بسماية وتحولات السكن والعلاقات الاجتماعية: دراسة سوسيولوجية

مقدمة
لم تعد التحولات التي يشهدها السكن الحضري مقتصرة على تغير أشكال المباني أو تقنيات الإنشاء وأنماط استثمار الأرض، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان وبين السكان بعضهم ببعض. فالبيئة السكنية ليست إطارًا ماديًا محايدًا تجري داخله الحياة الاجتماعية، وإنما هي فضاء تتشكل فيه فرص اللقاء والتعارف والتواصل، وتتحدد عبر تنظيمه درجات القرب والخصوصية والحركة واستخدام المجال المشترك. ومن هذا المنظور، يصبح الانتقال من الحي التقليدي إلى المجمعات السكنية المخططة، ولا سيما السكن العمودي، تحولًا مكانيًا واجتماعيًا في آن واحد. فالقرب المكاني وتوافر أماكن مناسبة للاتصال يمكن أن يزيدا احتمالات اللقاء المتكرر، لكنهما لا ينتجان العلاقات الاجتماعية بصورة آلية؛ إذ يتداخل أثر التصميم مع خصائص السكان وأنماط حياتهم وعلاقاتهم السابقة(1).
وقد اكتسبت المجمعات السكنية أهمية متزايدة بوصفها نموذجًا يعيد تنظيم الحياة اليومية داخل وحدات مكانية مخططة تتوزع فيها الأبنية والخدمات وشبكات الحركة والفضاءات المفتوحة والمشتركة. ومن هنا تظهر مفارقة سوسيولوجية وعمرانية: فالكثافة السكانية والتجاور الفيزيائي اللذان يميزان كثيرًا من هذه المجمعات لا يؤديان بالضرورة إلى كثافة مماثلة في العلاقات الاجتماعية؛ إذ قد يعيش عدد كبير من السكان في حيز متقارب من دون أن يتحول ذلك تلقائيًا إلى شبكات جيرة متماسكة.
تكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في الحالة العراقية مع ظهور مشروعات سكنية واسعة النطاق تعتمد المجمع المخطط والسكن العمودي. وتمثل مدينة بسماية الجديدة حالة مناسبة لدراسة هذا التحول، ليس بسبب طبيعة تكوينها العمراني فحسب، بل لأن دراسات عراقية تناولت بالفعل العلاقة بين بيئتها السكنية والتفاعل الاجتماعي؛ إذ اتجهت إحداها إلى تقييم بسماية في ضوء مؤشرات تصميمية وتخطيطية يفترض أن تعزز التفاعل وتواجه الفصل الاجتماعي، فيما فحصت دراسة ميدانية أحدث التفاعل داخل مجمع A من خلال السكان أنفسهم(2).
غير أن دراسة بسماية من هذه الزاوية تستوجب الحذر من افتراض علاقة سببية مباشرة بين الشكل العمراني والعزلة. فضعف التفاعل لا يساوي بالضرورة العزلة الاجتماعية، كما أن التجاور المكاني لا يعني وجود مجتمع محلي مترابط. وتزداد أهمية هذا التمييز لأن العزلة تشير إلى جانب موضوعي يتعلق بمدى توافر العلاقات والاتصالات والشبكات الاجتماعية، في حين تشير الوحدة إلى خبرة ذاتية تتصل بكيفية إدراك الفرد لعلاقاته ومدى إشباعها لحاجاته وتوقعاته(3). ولذلك لا تفترض الورقة أن السكن في بسماية ينتج العزلة حتميًا، وإنما تسأل عن الكيفية التي يعيد بها التنظيم المكاني للمجمع تشكيل فرص اللقاء والتفاعل.
ويمتد هذا السؤال إلى علاقة المجمع بالمجال الحضري المحيط. فقد تجاوزت الأدبيات الحديثة حول المجتمعات المسوّرة التعريف الذي يحصر الظاهرة في السور والبوابة نحو مفهوم أوسع هو urban gating، وما يرتبط به من حدود مادية واجتماعية ودرجات متفاوتة من النفاذية والسيطرة والانفصال المكاني(4). ويتيح هذا المنظور دراسة بسماية من دون افتراض مسبق أنها تمثل نموذجًا مكتملًا للمجتمع المسوّر، مع فحص درجة اتصالها بالنسيج الحضري والاجتماعي الأوسع.
وعليه، تتعامل الورقة مع بسماية بوصفها حالة كاشفة لتحول أوسع في أنماط السكن الحضري، وتقرأ العلاقة بين المكان والتفاعل والعزلة من خلال تقاطع الأدلة المحلية مع الأدبيات العمرانية والسوسيولوجية المقارنة. ولا تنظر إلى البيئة المبنية باعتبارها سببًا حتميًا للسلوك الاجتماعي، بل بوصفها بنية تتيح بعض أشكال اللقاء وتقيّد أخرى، بحيث يصبح السؤال متعلقًا بالشروط المكانية والاجتماعية التي تسمح بتحويل التجاور السكني إلى تفاعل فعلي.
مشكلة البحث وأسئلته
تتمثل مشكلة البحث في المفارقة بين التقارب المكاني والتقارب الاجتماعي داخل المجمعات السكنية؛ فالسكن العمودي يجمع أعدادًا كبيرة من السكان في حيز متقارب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء علاقات جيرة وشبكات اجتماعية متماسكة. وتبرز الإشكالية في بسماية، حيث يقوم النمط السكني على الكثافة والتنظيم المسبق للكتل والفضاءات والخدمات، فيما جعلت دراسات أُنجزت عن المدينة التفاعل الاجتماعي ومدى تحقق شروطه التخطيطية والتصميمية موضوعًا للفحص(5).
ومن هنا تبحث الورقة في العلاقة بين التنظيم المكاني لبيئة بسماية وفرص التفاعل بين سكانها، من دون افتراض أن ضعفه يعني تلقائيًا وجود عزلة اجتماعية، وتمتد إلى علاقة المجمع بالمجال الحضري الأوسع، بما يسمح بالتمييز بين ضعف التفاعل، والعزلة الاجتماعية، والانفصال الاجتماعي-المكاني.
وينطلق البحث من السؤال الرئيس الآتي:
كيف يؤثر التنظيم المكاني والاجتماعي للمجمع السكني في بسماية في فرص التفاعل وبناء العلاقات بين السكان، وإلى أي مدى يمكن أن يرتبط ضعف هذه الفرص بالعزلة الاجتماعية أو الانفصال الاجتماعي – المكاني؟
ويتفرع عنه ثلاثة أسئلة:
ما الخصائص المكانية والتصميمية التي تعزز التفاعل أو تحد منه؟ وهل يتحول التجاور الفيزيائي والكثافة السكنية إلى علاقات اجتماعية فعلية؟ وإلى أي مدى تسمح الأدلة المتاحة عن بسماية بالانتقال من الحديث عن ضعف التفاعل إلى العزلة أو الانفصال الاجتماعي–المكاني؟
تتمثل مشكلة البحث في المفارقة بين التقارب المكاني والتقارب الاجتماعي داخل المجمعات السكنية؛ فالسكن العمودي يجمع أعدادًا كبيرة من السكان في حيز متقارب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء علاقات جيرة وشبكات اجتماعية متماسكة. وتبرز الإشكالية في بسماية، حيث يقوم النمط السكني على الكثافة والتنظيم المسبق للكتل والفضاءات والخدمات، فيما جعلت دراسات أُنجزت عن المدينة التفاعل الاجتماعي ومدى تحقق شروطه التخطيطية والتصميمية موضوعًا للفحص(5).
ومن هنا تبحث الورقة في العلاقة بين التنظيم المكاني لبيئة بسماية وفرص التفاعل بين سكانها، من دون افتراض أن ضعفه يعني تلقائيًا وجود عزلة اجتماعية، وتمتد إلى علاقة المجمع بالمجال الحضري الأوسع، بما يسمح بالتمييز بين ضعف التفاعل، والعزلة الاجتماعية، والانفصال الاجتماعي-المكاني.
وينطلق البحث من السؤال الرئيس الآتي:
كيف يؤثر التنظيم المكاني والاجتماعي للمجمع السكني في بسماية في فرص التفاعل وبناء العلاقات بين السكان، وإلى أي مدى يمكن أن يرتبط ضعف هذه الفرص بالعزلة الاجتماعية أو الانفصال الاجتماعي – المكاني؟
ويتفرع عنه ثلاثة أسئلة:
ما الخصائص المكانية والتصميمية التي تعزز التفاعل أو تحد منه؟ وهل يتحول التجاور الفيزيائي والكثافة السكنية إلى علاقات اجتماعية فعلية؟ وإلى أي مدى تسمح الأدلة المتاحة عن بسماية بالانتقال من الحديث عن ضعف التفاعل إلى العزلة أو الانفصال الاجتماعي–المكاني؟
الإطار المفاهيمي والنظري
تقوم الورقة على افتراض أن العلاقة بين البيئة المبنية والحياة الاجتماعية ليست حتمية مباشرة؛ فالتصميم العمراني لا ينتج بذاته مجتمعًا متماسكًا أو معزولًا، لكنه يستطيع توسيع أو تضييق فرص التفاعل التي تتشكل من خلالها العلاقات. ومن ثم يُنظر إلى المجمع السكني بوصفه تنظيمًا للمكان يحدد أنماط الحركة ودرجات القرب ومواقع العبور والتوقف والعلاقة بين المجالين الخاص والمشترك. وتفيد الأدبيات بأن القرب المكاني والفضاءات الملائمة للقاء يزيدان احتمالات الاتصال المتكرر، مع بقاء أثرهما متداخلًا مع الخصائص الاجتماعية والشخصية للسكان(6).
ويمثل التفاعل الاجتماعي المفهوم الأول في هذا الإطار، ويقصد به أشكال الاتصال المتبادل التي تنشأ بين السكان من خلال اللقاء والتواصل والمشاركة في الحياة اليومية. وقد تبدأ هذه العملية بلقاءات عابرة ومتكررة في المداخل والممرات والمصاعد والحدائق وأماكن الجلوس والخدمات، تتطور منها المعرفة المتبادلة وعلاقات الجيرة. لذلك لا تصبح الفراغات المشتركة «اجتماعية» لمجرد وجودها في المخطط، بل بقدر قدرتها على جذب السكان وإتاحة الاستخدام المتكرر واللقاء بينهم. وتبين الدراسات أن إهمال المتطلبات الاجتماعية في تصميم الفراغات الخارجية قد يضعف فعاليتها، فيما تربط دراسة بسماية تحسين التفاعل بعناصر تصميمية وتخطيطية تزيد فرص اللقاء(7).
أما العزلة الاجتماعية فلا تستخدم مرادفًا لقلة الاختلاط أو الشعور بالوحدة؛ فهي تتعلق بالبعد الموضوعي لضعف العلاقات والروابط، وتقاس بعناصر مثل حجم الشبكة الاجتماعية وقرب العلاقات وتواتر الاتصال بالأقارب والأصدقاء. وفي المقابل تمثل الوحدة خبرة ذاتية تتصل بإحساس الفرد بعدم كفاية علاقاته من حيث الكم أو النوع(8). وتمنع هذه التفرقة استنتاج وجود العزلة في بسماية بمجرد العثور على ضعف في بعض صور التفاعل أو الاستخدام المحدود للفضاءات المشتركة.
ويرتبط بذلك السكن العمودي بوصفه تنظيمًا يعيد توزيع القرب والمسافة؛ فالتقارب لا يتحقق في الشارع والساحة فقط، بل رأسيًا بين الطوابق وعبر المصاعد والسلالم والردهات والممرات. ولذلك لا تكفي الكثافة وحدها لتفسير مستوى التفاعل، بل يتعلق الأمر أيضًا بقدرة مسارات الحركة والمساحات الانتقالية على توفير فرص اللقاء.
وأخيرًا، تستخدم الورقة مفهوم الانفصال الاجتماعي–المكاني لفحص العلاقة بين التجمع السكني والمدينة، وكيفية إنتاج الحدود والاتصال والانقطاع بين الداخل والخارج. ويفيد مفهوم urban gating في تجاوز اختزال الفصل المكاني في السور والبوابة، والنظر إليه بوصفه درجات متفاوتة من ضبط المجال والنفاذ إليه. ولا يعني استخدام المفهوم تصنيف بسماية مسبقًا باعتبارها Gated Community، بل يوفر أداة لفحص مقدار اتصالها بالنسيج الحضري والاجتماعي الأوسع. وعلى هذا الأساس يقوم النموذج التحليلي على سلسلة مترابطة ولكن غير حتمية:
التنظيم المكاني ← فرص اللقاء ← أنماط التفاعل الاجتماعي ← تكوين العلاقات والشبكات ← احتمالات الاندماج أو العزلة.
مع مستوى آخر يتعلق بعلاقة المجمع بمحيطه، أي الاتصال أو الانفصال الاجتماعي–المكاني . وبذلك تصبح البيئة المبنية عاملًا وسيطًا في تشكيل الحياة الاجتماعية، لا سببًا منفردًا يحدد نتائجها مسبقًا.
تقوم الورقة على افتراض أن العلاقة بين البيئة المبنية والحياة الاجتماعية ليست حتمية مباشرة؛ فالتصميم العمراني لا ينتج بذاته مجتمعًا متماسكًا أو معزولًا، لكنه يستطيع توسيع أو تضييق فرص التفاعل التي تتشكل من خلالها العلاقات. ومن ثم يُنظر إلى المجمع السكني بوصفه تنظيمًا للمكان يحدد أنماط الحركة ودرجات القرب ومواقع العبور والتوقف والعلاقة بين المجالين الخاص والمشترك. وتفيد الأدبيات بأن القرب المكاني والفضاءات الملائمة للقاء يزيدان احتمالات الاتصال المتكرر، مع بقاء أثرهما متداخلًا مع الخصائص الاجتماعية والشخصية للسكان(6).
ويمثل التفاعل الاجتماعي المفهوم الأول في هذا الإطار، ويقصد به أشكال الاتصال المتبادل التي تنشأ بين السكان من خلال اللقاء والتواصل والمشاركة في الحياة اليومية. وقد تبدأ هذه العملية بلقاءات عابرة ومتكررة في المداخل والممرات والمصاعد والحدائق وأماكن الجلوس والخدمات، تتطور منها المعرفة المتبادلة وعلاقات الجيرة. لذلك لا تصبح الفراغات المشتركة «اجتماعية» لمجرد وجودها في المخطط، بل بقدر قدرتها على جذب السكان وإتاحة الاستخدام المتكرر واللقاء بينهم. وتبين الدراسات أن إهمال المتطلبات الاجتماعية في تصميم الفراغات الخارجية قد يضعف فعاليتها، فيما تربط دراسة بسماية تحسين التفاعل بعناصر تصميمية وتخطيطية تزيد فرص اللقاء(7).
أما العزلة الاجتماعية فلا تستخدم مرادفًا لقلة الاختلاط أو الشعور بالوحدة؛ فهي تتعلق بالبعد الموضوعي لضعف العلاقات والروابط، وتقاس بعناصر مثل حجم الشبكة الاجتماعية وقرب العلاقات وتواتر الاتصال بالأقارب والأصدقاء. وفي المقابل تمثل الوحدة خبرة ذاتية تتصل بإحساس الفرد بعدم كفاية علاقاته من حيث الكم أو النوع(8). وتمنع هذه التفرقة استنتاج وجود العزلة في بسماية بمجرد العثور على ضعف في بعض صور التفاعل أو الاستخدام المحدود للفضاءات المشتركة.
ويرتبط بذلك السكن العمودي بوصفه تنظيمًا يعيد توزيع القرب والمسافة؛ فالتقارب لا يتحقق في الشارع والساحة فقط، بل رأسيًا بين الطوابق وعبر المصاعد والسلالم والردهات والممرات. ولذلك لا تكفي الكثافة وحدها لتفسير مستوى التفاعل، بل يتعلق الأمر أيضًا بقدرة مسارات الحركة والمساحات الانتقالية على توفير فرص اللقاء.
وأخيرًا، تستخدم الورقة مفهوم الانفصال الاجتماعي–المكاني لفحص العلاقة بين التجمع السكني والمدينة، وكيفية إنتاج الحدود والاتصال والانقطاع بين الداخل والخارج. ويفيد مفهوم urban gating في تجاوز اختزال الفصل المكاني في السور والبوابة، والنظر إليه بوصفه درجات متفاوتة من ضبط المجال والنفاذ إليه. ولا يعني استخدام المفهوم تصنيف بسماية مسبقًا باعتبارها Gated Community، بل يوفر أداة لفحص مقدار اتصالها بالنسيج الحضري والاجتماعي الأوسع. وعلى هذا الأساس يقوم النموذج التحليلي على سلسلة مترابطة ولكن غير حتمية:
التنظيم المكاني ← فرص اللقاء ← أنماط التفاعل الاجتماعي ← تكوين العلاقات والشبكات ← احتمالات الاندماج أو العزلة.
مع مستوى آخر يتعلق بعلاقة المجمع بمحيطه، أي الاتصال أو الانفصال الاجتماعي–المكاني . وبذلك تصبح البيئة المبنية عاملًا وسيطًا في تشكيل الحياة الاجتماعية، لا سببًا منفردًا يحدد نتائجها مسبقًا.
بسماية بوصفها حالة سكنية حضرية
تمثل مدينة بسماية الجديدة تحولًا في نمط إنتاج السكن في العراق؛ فهي لا تقوم على توسع تدريجي لحي قائم، بل على إنشاء تجمع حضري مخطط يجمع السكن والخدمات والفضاءات المفتوحة والأنشطة التعليمية والتجارية ضمن بنية مكانية واحدة. ويقع المشروع جنوب شرقي بغداد على الطريق الرابط بين بغداد والكوت، وبدأ تنفيذه سنة 2013 بواسطة شركة هانوا الكورية للهندسة والإنشاءات، على مساحة تبلغ نحو 1830 هكتارًا موزعة على ثمانية قطاعات. وتتكون العمارات السكنية من عشرة طوابق، يضم كل منها اثنتي عشرة شقة. كما خُصص نحو 40% من مساحة المشروع للاستعمال السكني، مقابل 18.2% للمساحات المفتوحة من متنزهات وحدائق، إلى جانب المناطق التعليمية والتجارية ومراكز الأعمال والأماكن العامة والبنى التحتية(9). وتمنح هذه الخصائص بسماية سمات مشروع يسعى إلى إنتاج بيئة حضرية متكاملة، لا مجرد مجموعة من العمارات السكنية.
غير أن أهمية بسماية لهذه الورقة لا تكمن في حجم المشروع وحده، بل في الطريقة التي يعيد بها هذا التخطيط تنظيم الحياة اليومية؛ فالسكن في المجمع يعني الانتقال إلى بيئة تحدد مسارات الحركة والوصول إلى الأسواق والمدارس والخدمات والحدائق والمواقف، وتعيد ترتيب العلاقة بالحي والجيران والمجال العام. وتشير الدراسات إلى أن اختيار البيئة السكنية لا يتحدد بالدخل والخصائص الديموغرافية فقط، بل يرتبط كذلك بأنماط الحياة وتفضيلات الأسر والحركة والخدمات والمشاركة في المجتمع المحلي(10). ومن ثم يمثل الانتقال إلى بسماية انتقالًا إلى نمط معيشي مختلف، بما يجعل آثاره الاجتماعية جزءًا من تقييم التجربة السكنية.
وتوفر دراسة مجمع A صورة أكثر تحديدًا للبنية السكنية الداخلية؛ إذ يضم المجمع تسعة قطاعات فرعية تحتوي على 119 عمارة و14,280 شقة(11). ويكشف هذا الحجم عن مفارقة أساسية: فالكثافة والتجاور يوفران نظريًا عددًا كبيرًا من فرص الالتقاء، لكنهما لا يحددان وحدهما نوعية العلاقات التي تنشأ بين السكان.
ومن هنا تتعامل الورقة مع بسماية بوصفها حالة حضرية كاشفة للتحول من الجوار التقليدي إلى التجاور المخطط والعمودي. فوجود المدارس والأسواق والحدائق والفضاءات المفتوحة يوفر بنية ضرورية للحياة الحضرية، لكنه لا يضمن تحويل السكان المتجاورين إلى جماعة محلية مترابطة. وهذه المسافة بين التخطيط المادي للمكان والتكوين الاجتماعي للجيرة تمثل نقطة الانطلاق لتحليل أثر السكن العمودي في فرص التفاعل.
تمثل مدينة بسماية الجديدة تحولًا في نمط إنتاج السكن في العراق؛ فهي لا تقوم على توسع تدريجي لحي قائم، بل على إنشاء تجمع حضري مخطط يجمع السكن والخدمات والفضاءات المفتوحة والأنشطة التعليمية والتجارية ضمن بنية مكانية واحدة. ويقع المشروع جنوب شرقي بغداد على الطريق الرابط بين بغداد والكوت، وبدأ تنفيذه سنة 2013 بواسطة شركة هانوا الكورية للهندسة والإنشاءات، على مساحة تبلغ نحو 1830 هكتارًا موزعة على ثمانية قطاعات. وتتكون العمارات السكنية من عشرة طوابق، يضم كل منها اثنتي عشرة شقة. كما خُصص نحو 40% من مساحة المشروع للاستعمال السكني، مقابل 18.2% للمساحات المفتوحة من متنزهات وحدائق، إلى جانب المناطق التعليمية والتجارية ومراكز الأعمال والأماكن العامة والبنى التحتية(9). وتمنح هذه الخصائص بسماية سمات مشروع يسعى إلى إنتاج بيئة حضرية متكاملة، لا مجرد مجموعة من العمارات السكنية.
غير أن أهمية بسماية لهذه الورقة لا تكمن في حجم المشروع وحده، بل في الطريقة التي يعيد بها هذا التخطيط تنظيم الحياة اليومية؛ فالسكن في المجمع يعني الانتقال إلى بيئة تحدد مسارات الحركة والوصول إلى الأسواق والمدارس والخدمات والحدائق والمواقف، وتعيد ترتيب العلاقة بالحي والجيران والمجال العام. وتشير الدراسات إلى أن اختيار البيئة السكنية لا يتحدد بالدخل والخصائص الديموغرافية فقط، بل يرتبط كذلك بأنماط الحياة وتفضيلات الأسر والحركة والخدمات والمشاركة في المجتمع المحلي(10). ومن ثم يمثل الانتقال إلى بسماية انتقالًا إلى نمط معيشي مختلف، بما يجعل آثاره الاجتماعية جزءًا من تقييم التجربة السكنية.
وتوفر دراسة مجمع A صورة أكثر تحديدًا للبنية السكنية الداخلية؛ إذ يضم المجمع تسعة قطاعات فرعية تحتوي على 119 عمارة و14,280 شقة(11). ويكشف هذا الحجم عن مفارقة أساسية: فالكثافة والتجاور يوفران نظريًا عددًا كبيرًا من فرص الالتقاء، لكنهما لا يحددان وحدهما نوعية العلاقات التي تنشأ بين السكان.
ومن هنا تتعامل الورقة مع بسماية بوصفها حالة حضرية كاشفة للتحول من الجوار التقليدي إلى التجاور المخطط والعمودي. فوجود المدارس والأسواق والحدائق والفضاءات المفتوحة يوفر بنية ضرورية للحياة الحضرية، لكنه لا يضمن تحويل السكان المتجاورين إلى جماعة محلية مترابطة. وهذه المسافة بين التخطيط المادي للمكان والتكوين الاجتماعي للجيرة تمثل نقطة الانطلاق لتحليل أثر السكن العمودي في فرص التفاعل.
السكن العمودي وإعادة تشكيل فرص التفاعل الاجتماعي
لا تكمن الأهمية الاجتماعية للسكن العمودي في زيادة عدد الوحدات ضمن مساحة محدودة فحسب، بل في إعادة تنظيم شروط التقارب واللقاء. ففي الحي الأفقي تتوزع فرص الاتصال عبر الشارع والرصيف وواجهات المنازل والساحات والمرافق القريبة، بينما يعيد البناء العمودي توزيعها بين الطوابق والممرات والسلالم والمصاعد وردهات الدخول والفضاءات المحيطة بالعمارات. وبذلك لا تختفي فرص التفاعل، وإنما تتغير مواقعها وكيفيات حدوثها. وتلفت الأدبيات إلى أهمية المساحات الانتقالية داخل المبنى وإمكان تحويلها من أماكن للعبور إلى نقاط للاتصال بين السكان(12).
وتظهر هذه المسألة في بسماية، حيث يضع البناء العمودي أعدادًا كبيرة من الأسر داخل بنية متقاربة. إلا أن تقييم المشروع يكشف تفاوتًا بين الكثافة السكنية وتهيئة مواقع التفاعل؛ فقد أظهرت دراسة كاظم والشوك أن ردهات المصاعد لم تؤثث بما يشجع على استخدامها اجتماعيًا، وأن مؤشر فتح الطابق الأرضي بوصفه ردهة عامة للبقاء لم يتحقق، كما لم يتحقق توزيع الأنشطة رأسيًا على طوابق المباني. وفي المقابل، سجلت الدراسة وجود أسواق صغيرة ومرافق تعليمية ومطاعم وحدائق ومناطق للجلوس وشوارع. وخلص التقييم إلى تحقق 41% من مؤشرات الإطار النظري المعتمد لتحسين التفاعل الاجتماعي(13). ويشير ذلك إلى أن القضية لا تتعلق بوجود عناصر النشاط والالتقاء فحسب، بل بكيفية توزيعها وربطها بالحركة اليومية للسكان.
وتعزز الدراسة الميدانية المنشورة سنة 2024 هذه الصورة من منظور السكان. فقد بلغ المتوسط العام لمؤشر التفاعل الاجتماعي 2.96 من خمس درجات في عينة مجمع A، أي أقل قليلًا من الوسط الفرضي البالغ 3. لكن المؤشرات الفرعية جاءت متفاوتة؛ فقد بلغ متوسط التعاون بين السكان 3.08، والانتماء والثقة 3.04، والقدرة على التفاعل والتواصل 3.24، في حين انخفض تكرار التواصل إلى 2.79، وسجل التواصل والزيارة بين سكان المجمع والمجمعات المجاورة 2.32(14). ويكشف هذا التفاوت أن الإحساس بالتعاون والانتماء لا يتطابق بالضرورة مع الممارسة المتكررة للتواصل.
ومن ثم لا يلغي السكن العمودي في بسماية التفاعل الاجتماعي ولا ينتجه تلقائيًا؛ بل يعيد تشكيل فرصه، بحيث تصبح نوعية الاتصال أكثر اعتمادًا على تصميم نقاط العبور واللقاء وتوزيع الأنشطة والفضاءات المشتركة. ويعزز ذلك أن مؤشر قدرة السكن العمودي على تحقيق تواصل أكبر من السكن الأفقي سجل متوسطًا قدره 2.46، بينما سجلت الدعوة إلى زيادة كمية ونوعية الأماكن العامة الآمنة والمساحات الخضراء المخططة متوسطًا بلغ 3.68.(15) وهكذا ينتقل التحليل من الكثافة السكنية ذاتها إلى نوعية الفضاءات التي يقع فيها اللقاء اليومي.
وتظهر هذه المسألة في بسماية، حيث يضع البناء العمودي أعدادًا كبيرة من الأسر داخل بنية متقاربة. إلا أن تقييم المشروع يكشف تفاوتًا بين الكثافة السكنية وتهيئة مواقع التفاعل؛ فقد أظهرت دراسة كاظم والشوك أن ردهات المصاعد لم تؤثث بما يشجع على استخدامها اجتماعيًا، وأن مؤشر فتح الطابق الأرضي بوصفه ردهة عامة للبقاء لم يتحقق، كما لم يتحقق توزيع الأنشطة رأسيًا على طوابق المباني. وفي المقابل، سجلت الدراسة وجود أسواق صغيرة ومرافق تعليمية ومطاعم وحدائق ومناطق للجلوس وشوارع. وخلص التقييم إلى تحقق 41% من مؤشرات الإطار النظري المعتمد لتحسين التفاعل الاجتماعي(13). ويشير ذلك إلى أن القضية لا تتعلق بوجود عناصر النشاط والالتقاء فحسب، بل بكيفية توزيعها وربطها بالحركة اليومية للسكان.
وتعزز الدراسة الميدانية المنشورة سنة 2024 هذه الصورة من منظور السكان. فقد بلغ المتوسط العام لمؤشر التفاعل الاجتماعي 2.96 من خمس درجات في عينة مجمع A، أي أقل قليلًا من الوسط الفرضي البالغ 3. لكن المؤشرات الفرعية جاءت متفاوتة؛ فقد بلغ متوسط التعاون بين السكان 3.08، والانتماء والثقة 3.04، والقدرة على التفاعل والتواصل 3.24، في حين انخفض تكرار التواصل إلى 2.79، وسجل التواصل والزيارة بين سكان المجمع والمجمعات المجاورة 2.32(14). ويكشف هذا التفاوت أن الإحساس بالتعاون والانتماء لا يتطابق بالضرورة مع الممارسة المتكررة للتواصل.
ومن ثم لا يلغي السكن العمودي في بسماية التفاعل الاجتماعي ولا ينتجه تلقائيًا؛ بل يعيد تشكيل فرصه، بحيث تصبح نوعية الاتصال أكثر اعتمادًا على تصميم نقاط العبور واللقاء وتوزيع الأنشطة والفضاءات المشتركة. ويعزز ذلك أن مؤشر قدرة السكن العمودي على تحقيق تواصل أكبر من السكن الأفقي سجل متوسطًا قدره 2.46، بينما سجلت الدعوة إلى زيادة كمية ونوعية الأماكن العامة الآمنة والمساحات الخضراء المخططة متوسطًا بلغ 3.68.(15) وهكذا ينتقل التحليل من الكثافة السكنية ذاتها إلى نوعية الفضاءات التي يقع فيها اللقاء اليومي.
الفضاءات المشتركة واللقاء اليومي داخل المجمع
إذا كان السكن العمودي يعيد توزيع السكان رأسيًا، فإن الفضاءات المشتركة تمثل الحلقة التي يمكن أن تحول التقارب الفيزيائي إلى تفاعل اجتماعي. فالعلاقات لا تتشكل داخل الوحدات الخاصة وحدها، بل كذلك في المداخل والردهات والممرات والمصاعد والسلالم والحدائق والساحات ومناطق الجلوس ومسارات المشاة والخدمات اليومية. وتتيح هذه الأماكن اللقاء غير المخطط؛ أي التقاطع المتكرر بين السكان أثناء أنشطتهم الاعتيادية، الذي قد تنتقل عبره العلاقة من التعرف البصري إلى التحية والحديث ثم إلى علاقات جيرة أكثر استقرارًا. وتشير الأدبيات إلى أن الاتصال المتكرر يمكن أن يسهم في بناء المعرفة المتبادلة والثقة والشبكات الاجتماعية، مع تداخل أثر البيئة المبنية مع الخصائص الاجتماعية للسكان(16).
ولا تتحدد الفعالية الاجتماعية للفضاء المشترك بمجرد وجوده الكمي في المخطط؛ فقد تكون المساحة واسعة لكنها قليلة الاستخدام أو غير ملائمة للبقاء واللقاء. وتشير دراسة قصاب والحسيني والفرا إلى أن وظيفة المسكن تمتد إلى الفراغات الخارجية اللازمة للتفاعل مع الجيران، وأن إهمال المتطلبات الاجتماعية في تصميمها قد يضعف فعاليتها(17). ويتفق ذلك مع دراسة بسماية في إبراز قيمة المساحات الانتقالية داخل المبنى، ومنها ردهة المصعد التي يمكن تحويلها من نقطة عبور إلى مساحة تتيح البقاء والاتصال(18). ومن ثم تتحدد القيمة الاجتماعية للفضاء بموقعه ووظيفته وقابليته للاستخدام المتكرر.
وتكشف بسماية أهمية التمييز بين الفضاء الموجود والفضاء المستخدم اجتماعيًا. فالمخطط العام يخصص 18.2% من مساحة المشروع للمتنزهات والحدائق، إلى جانب المناطق العامة والتجارية والتعليمية، وسجل تقييم المشروع وجود حدائق ومناطق جلوس وشوارع وأسواق ومطاعم ومرافق أخرى. وفي المقابل، لم تتحقق مؤشرات تتعلق بتأثيث ردهات المصاعد، والردهة العامة في الطابق الأرضي، وتوزيع الأنشطة رأسيًا داخل المباني(19). وهذا يعني أن وجود فضاءات عامة على مستوى المشروع لا يعوض بالضرورة ضعف الفضاءات الاجتماعية المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للسكان.
وتدعم نتائج مجمع A هذا الاستنتاج بصورة غير مباشرة؛ فقد سجلت زيادة الأماكن العامة الآمنة والمساحات الخضراء المخططة متوسطًا بلغ 3.68، في حين جاءت بعض مؤشرات التواصل الفعلي، ولا سيما التواصل والزيارة بين سكان المجمع والمجمعات المجاورة، عند مستويات أدنى(20). ولا تثبت هذه الأرقام علاقة سببية بين التصميم وضعف التواصل، لكنها تكشف مسافة بين الإمكان المكاني للتفاعل وممارسته الاجتماعية الفعلية.
وعليه، لا ينبغي النظر إلى الفضاءات المشتركة باعتبارها مجرد نسب في مخطط استعمالات الأرض؛ فقيمتها الاجتماعية تتحدد باندماجها في إيقاع الحياة اليومية وإتاحتها إمكان التوقف والبقاء وتكرار اللقاء. أما حين يظل الفضاء مكانًا للعبور أو قليل الاستخدام، فإن الكثافة السكنية يمكن أن تنتج تجاورًا من دون تواصل. وهنا يبرز السؤال الذي يقود إلى القسم التالي: متى يمكننا الحديث عن الانتقال من تشخيص ضعف التفاعل إلى الحديث عن العزلة الاجتماعية؟
إذا كان السكن العمودي يعيد توزيع السكان رأسيًا، فإن الفضاءات المشتركة تمثل الحلقة التي يمكن أن تحول التقارب الفيزيائي إلى تفاعل اجتماعي. فالعلاقات لا تتشكل داخل الوحدات الخاصة وحدها، بل كذلك في المداخل والردهات والممرات والمصاعد والسلالم والحدائق والساحات ومناطق الجلوس ومسارات المشاة والخدمات اليومية. وتتيح هذه الأماكن اللقاء غير المخطط؛ أي التقاطع المتكرر بين السكان أثناء أنشطتهم الاعتيادية، الذي قد تنتقل عبره العلاقة من التعرف البصري إلى التحية والحديث ثم إلى علاقات جيرة أكثر استقرارًا. وتشير الأدبيات إلى أن الاتصال المتكرر يمكن أن يسهم في بناء المعرفة المتبادلة والثقة والشبكات الاجتماعية، مع تداخل أثر البيئة المبنية مع الخصائص الاجتماعية للسكان(16).
ولا تتحدد الفعالية الاجتماعية للفضاء المشترك بمجرد وجوده الكمي في المخطط؛ فقد تكون المساحة واسعة لكنها قليلة الاستخدام أو غير ملائمة للبقاء واللقاء. وتشير دراسة قصاب والحسيني والفرا إلى أن وظيفة المسكن تمتد إلى الفراغات الخارجية اللازمة للتفاعل مع الجيران، وأن إهمال المتطلبات الاجتماعية في تصميمها قد يضعف فعاليتها(17). ويتفق ذلك مع دراسة بسماية في إبراز قيمة المساحات الانتقالية داخل المبنى، ومنها ردهة المصعد التي يمكن تحويلها من نقطة عبور إلى مساحة تتيح البقاء والاتصال(18). ومن ثم تتحدد القيمة الاجتماعية للفضاء بموقعه ووظيفته وقابليته للاستخدام المتكرر.
وتكشف بسماية أهمية التمييز بين الفضاء الموجود والفضاء المستخدم اجتماعيًا. فالمخطط العام يخصص 18.2% من مساحة المشروع للمتنزهات والحدائق، إلى جانب المناطق العامة والتجارية والتعليمية، وسجل تقييم المشروع وجود حدائق ومناطق جلوس وشوارع وأسواق ومطاعم ومرافق أخرى. وفي المقابل، لم تتحقق مؤشرات تتعلق بتأثيث ردهات المصاعد، والردهة العامة في الطابق الأرضي، وتوزيع الأنشطة رأسيًا داخل المباني(19). وهذا يعني أن وجود فضاءات عامة على مستوى المشروع لا يعوض بالضرورة ضعف الفضاءات الاجتماعية المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للسكان.
وتدعم نتائج مجمع A هذا الاستنتاج بصورة غير مباشرة؛ فقد سجلت زيادة الأماكن العامة الآمنة والمساحات الخضراء المخططة متوسطًا بلغ 3.68، في حين جاءت بعض مؤشرات التواصل الفعلي، ولا سيما التواصل والزيارة بين سكان المجمع والمجمعات المجاورة، عند مستويات أدنى(20). ولا تثبت هذه الأرقام علاقة سببية بين التصميم وضعف التواصل، لكنها تكشف مسافة بين الإمكان المكاني للتفاعل وممارسته الاجتماعية الفعلية.
وعليه، لا ينبغي النظر إلى الفضاءات المشتركة باعتبارها مجرد نسب في مخطط استعمالات الأرض؛ فقيمتها الاجتماعية تتحدد باندماجها في إيقاع الحياة اليومية وإتاحتها إمكان التوقف والبقاء وتكرار اللقاء. أما حين يظل الفضاء مكانًا للعبور أو قليل الاستخدام، فإن الكثافة السكنية يمكن أن تنتج تجاورًا من دون تواصل. وهنا يبرز السؤال الذي يقود إلى القسم التالي: متى يمكننا الحديث عن الانتقال من تشخيص ضعف التفاعل إلى الحديث عن العزلة الاجتماعية؟
من ضعف التفاعل إلى العزلة الاجتماعية: حدود العلاقة.
تقتضي قراءة نتائج بسماية التمييز بين ضعف التفاعل الاجتماعي والعزلة الاجتماعية؛ فهما ظاهرتان متصلتان لكنهما غير متطابقتين. قد ينخفض تواتر اللقاء والزيارة بين الجيران من دون أن يصبح الفرد معزولًا اجتماعيًا، لأن شبكته قد تمتد إلى الأسرة والأقارب والأصدقاء وزملاء العمل خارج المجال السكني. وتعرّف الأدبيات العزلة الاجتماعية من خلال البعد الموضوعي لضعف العلاقات والروابط، ويمكن مقاربتها بحجم الشبكة الاجتماعية وقرب العلاقات وتواتر الاتصال. وهي تختلف عن الوحدة (Loneliness) التي تمثل خبرة ذاتية تتصل بإحساس الفرد بعدم كفاية علاقاته من حيث الكم أو النوع(21).
ويكتسب هذا التمييز أهمية مباشرة عند تفسير الدراسة الميدانية لمجمع A. فقد حددت الدراسة مجتمع البحث بـ85,680 فردًا، فيما بلغ عدد المستجيبين للاستبانة 72 فردًا، واعتمدت مؤشرات لدراسة التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمع(22). ومن ثم تسمح نتائجها بتشخيص بعض أشكال التواصل والتعاون والانتماء، لكنها لا تمثل قياسًا مباشرًا للعزلة الاجتماعية؛ إذ لا تتضمن، بحسب ما تعرضه الدراسة، مقياسًا متخصصًا لحجم الشبكات الاجتماعية وتنوعها وصلاتها بالأقارب والأصدقاء داخل المجال السكني وخارجه. وهذه الملاحظة ضرورية حتى لا تُحمّل النتائج دلالة تتجاوز ما تقيسه فعليًا.
ومع ذلك، تقدم النتائج مؤشرات تستحق القراءة من زاوية احتمال الانتقال من ضعف التفاعل إلى ضعف الروابط الاجتماعية . فقد بلغ المتوسط العام للتفاعل 2.96 من خمس درجات، مع تفاوت بين المؤشرات الفرعية؛ إذ كانت مؤشرات القدرة على التواصل والانتماء والثقة والتعاون أقرب إلى الوسط أو أعلى منه قليلًا، بينما كان تكرار التواصل والزيارة أضعف. ولا تكشف هذه الصورة عن مجتمع خالٍ من الروابط، بل عن تفاعل غير متجانس تتعايش فيه بعض مظاهر الانتماء والتعاون مع محدودية التواصل المتكرر. وتكتسب هذه المحدودية أهميتها لأن حجم الشبكة وقرب العلاقات وتواتر الاتصال تدخل ضمن العناصر المستخدمة في مقاربة العزلة الاجتماعية(23).
ويضيف البعد المكاني مستوى آخر؛ فقد خلص تقييم بسماية سنة 2022 إلى أن النسبة الأكبر من مؤشرات إطار الدراسة النظري لتحسين التفاعل لم تتحقق، وأوصى بزيادة المساحات المفتوحة والأنشطة الترفيهية، وإنشاء قاعات للتجمع داخل الكتل السكنية، وتحسين ردهات المصاعد والفضاءات الخارجية.(24)ولا تثبت هذه النتيجة أن القصور التصميمي أنتج عزلة اجتماعية، لكنها تشير إلى أن ضعف البيئات الميسرة للقاء يمكن أن يقلل فرص نشوء العلاقات المحلية واستمرارها.
وعليه، تسمح الأدلة المتاحة بالحديث عن ضعف نسبي في بعض أنماط التفاعل وفرص اللقاء، لكنها لا تكفي لإثبات وجود عزلة اجتماعية عامة بين سكان بسماية. وتمثل هذه الحدود نتيجة منهجية مهمة؛ لأنها تمنع تحويل الارتباط المحتمل بين البيئة المبنية والعلاقات الاجتماعية إلى سببية غير مثبتة، وتحدد ما ينبغي أن تقيسه الدراسات الميدانية اللاحقة لاختبار العزلة الاجتماعية مباشرة.
تقتضي قراءة نتائج بسماية التمييز بين ضعف التفاعل الاجتماعي والعزلة الاجتماعية؛ فهما ظاهرتان متصلتان لكنهما غير متطابقتين. قد ينخفض تواتر اللقاء والزيارة بين الجيران من دون أن يصبح الفرد معزولًا اجتماعيًا، لأن شبكته قد تمتد إلى الأسرة والأقارب والأصدقاء وزملاء العمل خارج المجال السكني. وتعرّف الأدبيات العزلة الاجتماعية من خلال البعد الموضوعي لضعف العلاقات والروابط، ويمكن مقاربتها بحجم الشبكة الاجتماعية وقرب العلاقات وتواتر الاتصال. وهي تختلف عن الوحدة (Loneliness) التي تمثل خبرة ذاتية تتصل بإحساس الفرد بعدم كفاية علاقاته من حيث الكم أو النوع(21).
ويكتسب هذا التمييز أهمية مباشرة عند تفسير الدراسة الميدانية لمجمع A. فقد حددت الدراسة مجتمع البحث بـ85,680 فردًا، فيما بلغ عدد المستجيبين للاستبانة 72 فردًا، واعتمدت مؤشرات لدراسة التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمع(22). ومن ثم تسمح نتائجها بتشخيص بعض أشكال التواصل والتعاون والانتماء، لكنها لا تمثل قياسًا مباشرًا للعزلة الاجتماعية؛ إذ لا تتضمن، بحسب ما تعرضه الدراسة، مقياسًا متخصصًا لحجم الشبكات الاجتماعية وتنوعها وصلاتها بالأقارب والأصدقاء داخل المجال السكني وخارجه. وهذه الملاحظة ضرورية حتى لا تُحمّل النتائج دلالة تتجاوز ما تقيسه فعليًا.
ومع ذلك، تقدم النتائج مؤشرات تستحق القراءة من زاوية احتمال الانتقال من ضعف التفاعل إلى ضعف الروابط الاجتماعية . فقد بلغ المتوسط العام للتفاعل 2.96 من خمس درجات، مع تفاوت بين المؤشرات الفرعية؛ إذ كانت مؤشرات القدرة على التواصل والانتماء والثقة والتعاون أقرب إلى الوسط أو أعلى منه قليلًا، بينما كان تكرار التواصل والزيارة أضعف. ولا تكشف هذه الصورة عن مجتمع خالٍ من الروابط، بل عن تفاعل غير متجانس تتعايش فيه بعض مظاهر الانتماء والتعاون مع محدودية التواصل المتكرر. وتكتسب هذه المحدودية أهميتها لأن حجم الشبكة وقرب العلاقات وتواتر الاتصال تدخل ضمن العناصر المستخدمة في مقاربة العزلة الاجتماعية(23).
ويضيف البعد المكاني مستوى آخر؛ فقد خلص تقييم بسماية سنة 2022 إلى أن النسبة الأكبر من مؤشرات إطار الدراسة النظري لتحسين التفاعل لم تتحقق، وأوصى بزيادة المساحات المفتوحة والأنشطة الترفيهية، وإنشاء قاعات للتجمع داخل الكتل السكنية، وتحسين ردهات المصاعد والفضاءات الخارجية.(24)ولا تثبت هذه النتيجة أن القصور التصميمي أنتج عزلة اجتماعية، لكنها تشير إلى أن ضعف البيئات الميسرة للقاء يمكن أن يقلل فرص نشوء العلاقات المحلية واستمرارها.
وعليه، تسمح الأدلة المتاحة بالحديث عن ضعف نسبي في بعض أنماط التفاعل وفرص اللقاء، لكنها لا تكفي لإثبات وجود عزلة اجتماعية عامة بين سكان بسماية. وتمثل هذه الحدود نتيجة منهجية مهمة؛ لأنها تمنع تحويل الارتباط المحتمل بين البيئة المبنية والعلاقات الاجتماعية إلى سببية غير مثبتة، وتحدد ما ينبغي أن تقيسه الدراسات الميدانية اللاحقة لاختبار العزلة الاجتماعية مباشرة.
بسماية والانفصال الاجتماعي-المكاني عن المدينة
لا يكتمل تحليل الحياة الاجتماعية في بسماية بالنظر إلى العلاقات المتشكلة داخل المجمع وحده؛ فموقع المشروع وطبيعة اتصاله بالمجال الحضري الأوسع يمثلان بعدًا آخر من التجربة السكنية. وتعد الأدبيات المتعلقة بتنمية الأحياء الارتباطية عنصرًا مهمًا في تكوين البيئة السكنية، من خلال اتصال الحي بشبكات الحركة والنقل والبنية التحتية والمناطق المحيطة، فيما تسهم الاستعمالات المختلطة في تقليل مسافات التنقل وتلبية الاحتياجات اليومية(25). ومن هذا المنظور يصبح اتصال بسماية ببغداد والمجال الحضري المحيط جزءًا من تقييمها الاجتماعي–المكاني.
وتقع بسماية جنوب شرقي بغداد، على بعد نحو عشرة كيلومترات من حدود العاصمة، وعلى الطريق الرابط بين بغداد والكوت. وتظهر بنيتها التخطيطية قدرًا من التكامل الوظيفي الداخلي؛ إذ تضم مناطق سكنية وتعليمية وتجارية ومراكز أعمال ومساحات مفتوحة وأماكن عامة وبنى تحتية(26). ويتيح ذلك تلبية جانب من متطلبات الحياة اليومية داخل المشروع، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا عن مقدار اعتماد السكان على المجال الداخلي مقارنة باتصالهم بالمدينة الأوسع. ولا تسمح المصادر المتاحة بإثبات أن هذا التكامل قد تحول إلى عزلة مكانية عن بغداد، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه متغيرًا للفحص لا دليلًا قائمًا بذاته على الانفصال.
ويمكن قراءة هذه المسألة في ضوء مفهوم urban gating الذي لا يحصر الانفصال الحضري في السور والبوابة، بل يشمل درجات النفاذية والحدود المادية والاجتماعية والسيطرة على المجال. كما تشير دراسات مقارنة إلى أن التقارب الجغرافي بين الجماعات السكنية لا يضمن اندماجها، وأن الحصرية المادية يمكن أن تقلل نفاذية النسيج الحضري وتدعم تكوين جيوب سكنية متمايزة(27). إلا أن إسقاط هذا النموذج على بسماية مباشرة سيكون غير دقيق؛ فالمصادر المتاحة لا تثبت وجود آليات فرز طبقي واضحة، ولا توفر بيانات كافية عن التركيب الاجتماعي والاقتصادي للسكان مقارنة بالمناطق المجاورة، كما لا تثبت أن بسماية تعمل بوصفها مجتمعًا مسوّرًا بالمعنى الصارم.
ومع ذلك، تقدم دراسة مجمع A مؤشرًا يستحق الانتباه؛ فقد بلغ متوسط التواصل والزيارة بين سكان المجمع والمجمعات المجاورة 2.32 من خمس درجات، وبشدة إجابة بلغت 46%، وهو من أدنى المتوسطات بين عناصر مؤشر التفاعل(28). ولا يكفي ذلك لإثبات انفصال اجتماعي–مكاني عن المدينة، ولا سيما أن السؤال يتعلق بالمجمعات المجاورة وليس ببغداد كلها، لكنه يشير إلى ضعف نسبي في التواصل العابر لحدود المجمع السكني.
وعليه، فإن التوصيف الأكثر اتساقًا مع الأدلة ليس اعتبار بسماية «غيتوًا سكنيًا» أو Gated Community مكتملة الخصائص، وإنما تجمعًا حضريًا كبيرًا يتمتع بدرجة مرتفعة من التنظيم والتكامل الداخلي، وتستدعي درجة اتصاله الاجتماعي والمكاني بالمحيط الأوسع مزيدًا من البحث. ويتطلب حسم ذلك بيانات عن الحركة اليومية للسكان، وأماكن العمل والتسوق، واستخدام النقل، وشبكات العلاقات خارج المشروع.
لا يكتمل تحليل الحياة الاجتماعية في بسماية بالنظر إلى العلاقات المتشكلة داخل المجمع وحده؛ فموقع المشروع وطبيعة اتصاله بالمجال الحضري الأوسع يمثلان بعدًا آخر من التجربة السكنية. وتعد الأدبيات المتعلقة بتنمية الأحياء الارتباطية عنصرًا مهمًا في تكوين البيئة السكنية، من خلال اتصال الحي بشبكات الحركة والنقل والبنية التحتية والمناطق المحيطة، فيما تسهم الاستعمالات المختلطة في تقليل مسافات التنقل وتلبية الاحتياجات اليومية(25). ومن هذا المنظور يصبح اتصال بسماية ببغداد والمجال الحضري المحيط جزءًا من تقييمها الاجتماعي–المكاني.
وتقع بسماية جنوب شرقي بغداد، على بعد نحو عشرة كيلومترات من حدود العاصمة، وعلى الطريق الرابط بين بغداد والكوت. وتظهر بنيتها التخطيطية قدرًا من التكامل الوظيفي الداخلي؛ إذ تضم مناطق سكنية وتعليمية وتجارية ومراكز أعمال ومساحات مفتوحة وأماكن عامة وبنى تحتية(26). ويتيح ذلك تلبية جانب من متطلبات الحياة اليومية داخل المشروع، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا عن مقدار اعتماد السكان على المجال الداخلي مقارنة باتصالهم بالمدينة الأوسع. ولا تسمح المصادر المتاحة بإثبات أن هذا التكامل قد تحول إلى عزلة مكانية عن بغداد، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه متغيرًا للفحص لا دليلًا قائمًا بذاته على الانفصال.
ويمكن قراءة هذه المسألة في ضوء مفهوم urban gating الذي لا يحصر الانفصال الحضري في السور والبوابة، بل يشمل درجات النفاذية والحدود المادية والاجتماعية والسيطرة على المجال. كما تشير دراسات مقارنة إلى أن التقارب الجغرافي بين الجماعات السكنية لا يضمن اندماجها، وأن الحصرية المادية يمكن أن تقلل نفاذية النسيج الحضري وتدعم تكوين جيوب سكنية متمايزة(27). إلا أن إسقاط هذا النموذج على بسماية مباشرة سيكون غير دقيق؛ فالمصادر المتاحة لا تثبت وجود آليات فرز طبقي واضحة، ولا توفر بيانات كافية عن التركيب الاجتماعي والاقتصادي للسكان مقارنة بالمناطق المجاورة، كما لا تثبت أن بسماية تعمل بوصفها مجتمعًا مسوّرًا بالمعنى الصارم.
ومع ذلك، تقدم دراسة مجمع A مؤشرًا يستحق الانتباه؛ فقد بلغ متوسط التواصل والزيارة بين سكان المجمع والمجمعات المجاورة 2.32 من خمس درجات، وبشدة إجابة بلغت 46%، وهو من أدنى المتوسطات بين عناصر مؤشر التفاعل(28). ولا يكفي ذلك لإثبات انفصال اجتماعي–مكاني عن المدينة، ولا سيما أن السؤال يتعلق بالمجمعات المجاورة وليس ببغداد كلها، لكنه يشير إلى ضعف نسبي في التواصل العابر لحدود المجمع السكني.
وعليه، فإن التوصيف الأكثر اتساقًا مع الأدلة ليس اعتبار بسماية «غيتوًا سكنيًا» أو Gated Community مكتملة الخصائص، وإنما تجمعًا حضريًا كبيرًا يتمتع بدرجة مرتفعة من التنظيم والتكامل الداخلي، وتستدعي درجة اتصاله الاجتماعي والمكاني بالمحيط الأوسع مزيدًا من البحث. ويتطلب حسم ذلك بيانات عن الحركة اليومية للسكان، وأماكن العمل والتسوق، واستخدام النقل، وشبكات العلاقات خارج المشروع.
الخاتمة والاستنتاجات
تكشف حالة بسماية أن التحول نحو المجمعات السكنية الكبيرة والسكن العمودي في العراق لا يمثل استجابة كمية للحاجة إلى السكن فحسب، بل يعيد تنظيم العلاقة بين السكان والمكان وطرق تشكل الجيرة والتواصل والانتماء. ويبين التحليل أن الكثافة السكنية والتجاور الفيزيائي لا ينتجان بالضرورة تقاربًا اجتماعيًا مماثلًا؛ إذ تتوسط العلاقة بين الشكل العمراني والحياة الاجتماعية طبيعة الفضاءات المشتركة، ومواقع اللقاء، ومسارات الحركة، وتوزيع الخدمات والأنشطة، وكيفية استخدامها في الحياة اليومية.
وتجسد بسماية هذه المفارقة؛ فالمشروع يوفر استعمالات سكنية وتعليمية وتجارية ومساحات مفتوحة وخدمات مختلفة، في حين أظهر تقييمه عدم تحقق عدد من المؤشرات التخطيطية والتصميمية المرتبطة بتعزيز التفاعل، ولا سيما في فضاءات اللقاء القريبة من الحياة اليومية داخل العمارات. كما بلغ المتوسط العام للتفاعل الاجتماعي في دراسة مجمع A، 2.96 من خمس درجات، مع تفاوت بين مؤشرات التعاون والانتماء والتواصل والزيارة(29). وتدل هذه النتائج على أن توفير البنية المادية للتجاور لا يكفي وحده لإنتاج علاقات اجتماعية متكررة ومستقرة.
ويتمثل أحد أهم استنتاجات البحث في ضرورة عدم الخلط بين ضعف التفاعل والعزلة الاجتماعية. فالدراسات المتاحة عن بسماية تقيس جوانب من التواصل والانتماء والتعاون واستخدام المجال، لكنها لا تقدم قياسًا مباشرًا وشاملًا للعزلة من حيث حجم الشبكات وقرب العلاقات وتواتر الاتصال داخل المجال السكني وخارجه. لذلك تدعم الأدلة استنتاجًا محددًا بوجود ضعف نسبي في بعض فرص وأنماط التفاعل، لكنها لا تسمح بالقول إن سكان بسماية يعانون عزلة اجتماعية عامة(30).
كما يكشف التحليل أن قيمة الفضاء المشترك لا تتحدد بمساحته أو وجوده التخطيطي، بل باندماجه في مسارات الحياة اليومية وقدرته على إتاحة التوقف واللقاء المتكرر. ومن ثم يمكن تلخيص العلاقة التي كشفتها الدراسة في السلسلة الآتية:
التنظيم المكاني ← فرص اللقاء ← أنماط التفاعل الاجتماعي ← تكوين العلاقات والشبكات ← احتمالات الاندماج أو العزلة. وهي علاقة احتمالية لا سببية حتمية.
وعلى مستوى علاقة بسماية بالمدينة، لا توفر المصادر أساسًا كافيًا لتصنيفها بوصفها Gated Community أو «غيتوًا» سكنيًا بالمعنى الصارم. إلا أن موقعها وحجمها وتنظيمها الداخلي وتعدد خدماتها، إلى جانب بعض مؤشرات ضعف التواصل خارج نطاق المجمع، تجعل الانفصال الاجتماعي–المكاني سؤالًا مشروعًا للبحث. ويتطلب حسمه دراسات تقيس حركة السكان اليومية وأماكن العمل والتسوق واستخدام النقل وشبكات العلاقات خارج المشروع ودرجة اندماجه في النسيج الحضري لبغداد.
وبذلك تكشف بسماية أن بناء مدينة سكنية لا يساوي بالضرورة بناء مجتمع محلي؛ فنجاح البيئة السكنية اجتماعيًا لا يقاس بعدد الوحدات أو كثافة السكان فقط، وإنما بقدرتها على تحويل التجاور المكاني إلى تفاعل وعلاقات وانتماء، وربط المجال السكني الداخلي بالمدينة الأوسع.
تكشف حالة بسماية أن التحول نحو المجمعات السكنية الكبيرة والسكن العمودي في العراق لا يمثل استجابة كمية للحاجة إلى السكن فحسب، بل يعيد تنظيم العلاقة بين السكان والمكان وطرق تشكل الجيرة والتواصل والانتماء. ويبين التحليل أن الكثافة السكنية والتجاور الفيزيائي لا ينتجان بالضرورة تقاربًا اجتماعيًا مماثلًا؛ إذ تتوسط العلاقة بين الشكل العمراني والحياة الاجتماعية طبيعة الفضاءات المشتركة، ومواقع اللقاء، ومسارات الحركة، وتوزيع الخدمات والأنشطة، وكيفية استخدامها في الحياة اليومية.
وتجسد بسماية هذه المفارقة؛ فالمشروع يوفر استعمالات سكنية وتعليمية وتجارية ومساحات مفتوحة وخدمات مختلفة، في حين أظهر تقييمه عدم تحقق عدد من المؤشرات التخطيطية والتصميمية المرتبطة بتعزيز التفاعل، ولا سيما في فضاءات اللقاء القريبة من الحياة اليومية داخل العمارات. كما بلغ المتوسط العام للتفاعل الاجتماعي في دراسة مجمع A، 2.96 من خمس درجات، مع تفاوت بين مؤشرات التعاون والانتماء والتواصل والزيارة(29). وتدل هذه النتائج على أن توفير البنية المادية للتجاور لا يكفي وحده لإنتاج علاقات اجتماعية متكررة ومستقرة.
ويتمثل أحد أهم استنتاجات البحث في ضرورة عدم الخلط بين ضعف التفاعل والعزلة الاجتماعية. فالدراسات المتاحة عن بسماية تقيس جوانب من التواصل والانتماء والتعاون واستخدام المجال، لكنها لا تقدم قياسًا مباشرًا وشاملًا للعزلة من حيث حجم الشبكات وقرب العلاقات وتواتر الاتصال داخل المجال السكني وخارجه. لذلك تدعم الأدلة استنتاجًا محددًا بوجود ضعف نسبي في بعض فرص وأنماط التفاعل، لكنها لا تسمح بالقول إن سكان بسماية يعانون عزلة اجتماعية عامة(30).
كما يكشف التحليل أن قيمة الفضاء المشترك لا تتحدد بمساحته أو وجوده التخطيطي، بل باندماجه في مسارات الحياة اليومية وقدرته على إتاحة التوقف واللقاء المتكرر. ومن ثم يمكن تلخيص العلاقة التي كشفتها الدراسة في السلسلة الآتية:
التنظيم المكاني ← فرص اللقاء ← أنماط التفاعل الاجتماعي ← تكوين العلاقات والشبكات ← احتمالات الاندماج أو العزلة. وهي علاقة احتمالية لا سببية حتمية.
وعلى مستوى علاقة بسماية بالمدينة، لا توفر المصادر أساسًا كافيًا لتصنيفها بوصفها Gated Community أو «غيتوًا» سكنيًا بالمعنى الصارم. إلا أن موقعها وحجمها وتنظيمها الداخلي وتعدد خدماتها، إلى جانب بعض مؤشرات ضعف التواصل خارج نطاق المجمع، تجعل الانفصال الاجتماعي–المكاني سؤالًا مشروعًا للبحث. ويتطلب حسمه دراسات تقيس حركة السكان اليومية وأماكن العمل والتسوق واستخدام النقل وشبكات العلاقات خارج المشروع ودرجة اندماجه في النسيج الحضري لبغداد.
وبذلك تكشف بسماية أن بناء مدينة سكنية لا يساوي بالضرورة بناء مجتمع محلي؛ فنجاح البيئة السكنية اجتماعيًا لا يقاس بعدد الوحدات أو كثافة السكان فقط، وإنما بقدرتها على تحويل التجاور المكاني إلى تفاعل وعلاقات وانتماء، وربط المجال السكني الداخلي بالمدينة الأوسع.
الهوامش
1- Jo Williams, “Designing Neighbourhoods for Social Interaction: The Case of Cohousing,” Journal of Urban Design 10, no. 2 (2005): 196–198.
2- Lubna A. Kadhim and Mufeed Ehsan Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” Iraqi Journal of Architecture and Planning 21, no. 1 (2022): 135–144;
2- Lubna A. Kadhim and Mufeed Ehsan Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” Iraqi Journal of Architecture and Planning 21, no. 1 (2022): 135–144;
وكنوز طالب حميدي وعامر شاكر الكناني، "التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية: حالة دراسية مجمع A السكني في مدينة بسماية " مجلة المخطط والتنمية 29، ع 2 .(2024)
3- Lixia Ge, Chun Wei Yap, Reuben Ong, and Bee Hoon Heng, “Social Isolation, Loneliness and Their Relationships with Depressive Symptoms: A Population-Based Study,” PLOS ONE 12, no. 8 (2017): e0182145.
4- Samer Bagaeen and Ola Uduku, eds., Beyond Gated Communities (Abingdon: Routledge, 2015), 1–21.
5- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 135–144;
حميدي والكناني، "التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية".
6- Williams, “Designing Neighbourhoods for Social Interaction,” 196–198.
7- أحمد سعيد قصاب، عبد الحكيم الحسيني، وهادية موفق الفرا، "نحو محيط سكني فعّال اجتماعيًا في العمارة السكنية المعاصرة"، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، سلسلة العلوم الهندسية 35، ع 1 (2013): 251–255؛ Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 136–139.
8- Ge et al., “Social Isolation, Loneliness and Their Relationships with Depressive Symptoms,” 3–5.
9- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 140–141.
9- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 140–141.
10- ياسمين بكير عبد الحميد، هشام عمرو بهجت، أحمد محمد أمين، ورويدة محمد رضا، "أنماط حياة المجتمعات بالبيئة السكنية للتجمعات العمرانية الجديدة: دراسة ميدانية لمشروعات الإسكان الحكومي"، Journal of Urban Research 38 (2020): 52–54.
11- حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 57–58.
12- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 136–139.
13- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 142–143.
13- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 142–143.
14-حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 60–62.
15-المصدر نفسه،61–62.
15-المصدر نفسه،61–62.
16- Williams, “Designing Neighbourhoods for Social Interaction,” 197–198.
-17 قصاب، الحسيني، والفرا، «نحو محيط سكني فعّال اجتماعيًا»، 251–255.
18- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 136–137.
19- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 140–142.
19- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 140–142.
20- حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 61–62.
21- Ge et al., “Social Isolation, Loneliness and Their Relationships with Depressive Symptoms,” 3–5.
22- حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 58–59.
23- Ge et al., “Social Isolation, Loneliness and Their Relationships with Depressive Symptoms,” 3–5
؛ حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 60–62
24-Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 142–143.
25- سناء ساطع عباس ورياض فكرت نجات، «تنمية الأحياء السكنية: دراسة تحليلية للمشاريع السكنية في التوجهات المعاصرة»، المجلة العراقية لهندسة العمارة والتخطيط 15، ع 1 (2019): 81–83.
26- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 140–141.
27- Bagaeen and Uduku, Beyond Gated Communities, 1–21; Sarah Blandy, “Gated Communities: A Response to, or Remedy for, Anti-social Behaviour?” in Housing, Urban Governance and Anti-social Behaviour: Perspectives, Policy and Practice, ed. John Flint (Bristol: The Policy Press, 2006), 248–250.
27- Bagaeen and Uduku, Beyond Gated Communities, 1–21; Sarah Blandy, “Gated Communities: A Response to, or Remedy for, Anti-social Behaviour?” in Housing, Urban Governance and Anti-social Behaviour: Perspectives, Policy and Practice, ed. John Flint (Bristol: The Policy Press, 2006), 248–250.
28-حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 62.
29- Kadhim and Shok, “Improving Social Interaction in Vertical Housing,” 142–143
؛ حميدي والكناني، «التفاعل الاجتماعي في البيئة الحضرية للمجمعات السكنية»، 60–62.
30- Ge et al., “Social Isolation, Loneliness and Their Relationships with Depressive Symptoms,” 3–5.