهي ليست سببها، بل إحدى أدواتها، استُخدمت لتفكيك المجتمع وكسر وحدته، وخلق قواعد اجتماعية زائفة للصراع، وتسهيل تمرير مشاريع السيطرة والتبعية.
الثقافة الجديدة: يبدو أن العدوان الإسرائيلي على غزة، والجرائم التي ارتكبتها آلته العسكرية ضد المدنيين العزل، وما ارتبط به من صراعات أخرى كسقوط نظام بشار الأسد في سوريا او العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران وردّ الأخيرة؛ وفر فرصة للعديد من وسائل الاعلام خصوصا العربية كي تغض الطرف عما يجري في السودان، وان تتهاون في تغطية الجرائم التي تحدث فيه.
هل لكم رفيق فتحي ان توضحوا لنا الأسباب الحقيقية لابتعاد الكثير من وسائل الاعلام العربية عن تناول احداث السودان؟ بل وادعاء قسم منها “الحيادية!” بينما هي في طروحاتها، حول ما يجري في السودان، ابعد ما تكون عن الموضوعية؟
فتحي الفضل: في قراءة الحزب الشيوعي السوداني لمسألة ابتعاد كثير من وسائل الإعلام العربية عن تناول ما يجري في السودان، أو ادّعائها “الحياد” بينما تنحاز فعليًا في طرحها، لا يمكن فصل ذلك عن السياق السياسي - الاقتصادي الأوسع الذي يحكم بنية الإعلام العربي نفسه، ولا عن طبيعة الصراع الجاري في السودان وموقعه في خريطة الصراعات الإقليمية والدولية.
أولًا، إن العدوان الإسرائيلي على غزة، وما ارتبط به من جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين، ثم تداخل ذلك مع تطورات إقليمية أخرى مثل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، والتصعيد بين إيران وإسرائيل، قد وفّر بلا شك “مادة ساخنة” استُخدمت لتبرير تهميش ما يجري في السودان. لكن هذا التبرير، في نظرنا، ليس سوى غطاء سطحي؛ لأن الانتقائية في التغطية لم تبدأ مع حرب غزة، بل سبقتها منذ اندلاع الحرب في السودان نفسه، حين جرى التعامل معها كحدث ثانوي أو “نزاع داخلي معقّد” لا يستحق المتابعة الجادة.
ثانيًا، يعود هذا التجاهل إلى أن كثيرًا من وسائل الإعلام العربية ليست مستقلة، بل مرتبطة سياسيًا وماليًا بأنظمة ومحاور إقليمية هي نفسها أطراف فاعلة في الصراع السوداني، أو مستفيدة من استمراره. فالإعلام، في هذه الحالة، لا يعمل كناقل للوقائع، بل كجزء من منظومة الهيمنة الإقليمية التي تسعى إلى إدارة الصراعات لا كشف جذورها. ولذلك يصبح الصمت عن الجرائم في السودان، أو تسطيحها، جزءًا من حماية هذه المصالح، خصوصًا عندما تكون بعض الدول الداعمة لأطراف الحرب ممولة أو راعية لهذه المنصات الإعلامية.
ثالثًا، إن ادعاء “الحياد” الذي ترفعه بعض هذه الوسائل هو، في جوهره، حياد زائف. فالحياد الحقيقي يفترض تسمية الأشياء بأسمائها: حرب تُشن على شعب أعزل، جرائم ضد الإنسانية، صراع بين مراكز سلاح ورأسمالية طفيلية على السلطة والثروة. أما ما يحدث فعليًا فهو مساواة متعمدة بين الجلاد والضحية، واستخدام مصطلحات مضللة مثل “الاقتتال الداخلي” أو “الحرب الأهلية”، بما ينسجم مع الرواية التي تريد إخفاء الطابع الطبقي والسياسي للحرب، ونزع المسؤولية عن القوى المحلية والخارجية التي أشعلتها وتغذيها.
رابعًا، يرى الحزب الشيوعي السوداني أن تهميش السودان إعلاميًا مرتبط أيضًا بالخوف من نموذج ثورة ديسمبر نفسها. فهذه الثورة، بطابعها الجماهيري القاعدي، وبشعاراتها حول الحرية والسلام والعدالة، تمثل خطرًا رمزيًا على أنظمة عربية كثيرة، وعلى خطاب “الاستقرار” الذي تروّجه. لذلك لا يُراد للسودان أن يُقدَّم بوصفه ثورة أُجهضت بقوة السلاح والتدخل الخارجي، بل كبلد “غارق في الفوضى”، حتى لا تتحول تجربته إلى درس سياسي للشعوب الأخرى.
خامسًا، إن تغييب السودان عن التغطية الجادة يتكامل مع دور الإعلام في إعادة ترتيب الأولويات وفق أجندات دولية وإقليمية. فالقضية الفلسطينية، على عدالتها ومركزيتها، تُستعمل أحيانًا كستار لإسكات النقاش حول جرائم أخرى، لا لأن هذه الجرائم أقل فداحة، بل لأن كشفها يحرج حلفاء إقليميين ودوليين، ويعرّي طبيعة النظام الإقليمي القائم على الحروب بالوكالة ونهب الموارد وإدامة التبعية.
من هذا المنطلق، يؤكد الحزب الشيوعي السوداني أن المشكلة ليست في “تزاحم الأحداث” أو “إرهاق الأجندة الإخبارية”، بل في بنية إعلام عربي مُسَيَّس، منحاز طبقيًا وسياسيًا، يعكس مصالح مموليه وحلفائهم. ولذلك فإن معركة الحقيقة حول ما يجري في السودان هي جزء لا يتجزأ من معركة أوسع ضد التزييف الإعلامي، وضد تحويل الحياد إلى أداة لإخفاء الجرائم، وضد استخدام القضايا العادلة نفسها كوسيلة لطمس معاناة شعوب أخرى، وفي مقدمتها شعب السودان.
الثقافة الجديدة: أخيرا، هل لكم رفيق فتحي ان تقدموا لقراء مجلتنا رؤية الحزب الشيوعي السوداني حول كيفية إنهاء الحرب واستعادة الثورة وبناء البلد الذي دمرته الحرب؟
فتحي الفضل: ان رؤية الحزب الشيوعي السوداني تنطلق من قناعة راسخة مفادها أن هذه الحرب ليست قدرًا محتومًا، ولا شأنًا عسكريًا تقنيًا معزولًا عن سياقه، بل هي نتاج مسار سياسي واجتماعي واقتصادي مختل، جرى خلاله تعطيل إرادة الجماهير وإجهاض ثورة ديسمبر عبر تسويات هشة، واصطفافات داخلية متذبذبة، وتدخلات خارجية سعت إلى إدارة الأزمة لا حلّها. ومن ثم، فإن وقف الحرب لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن معالجة جذورها الحقيقية، ولا عبر حلول تُصاغ خارج إرادة الشعب أو تُفرض عليه من فوق، لأن الحرب في جوهرها حرب على الشعب السوداني نفسه، وهو وحده من يدفع ثمنها من دمه وموارده ومستقبله. لذلك فإن المصلحة المباشرة والعاجلة للجماهير تقتضي وقفها فورًا، لا عبر صفقات فوقية أو مساومات مؤقتة، بل عبر فعل جماهيري منظّم داخل السودان يفرض إرادته على أطراف الصراع وحلفائهم.
ويرى الحزب، كما أكدت وثائقه ومبادراته الأخيرة، أن المدخل الأساسي لإنهاء الحرب يتمثل في استعادة الدور القيادي للحركة الجماهيرية وبناء أوسع جبهة قاعدية تضم القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقية في الثورة: لجان المقاومة، والنقابات، والقوى الوطنية والديمقراطية، والتنظيمات المجتمعية في المدن والريف، وفي مناطق النزوح واللجوء، داخل البلاد وخارجها. فالتجربة التاريخية لشعبنا، كما برهنت عليها ثورات أكتوبر وأبريل وديسمبر، تؤكد أن الحلول المستوردة، مهما حسنت نواياها المعلنة، لا تستطيع أن توقف حربًا أو تصنع سلامًا مستدامًا إذا لم تستند إلى إرادة شعبية منظّمة وقادرة على الفعل. وعليه، فإن أي دور خارجي لا يمكن أن يكون إلا داعمًا ومكمّلًا لهذه الإرادة، لا بديلًا عنها أو وصيًا عليها.
وفي هذا الإطار، لا ينظر الحزب إلى استعادة الثورة بوصفها عودة رمزية لشعارات ديسمبر، بل باعتبارها مسارًا سياسيًا متكاملًا لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة: دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، واحترام الحقوق والحريات، وإخضاع كل مؤسسات العنف لسلطة مدنية ديمقراطية منتخبة. ومن هنا تبرز أهمية الإصلاح الجذري للمؤسسة العسكرية وبقية القوات النظامية، بما يضمن قيام جيش قومي مهني واحد، بعيد عن السياسة والاقتصاد، مع حلّ المليشيات وحصر السلاح في يد الدولة، على نحو يصون وحدة البلاد ويمنع إعادة إنتاج العنف ويقطع الطريق أمام تعدد الجيوش.
كما يؤكد الحزب أن أي حديث جاد عن بناء البلد بعد الحرب لا يستقيم دون ترسيخ مبدأ العدالة والمحاسبة ورفض الإفلات من العقاب. فالسلام الحقيقي لا يقوم على النسيان أو طيّ الصفحات بالقوة، بل على كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإنصاف الضحايا وجبر الضرر، وبناء دولة القانون التي يشعر فيها المواطن بأن كرامته مصونة وحقوقه محفوظة. وقد شددت وثائق الحزب على أن العدالة ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل شرطًا سياسيًا لمنع تكرار الجرائم وإعادة إنتاج الحروب.
وفيما يتصل بإعادة الإعمار، يشدد الحزب على أن القضية لا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب من بنى تحتية ومرافق، بل تشمل إعادة بناء نموذج التنمية نفسه. فالأزمة التي قادت إلى الحرب ارتبطت بسياسات اقتصادية عمّقت الفقر والتفاوت الاجتماعي، وأضعفت الدور الاجتماعي والإنتاجي للدولة، وربطت الاقتصاد الوطني بمراكز خارجية على حساب مصالح الشعب. لذلك فإن إعادة البناء المنشودة، في رؤية الحزب، هي إعادة إعمار قائمة على العدالة الاجتماعية، ودور فاعل للدولة في الإنتاج وتوفير الخدمات الأساسية، وتوجيه الموارد الوطنية، وخاصة الأراضي والذهب والطاقة، لخدمة غالبية المواطنين لا لمصلحة فئات محدودة.
ومن هذا المنطلق نفسه، يطرح الحزب مفهوم التحالف الجذري لا بوصفه بديلًا للجبهة الوطنية الديمقراطية، ولا صيغة تنافسها أو تنقضها، بل بوصفه امتدادًا حيًّا ومتجددًا لمنطقها الجماهيري في شروط تاريخية وسياسية جديدة. فالتحالف الجذري، كما يتصوره الحزب، ليس إطارًا حزبيًا فوقيًا، ولا تجمعًا نخبويًا يُبنى عبر التوافقات المغلقة، وإنما جسم سياسي – اجتماعي واسع يستند في قوته وتأسيسه إلى الجماهير القاعدية وتنظيماتها الحية، ويستمد شرعيته من الفعل الجماهيري المباشر لا من التمثيل الشكلي.
بهذا المعنى، يتجاوز التحالف الجذري أنماط التحالفات الفوقية التي طبعت جانبًا كبيرًا من تاريخ العمل السياسي في السودان، والتي كثيرًا ما اتسمت بالتذبذب والعجز عن مرافقة الانتفاضات والثورات حتى تحقيق أهدافها النهائية، إما بفعل الانقسامات الداخلية، أو بالارتهان للتسويات، أو بالخضوع لاشتراطات العسكر والتدخلات الخارجية. وهو لا ينطلق من منطق المحاصصة أو التوازنات الهشة، بل من وحدة المصالح الاجتماعية لقوى الثورة الحقيقية، ومن برنامج حدّ أدنى جذري يتكوّن من مطالب الجماهير نفسها، ويُعبَّر عنه عبر أدواتها التنظيمية في الأحياء ومواقع العمل والدراسة.
وفي هذا السياق، يستعيد الحزب خبرة جبهة الهيئات لا بوصفها نموذجًا تاريخيًا يُستعاد بحرفيته، بل باعتبارها مثالًا دالًا على قدرة التنظيمات القاعدية، حين تتوحد حول برنامج واضح، على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى قوة سياسية منظمة، قادرة على فرض ميزان قوى جديد ودفع مسار التغيير إلى الأمام. ومن هنا، فإن التحالف الجذري لا يمثّل قطيعة مع تراث الحركة الديمقراطية، بل تجديدًا عمليًا له، وانحيازًا واعيًا إلى التنظيم الذاتي للجماهير بوصفه الشرط الحاسم لاستكمال مهام الثورة وحمايتها من الاحتواء والاختطاف.
وأخيرًا، يربط الحزب بين إنهاء الحرب وحماية السيادة الوطنية، معتبرًا أن التدخلات الخارجية كانت، ولا تزال، عاملًا أساسيًا في تعقيد الصراع وإطالة أمده. ومن هنا يدعو إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على الندية وتبادل المنافع، وترفض سياسة المحاور والقواعد العسكرية الأجنبية، وتضع مصلحة السودان وشعبه فوق أي اعتبارات أخرى، انطلاقًا من أن استقلال القرار الوطني شرط لا غنى عنه لتحقيق سلام مستدام.
هذه، في مجملها، هي رؤية الحزب الشيوعي السوداني كما عبّرت عنها وثائقه ومبادراته الأخيرة: وقف الحرب بإرادة شعبية منظّمة تنبع من داخل السودان أولًا، واستعادة مسار ثورة ديسمبر، وبناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة، حتى لا تتحول هذه الحرب إلى حلقة جديدة في سلسلة إعادة إنتاج الأزمات، بل إلى لحظة فاصلة تفتح الطريق أمام سودان جديد يليق بتضحيات شعبه.