نحو فرضية تفسيرية لفهم السلطة الاقتصادية في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

لم يكن البيان الشيوعي، منذ صدوره عام 1848، مجرد نص سياسي يدعو إلى تغيير النظام الاقتصادي القائم، بل كان محاولة لتأسيس رؤية تفسيرية تربط بين الاقتصاد والسلطة والتاريخ، انطلاقاً من فرضية أن أنماط الإنتاج ليست أدوات مادية فحسب، وإنما هي البنية التي تتشكل في إطارها المؤسسات السياسية والقيم الاجتماعية والوعي الثقافي. ومن هنا اكتسب البيان مكانته بوصفه أحد أكثر النصوص تأثيراً في تفسير الرأسمالية الحديثة، سواء اتُّفق مع أطروحاته أم اختلف معها، لأن قيمته الفكرية لم تكن رهينة برامجه السياسية بقدر ما كانت نابعة من قدرته على تفسير آليات إنتاج القوة داخل المجتمع الصناعي. غير أن العالم الذي حاول البيان تفسيره لم يعد قائماً بالصورة نفسها. فقد شهدت العقود الأخيرة تحولات عميقة تجاوزت حدود الثورة الصناعية إلى ثورة رقمية شاملة أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي، وغيرت طبيعة العمل والإنتاج، ووسائل التبادل، وآليات تراكم رأس المال. ومع بروز المنصات الرقمية، والبيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، ثم الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد المصنع يمثل المركز الوحيد لإنتاج القيمة، ولم يعد العامل الصناعي الفاعل الوحيد في دورة الإنتاج، بل ظهرت أشكال جديدة من العمل، وأنماط جديدة من السيطرة، ومصادر غير مسبوقة لتراكم الثروة. وقد حاولت أدبيات الاقتصاد السياسي الرقمي تفسير هذه التحولات من زوايا متعددة. فطورت شوشانا زوبوف مفهوم رأسمالية المراقبة لتبين أن الرأسمالية لم تعد تكتفي باستثمار العمل البشري، وإنما أصبحت تستثمر الخبرة الإنسانية نفسها، وتحول السلوك اليومي إلى مادة خام تُجمع وتحلل وتُعاد صياغتها في صورة تنبؤات وسلع قابلة للبيع. واستثمرت، في هذا السياق، الاستعارة الماركسية الشهيرة التي تصف الرأسمالية بأنها «مصاص دماء» يعيش على العمل، لتؤكد أن الرأسمالية المعاصرة لم تعد تقتات على العمل وحده، بل أصبحت تتغذى على الحياة الإنسانية بأكملها، بما تتضمنه من تفاعلات، ومشاعر، واختيارات، وأنماط استهلاك(1).
وفي اتجاه موازٍ، وسّع ديفيد هارفي مفهوم التراكم الرأسمالي من خلال أطروحته حول التراكم عبر نزع الملكية، مبيناً أن الرأسمالية لا تعتمد فقط على الإنتاج الصناعي، بل تستمر في البحث عن مجالات جديدة للاستحواذ وتحويلها إلى مصادر للربح. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في العصر الرقمي، إذ لم تعد عمليات النزع تقتصر على الأرض أو الموارد الطبيعية أو المؤسسات العامة، وإنما امتدت إلى البيانات، والمعرفة، والفضاء الرقمي، وحتى الأنشطة اليومية للأفراد، التي تحولت إلى موارد اقتصادية تخضع لمنطق التملك والاستثمار(2) .كما أعاد كريستيان فوكس إدماج هذه التحولات في إطار النقد الماركسي للاقتصاد السياسي، مؤكداً أن الرأسمالية الرقمية ليست قطيعة مع الرأسمالية الصناعية، وإنما امتداد تاريخي لها، وإن اختلفت أدواتها ووسائلها. ومن هذا المنظور، فإن البيانات والخوارزميات لا تلغي قوانين التراكم الرأسمالي، بل تمنحها وسائل أكثر قدرة على التوسع والانتشار، وهو ما يجعل تحليل الاقتصاد الرقمي بمعزل عن النقد الماركسي تحليلاً ناقصاً لا يحيط بالبنية العميقة للعلاقات الاقتصادية الجديدة(3). في المقابل، حذر يفغيني موروزوف من الميل إلى تفسير جميع التحولات الرقمية من خلال مفهوم واحد، مهما بلغت قوته التفسيرية. ويرى أن اختزال الاقتصاد الرقمي في رأسمالية المراقبة وحدها قد يؤدي إلى إغفال أبعاد أخرى، مثل دور الدولة، والسياسات الصناعية، والبنية الجيوسياسية للتقنيات الرقمية، وهو نقد يكتسب أهمية منهجية لأنه يدفع الباحث إلى تجنب التعميمات المفهومية، والبحث عن إطار أكثر شمولاً يستوعب تنوع أشكال السلطة الرقمية(4). أما التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد فتحت أفقاً جديداً للنقاش. فالخوارزميات لم تعد تقتصر على تصنيف البيانات أو التنبؤ بالسلوك، بل أصبحت تنتج النصوص، والصور، والبرمجيات، والقرارات، وتشارك بصورة مباشرة في العمليات المعرفية التي كانت تُعد، حتى وقت قريب، حكراً على الإنسان. ولذلك يرى جون هو (J. Hu) أن الرأسمالية الرقمية دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها السلطة الاقتصادية مع السلطة الحيوية، بحيث أصبحت التقنية لا تنظم الأسواق فحسب، بل تعيد تنظيم الحياة الإنسانية ذاتها من خلال التحكم في المعرفة، والصحة، والتعليم، والاتصال، والعمل، وأنماط العيش(5). وعلى الرغم من القيمة العلمية الكبيرة لهذه الأدبيات، فإنها لا تزال، في معظمها، تعالج كل تحول على حدة؛ فهي تفسر المراقبة، أو البيانات، أو المنصات، أو الذكاء الاصطناعي، دون أن تقدم إطاراً تفسيرياً موحداً يربط هذه الظواهر ضمن مرحلة تاريخية واحدة من تطور الرأسمالية. ومن هنا تنشأ الفجوة المعرفية التي تنطلق منها هذه الدراسة.
وانطلاقاً من ذلك، تروم هذه الورقة إنتاج فرضية علمية تفسيرية جديدة، لا تقف عند حدود إعادة قراءة البيان الشيوعي، ولا تكتفي بتلخيص أدبيات الاقتصاد الرقمي، بل تقترح أن الرأسمالية دخلت طوراً جديداً يمكن تسميته الرأسمالية الخوارزمية. ويقصد بهذا المفهوم مرحلة يصبح فيها احتكار الخوارزميات والقدرة على إنتاج القرار بواسطة الذكاء الاصطناعي هو المصدر الرئيس للقوة الاقتصادية، متجاوزاً مرحلة احتكار وسائل الإنتاج الصناعية، بل وحتى مرحلة احتكار البيانات وحدها. وبذلك، تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مؤداها أن التطور التاريخي للرأسمالية يمكن قراءته عبر ثلاث مراحل مترابطة: الرأسمالية الصناعية التي ارتكزت على امتلاك المصنع، ورأسمالية المراقبة التي ارتكزت على امتلاك السلوك والبيانات، ثم الرأسمالية الخوارزمية التي ترتكز على احتكار القدرة على إنتاج القرار وصياغة المعرفة وتوجيه الفعل الإنساني عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبهذا المعنى، لا تمثل الخوارزمية أداة تقنية فحسب، وإنما تصبح وسيلة إنتاج جديدة، يعاد من خلالها توزيع السلطة والثروة والنفوذ على المستوى العالمي. وتعتمد الدراسة منهج الاقتصاد السياسي النقدي، مع توظيف التحليل التاريخي والمقارنة المفاهيمية، بغية تتبع التحول في وسائل الإنتاج من المصنع إلى البيانات، ثم إلى الخوارزمية، وصولاً إلى اختبار الفرضية المقترحة. ومن ثم فإن الهدف ليس الدفاع عن البيان الشيوعي أو استعادته، وإنما استخدامه نقطة انطلاق لحوار نقدي مع الأدبيات المعاصرة، وصولاً إلى إطار تفسيري يسهم في فهم التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
المبحث الأول
البيان الشيوعي بوصفه نظرية في السلطة الاقتصادية، لا مجرد بيان سياسي
اعتادت معظم القراءات العربية والغربية للبيان الشيوعي أن تتعامل معه بوصفه وثيقة سياسية ارتبطت بظروف أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، أو باعتباره بياناً حزبياً يدعو إلى الثورة الاجتماعية وإسقاط النظام الرأسمالي. غير أن هذه القراءة، على الرغم من انتشارها، تختزل النص في بعده السياسي المباشر، وتتجاهل بنيته النظرية الأعمق. فالبيان، قبل أن يكون دعوة إلى الفعل السياسي، هو محاولة لتفسير الكيفية التي تتشكل بها السلطة داخل المجتمع من خلال السيطرة على الاقتصاد. ولذلك فإن قيمته الفكرية لا تكمن في شعاراته، وإنما في النموذج التفسيري الذي قدمه لفهم العلاقة بين وسائل الإنتاج وبنية القوة الاجتماعية(6) . لقد انطلق ماركس وإنجلز من فرضية أساسية مؤداها أن التاريخ لا يتحرك بفعل الإرادات الفردية أو الأفكار المجردة وحدها، وإنما يتشكل من خلال العلاقات التي تنظم الإنتاج الاقتصادي. فكل مرحلة تاريخية تُنتج مؤسساتها السياسية، وقوانينها، وثقافتها، وأشكال وعيها، انطلاقاً من نمط الإنتاج السائد فيها. ومن ثم فإن السلطة ليست ظاهرة مستقلة عن الاقتصاد، بل هي امتداد للعلاقات الاقتصادية التي تمنح بعض الفاعلين القدرة على توجيه المجتمع وإعادة إنتاج موازين القوة داخله(7). تكمن أهمية هذا التصور في أنه نقل النقاش من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف تُنتج السلطة أصلاً؟ فالسلطة، وفق هذا المنظور، لا تُختزل في أجهزة الدولة أو في النخب السياسية، وإنما تبدأ من السيطرة على الموارد التي يقوم عليها الإنتاج الاقتصادي. ومن يمتلك وسائل الإنتاج يمتلك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القدرة على التأثير في التشريع، والتعليم، والإعلام، والثقافة، بل وحتى في تعريف ما يُعد حقيقة أو مصلحة عامة. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى البيان الشيوعي بوصفه نصاً موجهاً إلى الطبقة العاملة وحدها، وإنما بوصفه محاولة مبكرة لبناء نظرية عامة في الاقتصاد السياسي للسلطة. لقد كان السؤال المركزي الذي انشغل به البيان هو تفسير الآلية التي تتحول بها الملكية الاقتصادية إلى نفوذ اجتماعي، وكيف تنتقل السيطرة على وسائل الإنتاج إلى سيطرة على المجال العام بأسره. وهذه الفكرة لا تزال تحتفظ بقدرتها التفسيرية، حتى وإن تغيرت طبيعة الاقتصاد وأدوات الإنتاج تغييراً جذرياً.
لقد كان المصنع، في القرن التاسع عشر، يمثل المركز الذي تتجمع فيه عناصر الإنتاج والثروة والعمل. وكانت السيطرة على المصنع تعني السيطرة على عملية إنتاج القيمة. أما في القرن الحادي والعشرين، فإن هذا المركز لم يعد يحتفظ بالمكانة نفسها. فقد انتقلت أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي إلى الفضاء الرقمي، وأصبحت المنصات الإلكترونية، والبنية السحابية، وشبكات البيانات، والخوارزميات، عناصر لا تقل أهمية عن المصنع التقليدي في إنتاج الثروة. وهذا التحول لا يعني، في تقديرنا، انهيار النموذج التفسيري الذي قدمه البيان، بل يفرض إعادة تعريف موضوعه. ومن هنا تبدأ الإشكالية التي تنطلق منها هذه الدراسة. فإذا كان البيان قد ربط السلطة بامتلاك وسائل الإنتاج، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما المقصود بوسائل الإنتاج في الاقتصاد الرقمي؟ هل لا تزال الآلات والمصانع هي المصدر الرئيس للقوة الاقتصادية، أم أن البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي أصبحت تؤدي هذه الوظيفة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقتضي رفض التحليل الماركسي ولا تبنيه بحرفيته، بل تستدعي إعادة بنائه في ضوء التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة. وتكشف الأدبيات المعاصرة أن الرأسمالية لم تتخل عن منطقها التاريخي القائم على التراكم، وإنما أعادت تنظيم أدواته. فبدلاً من أن يكون العمل الصناعي المصدر الوحيد لإنتاج القيمة، أصبحت المعلومات، والبيانات، والقدرة على تحليلها، مورداً اقتصادياً بالغ الأهمية. ومع توسع الاقتصاد الرقمي، لم تعد الشركات الكبرى تتنافس على امتلاك خطوط الإنتاج وحدها، بل على امتلاك البنية الرقمية التي تُنتج المعرفة، وتدير الاتصال، وتوجه التدفقات الاقتصادية. ومن ثم فإن مفهوم وسائل الإنتاج نفسه أصبح أكثر اتساعاً مما كان عليه في القرن التاسع عشر(8) . ويلاحظ في هذا السياق أن السلطة الاقتصادية لم تعد تُمارس عبر السيطرة على مكان العمل فقط، وإنما عبر السيطرة على البنية التي يمر من خلالها النشاط الإنساني. فالمنصات الرقمية لا تبيع سلعة تقليدية فحسب، بل تنظم التفاعل بين المنتج والمستهلك، وتدير حركة المعلومات، وتحدد أولويات الوصول إلى المعرفة، وتؤثر في أنماط الاستهلاك، وتجمع البيانات التي تتحول لاحقاً إلى مصدر جديد للقيمة الاقتصادية. وهكذا أصبحت السيطرة على البنية الرقمية شكلاً جديداً من أشكال السيطرة على وسائل الإنتاج.
إنّ هذا التحول يدفع إلى مراجعة المفهوم التقليدي للصراع الاجتماعي. ففي الرأسمالية الصناعية كان الصراع يدور أساساً حول ملكية المصنع وشروط العمل وتوزيع فائض القيمة، أما في الرأسمالية الرقمية فقد أضيفت طبقة جديدة من الصراع تتمثل في السيطرة على البيانات، والخوارزميات، والبنية المعلوماتية التي أصبحت تتحكم في تدفق المعرفة والقرار الاقتصادي. ولا يعني ذلك اختفاء التناقضات التي وصفها ماركس، وإنما انتقالها إلى فضاء جديد تتداخل فيه التكنولوجيا مع الاقتصاد بصورة غير مسبوقة. ومن هنا فإن أهمية البيان الشيوعي في القرن الحادي والعشرين لا تكمن في استعادة لغته الثورية أو إعادة إنتاج برامجه السياسية، وإنما في استثمار منهجه التحليلي لفهم التحولات الجديدة. فالفرضية التي تربط السلطة بامتلاك وسائل الإنتاج لا تزال تحتفظ بقدرتها التفسيرية، إلا أن وسائل الإنتاج نفسها لم تعد هي تلك التي عرفها القرن التاسع عشر. ولذلك فإن إعادة قراءة البيان اليوم تستوجب الانتقال من تحليل المصنع إلى تحليل المنصة، ومن الآلة إلى الخوارزمية، ومن رأس المال الصناعي إلى رأس المال المعرفي، تمهيداً لفهم المرحلة الجديدة التي تمهد لها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إن هذا الانتقال لا يمثل مجرد تطور تقني، بل يعبر عن إعادة تشكيل العلاقة بين الاقتصاد والسلطة. وإذا كان البيان الشيوعي قد أسس لتحليل الرأسمالية الصناعية من خلال مفهوم وسائل الإنتاج، فإن التحدي النظري اليوم يتمثل في تحديد طبيعة الوسيلة الجديدة التي تنتج القيمة وتعيد توزيع القوة داخل المجتمع الرقمي. ومن هذه النقطة تحديداً تبدأ الفرضية التي تقترحها هذه الدراسة، والتي ستنتقل في المبحث التالي إلى تحليل التحول التاريخي من المصنع إلى البيانات، ومن البيانات إلى الخوارزمية، بوصفه المدخل الضروري لفهم ما نطلق عليه الرأسمالية الخوارزمية.
المبحث الثاني
من المصنع إلى البيانات: التحول التاريخي لوسائل الإنتاج
لم يكن المصنع في الرأسمالية الصناعية مجرد مكان لتجميع العمال والآلات، بل كان المؤسسة التي تتحدد داخلها علاقات الإنتاج، وتتوزع من خلالها القوة الاقتصادية. فمن يسيطر على المصنع كان يسيطر على المواد الأولية، وآليات التصنيع، وسوق العمل، وحركة رأس المال، وهو ما جعل المصنع يمثل القلب النابض للرأسمالية طوال القرنين التاسع عشر والعشرين. إلا أن هذا النموذج بدأ يفقد مركزيته تدريجياً مع الثورة الرقمية، إذ انتقلت القيمة الاقتصادية من المجال المادي إلى المجال المعلوماتي، وأصبحت البيانات مورداً لا يقل أهمية عن المواد الخام، بل ربما يفوقها أثراً في تشكيل الثروة العالمية. لقد ارتبط هذا التحول بانتشار الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، والحوسبة السحابية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتجارة الإلكترونية، وهي جميعاً أسهمت في إنتاج كميات هائلة من البيانات لم يكن الاقتصاد التقليدي يعرفها من قبل. ولم تعد البيانات مجرد ناتج جانبي للنشاط الاقتصادي، بل أصبحت عنصراً إنتاجياً قائماً بذاته، يدخل في تصميم المنتجات، وإدارة الأسواق، وتوجيه الاستثمارات، وتطوير الخوارزميات، وصنع القرار الاقتصادي. ومن هنا بدأت الرأسمالية تعيد تعريف مفهوم وسائل الإنتاج، بحيث لم تعد الآلة هي المورد الاستراتيجي الوحيد، وإنما أصبحت المعلومات أيضاً مورداً قابلاً للتملك والاستثمار والتراكم(9) وقد تنبه ديفيد هارفي إلى أن الرأسمالية تمتلك قدرة تاريخية على البحث المستمر عن مجالات جديدة للتراكم، كلما بدأت معدلات الربح التقليدية في التراجع. ومن هذا المنطلق صاغ مفهوم "التراكم عبر نزع الملكية"، مبيناً أن الرأسمالية لا تكتفي بإنتاج الثروة داخل السوق، وإنما توسع حدود السوق نفسها عبر تحويل مجالات جديدة إلى ملكيات خاصة قابلة للاستثمار. وإذا كان هارفي قد ركز أساساً على خصخصة الموارد العامة والأراضي والخدمات، فإن الاقتصاد الرقمي كشف عن صورة أكثر تعقيداً لهذه العملية، حيث أصبحت البيانات الشخصية، والسلوك اليومي، والتفاعلات الرقمية، أهدافاً جديدة لعمليات الاستحواذ الاقتصادي(10). وفي هذا السياق، لم تعد الشركات الرقمية الكبرى تبيع منتجاتها التقليدية بوصفها المصدر الأساسي للربح، بل أصبحت تستثمر البيانات الناتجة عن استخدام تلك المنتجات. فكل عملية بحث، وكل عملية شراء، وكل رسالة إلكترونية، وكل موقع جغرافي، وكل تفاعل عبر المنصات الرقمية، يتحول إلى بيانات يمكن تحليلها وربطها بأنماط الاستهلاك والسلوك، ثم تحويلها إلى قيمة اقتصادية جديدة. وهكذا لم تعد البيانات مجرد انعكاس للنشاط الاقتصادي، وإنما أصبحت شرطاً لإنتاجه واستمراره.
هذا التحول غيّر طبيعة رأس المال ذاته. ففي الرأسمالية الصناعية كان الاستثمار يتجه نحو بناء المصانع وشراء المعدات وتوسيع خطوط الإنتاج، أما في الاقتصاد الرقمي فقد أصبحت الاستثمارات الكبرى تتجه نحو مراكز البيانات، والبنية السحابية، وأنظمة الحوسبة، والذكاء الاصطناعي، وتطوير الخوارزميات القادرة على تحليل مليارات البيانات في الزمن الحقيقي. وبذلك لم تعد المنافسة تدور حول امتلاك المصنع الأكثر تطوراً، وإنما حول امتلاك البنية الرقمية الأكثر قدرة على جمع البيانات وتحليلها واستثمارها. ويرى كريستيان فوكس أن هذا التحول لا يعني انتهاء الرأسمالية الصناعية، بل يمثل امتداداً لها داخل فضاء جديد. فالرأسمالية الرقمية، في نظره، ما تزال خاضعة لمنطق التراكم ذاته الذي وصفه ماركس، إلا أن وسائل إنتاج القيمة قد تغيرت. فالعمل الرقمي، وإنتاج المحتوى، والتفاعل عبر المنصات، كلها أصبحت أشكالاً جديدة من العمل الذي يضيف قيمة اقتصادية، حتى وإن لم يُدرك الأفراد أنهم يشاركون في عملية إنتاج مستمرة. ولذلك فإن الاقتصاد الرقمي لا يلغي مفهوم فائض القيمة، وإنما يعيد إنتاجه في بيئة مختلفة، تتداخل فيها الحدود بين المنتج والمستهلك، وبين العمل والترفيه، وبين النشاط الاقتصادي والحياة اليومية(11). وتذهب الأدبيات الحديثة في الاقتصاد السياسي الرقمي إلى أن البيانات أصبحت تؤدي وظيفة تشبه وظيفة النفط في الاقتصاد الصناعي، إلا أن هذا التشبيه، على الرغم من شيوعه، يظل قاصراً عن تفسير طبيعة الاقتصاد الرقمي. فالنفط مورد طبيعي ينفد بالاستخدام، أما البيانات فتزداد قيمة كلما اتسعت عمليات جمعها وربطها وتحليلها. كما أن البيانات لا تكتسب قيمتها الاقتصادية بذاتها، بل من خلال الخوارزميات القادرة على تحويلها إلى معرفة قابلة للاستثمار. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في البيانات وحدها، وإنما في القدرة التقنية على تنظيمها واستخلاص الأنماط الكامنة فيها.
ومن هنا يظهر تحول آخر أكثر عمقاً. فإذا كانت البيانات قد أصبحت المورد الاقتصادي الجديد، فإن الخوارزمية أصبحت الأداة التي تمنح هذا المورد قيمته الفعلية. فالبيانات الخام، مهما بلغ حجمها، تظل عاجزة عن إنتاج المعرفة أو الربح ما لم تخضع لعمليات تحليل وتصنيف واستنتاج تقوم بها الخوارزميات. وهذا يعني أن العلاقة بين البيانات والخوارزمية تشبه، إلى حد بعيد، العلاقة التي كانت قائمة بين المادة الخام والآلة في الرأسمالية الصناعية؛ فكما كانت الآلة تحول المادة الخام إلى سلعة، أصبحت الخوارزمية تحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى قيمة اقتصادية. ومن هنا يمكن القول إن التحول التاريخي لم يكن انتقالاً بسيطاً من المصنع إلى البيانات، بل انتقالاً مركباً من المصنع إلى البيانات، ثم من البيانات إلى الخوارزمية. وهذه النقلة هي التي تفسر لماذا أصبحت الشركات الأكثر قيمة في العالم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر المصانع، وإنما تلك التي تمتلك أكثر الخوارزميات تطوراً، وأكثر البنى الرقمية قدرة على التعلم والتنبؤ والتأثير. وتقودنا هذه النتيجة إلى إعادة النظر في مفهوم وسائل الإنتاج ذاته. فإذا كان البيان الشيوعي قد ربط السلطة بملكية وسائل الإنتاج الصناعية، فإن الاقتصاد الرقمي يفرض توسيع هذا المفهوم ليشمل السيطرة على البنية الرقمية والخوارزمية التي تنتج المعرفة والقرار. ومن ثم فإن التحول الحقيقي لا يكمن في استبدال المصنع بالحاسوب، وإنما في انتقال مركز الثقل الاقتصادي من إنتاج السلع إلى إنتاج المعلومات، ومن إدارة العمل إلى إدارة السلوك، ومن التحكم في الموارد المادية إلى التحكم في تدفقات البيانات. وهنا تبرز نقطة التحول الرئيسة في هذه الدراسة. فالمشكلة لم تعد تتعلق بكون البيانات مورداً اقتصادياً جديداً، إذ أصبح ذلك من المسلمات في الأدبيات المعاصرة، وإنما في أن الخوارزمية نفسها أخذت تتحول إلى وسيلة إنتاج مستقلة، قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع معاً. ومن هذه النقطة يبدأ المبحث التالي، الذي سينتقل من تحليل البيانات إلى تحليل رأسمالية المراقبة، بوصفها المرحلة التي انتقلت فيها الرأسمالية من استغلال العمل إلى استغلال السلوك الإنساني، تمهيداً للوصول إلى الفرضية المركزية التي تقترحها هذه الدراسة حول الرأسمالية الخوارزمية.
المبحث الثالث
رأسمالية المراقبة: من استغلال العمل إلى استغلال السلوك
شكّل ظهور مفهوم رأسمالية المراقبة نقطة تحول رئيسة في دراسة الاقتصاد السياسي الرقمي، لأنه نقل النقاش من تحليل الإنتاج المادي إلى تحليل إنتاج السلوك الإنساني بوصفه مورداً اقتصادياً جديداً. وإذا كان التحليل الماركسي التقليدي قد ركز على استغلال قوة العمل داخل المصنع، فإن شوشانا زوبوف ترى أن الرأسمالية الرقمية تجاوزت هذه المرحلة لتنتقل إلى نمط أكثر تعقيداً، يقوم على تحويل التجربة الإنسانية نفسها إلى مادة خام تدخل في عمليات الإنتاج والتبادل الاقتصادي. ولم يعد الإنسان يُستغل فقط بصفته عاملاً، بل أيضاً بصفته مستخدماً، ومستهلكاً، ومشاركاً دائماً في الفضاء الرقمي، حيث تتحول أفعاله اليومية إلى بيانات قابلة للجمع والتحليل والاستثمار(12). ويمثل هذا التحول تغيراً عميقاً في مفهوم الإنتاج الاقتصادي. ففي الرأسمالية الصناعية كان الإنتاج يرتبط بالسلع والخدمات التي تُنتج داخل المؤسسات الاقتصادية، أما في رأسمالية المراقبة فإن النشاط اليومي للأفراد خارج المصنع يصبح جزءاً من عملية إنتاج القيمة. فعمليات البحث، والمحادثات الإلكترونية، والتنقل، والشراء، والتفاعل الاجتماعي، وأنماط القراءة، وحتى التوقف أمام شاشة معينة لثوانٍ إضافية، تتحول جميعها إلى مدخلات اقتصادية يجري تحليلها بواسطة الخوارزميات لإنتاج معرفة دقيقة بالسلوك البشري، ثم تحويل هذه المعرفة إلى أرباح تجارية أو أدوات للتأثير في القرارات المستقبلية. وترى زوبوف أن جوهر هذا النموذج يكمن فيما تسميه الفائض السلوكي (Behavioral Surplus)، وهو ذلك الجزء من البيانات الذي يتجاوز ما تحتاج إليه المنصة لتقديم الخدمة الأساسية للمستخدم. فهذا الفائض لا يُهمل، وإنما يُستثمر في بناء نماذج تنبؤية تستطيع تقدير السلوك المستقبلي، بل والتأثير فيه. وهكذا تتحول البيانات السلوكية إلى أصل اقتصادي جديد، تتنافس الشركات على امتلاكه، وتبني عليه نماذج أعمالها واستراتيجياتها الاستثمارية(13). ومن هذه الزاوية، لا تعود المراقبة مجرد وسيلة لحماية الأمن أو تنظيم الأسواق، وإنما تصبح جزءاً من عملية الإنتاج نفسها. فالمنصة الرقمية لا تراقب المستخدم بهدف المعرفة فقط، بل بهدف إنتاج سلعة جديدة هي التنبؤ بالسلوك. وتزداد قيمة هذه السلعة كلما ازدادت دقة البيانات واتساع نطاقها، الأمر الذي يفسر السعي المستمر للشركات الرقمية إلى توسيع حضورها في مختلف مجالات الحياة اليومية، من وسائل التواصل والتعليم والعمل إلى الصحة والنقل والخدمات المالية.
يكشف هذا التطور عن انتقال نوعي في طبيعة السلطة الاقتصادية. ففي الرأسمالية الصناعية كانت السيطرة تتحقق من خلال امتلاك المصنع وتنظيم العمل، أما في رأسمالية المراقبة فإن السيطرة تتحقق عبر امتلاك المعرفة الدقيقة بالسلوك الإنساني. وبذلك تصبح القدرة على جمع البيانات وتحليلها مورداً استراتيجياً يمنح الشركات نفوذاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن ملكية رأس المال الصناعي في المراحل السابقة. ويؤكد كريستيان فوكس أن هذا التحول لا ينبغي أن يُفهم بوصفه قطيعة مع التحليل الماركسي، بل بوصفه توسعاً في آليات إنتاج فائض القيمة. فالمستخدم، حتى عندما لا يتقاضى أجراً، يشارك في إنتاج قيمة اقتصادية من خلال نشاطه الرقمي، لأن البيانات التي يولدها تتحول إلى مورد تستثمره الشركات بصورة مستمرة. ومن ثم فإن الاقتصاد الرقمي يعيد تعريف العمل ذاته، بحيث لم يعد مقتصراً على النشاط المأجور، وإنما أصبح يشمل أنماطاً متعددة من النشاط الاجتماعي التي تنتج بيانات قابلة للتسليع(14). ومع ذلك، فإن تفسير الاقتصاد الرقمي من خلال رأسمالية المراقبة وحدها يثير عدداً من الإشكالات النظرية. فقد ذهب يفغيني موروزوف إلى أن هذا المفهوم، على الرغم من قوته التفسيرية، يمنح الشركات الرقمية مكانة تكاد تكون مطلقة، في حين أن تطور الاقتصاد الرقمي يرتبط أيضاً بأدوار الدولة، والاستراتيجيات الجيوسياسية، والسياسات الصناعية، والاستثمارات العامة في البنية التحتية الرقمية. ولذلك فإن اختزال الرأسمالية الرقمية في المراقبة وحدها قد يؤدي إلى إغفال التفاعلات المؤسسية والسياسية التي أسهمت في إنتاج البيئة الرقمية المعاصرة (15). ويكتسب هذا النقد أهمية خاصة عند محاولة تفسير التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. فالمراقبة، مهما بلغت دقتها، تبقى معنية بجمع البيانات وتحليلها، بينما أصبحت الخوارزميات الحديثة قادرة على إنتاج نصوص وصور وبرمجيات وقرارات لم تكن موجودة من قبل. وهذا يعني أن الوظيفة الاقتصادية للخوارزمية لم تعد تقتصر على تفسير الواقع، بل أصبحت تشارك في إنتاج واقع جديد، الأمر الذي يوسع حدود السلطة الاقتصادية إلى مستويات لم تكن مطروحة في أدبيات رأسمالية المراقبة الأولى.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتوقع السلوك، بل يسهم في تشكيله بصورة مباشرة. فأنظمة التوصية، ومحركات البحث، والمساعدات الذكية، ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تعمل باعتبارها أدوات محايدة، وإنما تؤثر في المعلومات التي يتلقاها الأفراد، وفي البدائل التي يرونها، وفي القرارات التي يتخذونها. وهكذا تنتقل السلطة من مجرد مراقبة الإنسان إلى المشاركة في صياغة خياراته، وهي نقلة تختلف نوعياً عن النموذج الذي وصفته زوبوف في بدايات تحليلاتها. ومن هنا يمكن القول إن رأسمالية المراقبة تمثل مرحلة انتقالية في تطور الرأسمالية الرقمية أكثر من كونها المرحلة الأخيرة فيها. فقد كشفت هذه الأدبيات أن البيانات أصبحت مورداً اقتصادياً استراتيجياً، لكنها لم تمنح الخوارزمية موقعها الكامل بوصفها وسيلة إنتاج مستقلة. فالخوارزمية لم تعد مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبحت منتجاً للمعرفة، ومولداً للقرارات، ومشاركاً في تشكيل الأسواق، وإدارة المؤسسات، وصناعة المحتوى، وتوجيه السلوك الاجتماعي. وبناءً على ذلك، فإن الفرضية التي تتبناها هذه الدراسة لا تتعارض مع مفهوم رأسمالية المراقبة، بل تنطلق منه وتتجاوزه في الوقت نفسه. فإذا كانت زوبوف قد أوضحت كيف أصبحت البيانات والسلوك البشري مصدراً جديداً لتراكم رأس المال، فإن التطورات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي تشير إلى انتقال مركز الثقل من امتلاك البيانات إلى امتلاك الخوارزمية القادرة على تحويل البيانات إلى قرارات ومعرفة وقيمة اقتصادية. ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال إلى تحليل المرحلة التالية، حيث لا تكون الخوارزمية مجرد وسيط تقني، وإنما تتحول إلى وسيلة الإنتاج المركزية في الاقتصاد الرقمي، وهي الفكرة التي سيعالجها المبحث الرابع بوصفها الأساس النظري لمفهوم الرأسمالية الخوارزمية.
المبحث الرابع
الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحول السلطة إلى سلطة خوارزمية
أحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولاً نوعياً في مسار الاقتصاد الرقمي، لأنه لم يضف أداة تقنية جديدة إلى وسائل الإنتاج القائمة، بل أعاد تعريف طبيعة الإنتاج نفسها. ففي المراحل السابقة كانت الخوارزميات تُستخدم أساساً في تصنيف البيانات، واستخراج الأنماط، والتنبؤ بالسلوك، أما اليوم فقد أصبحت قادرة على إنتاج النصوص، والصور، والبرمجيات، والتصاميم، والتحليلات، واتخاذ قرارات أولية في مجالات الإدارة والتمويل والتعليم والصحة والقضاء والإعلام. وبذلك لم تعد الخوارزمية مجرد وسيط بين البيانات والإنسان، وإنما أصبحت فاعلاً إنتاجياً يشارك بصورة مباشرة في صناعة المعرفة وإدارة النشاط الاقتصادي (16) . ويمثل هذا التطور قفزة تتجاوز ما وصفته أدبيات رأسمالية المراقبة. فإذا كانت تلك الأدبيات قد ركزت على جمع البيانات وتحليلها من أجل التنبؤ بالسلوك، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي يضيف وظيفة جديدة تتمثل في إنتاج المحتوى والقرار. فالخوارزمية لا تكتفي بمعرفة ما قد يفعله الإنسان، وإنما تقدم له البدائل، وتكتب نيابة عنه، وتقترح الحلول، وتصوغ التقارير، وتنتج الأكواد البرمجية، وتشارك في اتخاذ القرار داخل المؤسسات. وهكذا تنتقل السلطة الاقتصادية من مرحلة التنبؤ إلى مرحلة الإنتاج المعرفي المباشر. وتتجلى أهمية هذا التحول في أن القيمة الاقتصادية لم تعد ترتبط فقط بامتلاك البيانات، بل بامتلاك النماذج الخوارزمية القادرة على التعلم المستمر وتوليد المعرفة الجديدة. فالبيانات، مهما بلغت ضخامتها، لا تحقق قيمة اقتصادية مستقلة ما لم توجد منظومات قادرة على تفسيرها وتحويلها إلى منتجات وقرارات وخدمات. ومن هنا أصبحت المنافسة العالمية تدور حول تطوير النماذج اللغوية الكبرى، والبنى الحاسوبية، والقدرات الخوارزمية، أكثر مما تدور حول مجرد جمع البيانات. ويشير جون هو (J. Hu) إلى أن هذه المرحلة تمثل تحولاً في العلاقة بين الاقتصاد والحياة الإنسانية، لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية داعمة للأسواق، بل أصبح جزءاً من البنية التي يعاد من خلالها تنظيم المجتمع. فالقرارات المتعلقة بالتعليم، والعمل، والرعاية الصحية، والإنتاج الثقافي، والخدمات الحكومية، أصبحت تعتمد بدرجات متزايدة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يمنح الشركات والمؤسسات المالكة لهذه الأنظمة نفوذاً يتجاوز المجال الاقتصادي إلى المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي (17) . ومن هذه الزاوية، فإن الخوارزمية تتحول إلى مؤسسة سلطة بحد ذاتها. فهي التي تحدد أولويات المعلومات التي تظهر للمستخدم، وترتب نتائج البحث، وتقترح فرص العمل، وتدير الإعلانات، وتشارك في تقييم المخاطر الائتمانية، وتساعد في تشخيص الأمراض، وتحدد كثيراً من الخيارات التي يواجهها الأفراد يومياً. ولذلك فإن السلطة لم تعد تُمارس فقط عبر الملكية أو التشريع أو السيطرة على السوق، وإنما أيضاً عبر تصميم الخوارزمية التي تنظم تدفق المعرفة والقرار. ويكشف هذا الواقع عن تغير جوهري في مفهوم وسائل الإنتاج. ففي الرأسمالية الصناعية كانت الآلة تزيد من إنتاجية العامل، وفي الرأسمالية الرقمية كانت البيانات تزيد من كفاءة السوق، أما في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي فإن الخوارزمية أصبحت تنتج المعرفة ذاتها، وهي المعرفة التي تقوم عليها القرارات الاقتصادية والإدارية. وهذا يعني أن وسيلة الإنتاج لم تعد مادية، ولا معلوماتية فقط، وإنما أصبحت معرفية وخوارزمية في آن واحد.
ومن هنا يمكن تفسير السباق العالمي المحموم للاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فالدول والشركات لم تعد تتنافس على امتلاك المواد الخام أو خطوط الإنتاج الصناعية وحدها، بل على امتلاك النماذج الخوارزمية، والقدرة الحاسوبية، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والبنية السحابية التي تسمح بتدريب هذه النماذج وتشغيلها. وهذا يفسر أيضاً أن القيمة السوقية لأكبر الشركات العالمية أصبحت ترتبط بقدرتها على تطوير الذكاء الاصطناعي أكثر من ارتباطها بحجم أصولها الصناعية التقليدية. غير أن هذا التحول لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يعيد توزيع السلطة داخل المجتمع. فالجهة التي تمتلك الخوارزمية الأكثر تطوراً تمتلك، في الوقت نفسه، قدرة أكبر على إنتاج المعرفة، وتوجيه المعلومات، وصياغة المحتوى، والتأثير في الأسواق، بل وحتى في الرأي العام. ومن ثم فإن احتكار الخوارزمية يتحول تدريجياً إلى احتكار للقدرة على إنتاج القرار، وهو احتكار يختلف نوعياً عن احتكار وسائل الإنتاج الذي وصفه ماركس، وعن احتكار البيانات الذي وصفته زوبوف. وفي هذا السياق، يصبح من المشروع إعادة النظر في مفهوم القوة الاقتصادية ذاته. فقد كان رأس المال الصناعي يقاس بحجم المصانع والآلات، ثم أصبح رأس المال الرقمي يقاس بحجم البيانات والمنصات، أما اليوم فإن القوة الاقتصادية تقاس بدرجة متزايدة بالقدرة على تطوير النماذج الخوارزمية وتدريبها وتحديثها واحتكار بنيتها التحتية. وهذا التحول لا يغيّر أدوات الإنتاج فقط، بل يغيّر طبيعة السلطة التي تنشأ عنها، لأن السيطرة لم تعد تنصب على الأشياء أو حتى على المعلومات، وإنما على الآليات التي تنتج المعرفة والقرار بصورة مستمرة. ومن هنا تبرز الفرضية المركزية التي تمهد لها هذه الدراسة. فإذا كانت الرأسمالية الصناعية قد احتكرت وسائل الإنتاج المادية، ورأسمالية المراقبة قد احتكرت البيانات والسلوك الإنساني، فإن المرحلة الراهنة تشهد احتكاراً من نوع ثالث، يتمثل في احتكار الخوارزميات القادرة على إنتاج المعرفة والقرار. وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمثل مجرد تطور تقني داخل الرأسمالية، بل يمثل انتقالاً إلى مرحلة تاريخية جديدة تختلف في موضوع السيطرة، وفي طبيعة القيمة، وفي مصدر القوة الاقتصادية. ولذلك، فإن مفهوم الرأسمالية الخوارزمية الذي تقترحه هذه الدراسة لا يقوم على استبدال المفاهيم السابقة، بل على تفسير التحول التاريخي الذي جعل الخوارزمية تحتل موقع وسيلة الإنتاج المركزية. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يمتلك المصنع، أو بمن يمتلك البيانات، وإنما بمن يمتلك القدرة على بناء الخوارزميات التي تنتج المعرفة، وتصوغ القرار، وتعيد تشكيل النشاط الاقتصادي العالمي. ومن هذه النتيجة ينتقل البحث إلى الخاتمة التي تصوغ الفرضية التفسيرية بصورة متكاملة، وتبين الأسس النظرية التي تجعل من الرأسمالية الخوارزمية مرحلة جديدة في تطور السلطة الاقتصادية.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن القيمة المعرفية للبيان الشيوعي لا تكمن في كونه وثيقة سياسية ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، وإنما في كونه قدّم إطاراً تفسيرياً لفهم العلاقة بين الاقتصاد والسلطة من خلال مفهوم وسائل الإنتاج. وقد أظهرت القراءة التي اعتمدتها هذه الدراسة أن هذا الإطار ما يزال يحتفظ بقدرته التفسيرية، شريطة إعادة تعريف موضوعه بما ينسجم مع التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي في العصر الرقمي. فالمشكلة لم تعد تتمثل في صلاحية الفكرة الأصلية، وإنما في تغير الوسيلة التي تُنتج القيمة وتعيد توزيع القوة داخل المجتمع. وانطلاقاً من ذلك، بيّنت الدراسة أن التطور التاريخي للرأسمالية يمكن فهمه بوصفه انتقالاً متدرجاً في مركز السلطة الاقتصادية؛ من السيطرة على المصنع في الرأسمالية الصناعية، إلى السيطرة على البيانات والسلوك في رأسمالية المراقبة، ثم إلى السيطرة على الخوارزميات في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهذا الانتقال لا يمثل مجرد تطور تقني، بل يعكس تحولاً في طبيعة وسائل الإنتاج ذاتها، وفي الكيفية التي تتشكل بها علاقات القوة داخل الاقتصاد الرقمي. وتتمثل الإضافة النظرية التي تقترحها هذه الدراسة في صياغة فرضية الرأسمالية الخوارزمية بوصفها مرحلة تاريخية متميزة في تطور الرأسمالية، وليست مجرد امتداد لرأسمالية المراقبة. فبينما انصب اهتمام الأدبيات السابقة على البيانات بوصفها المورد الاقتصادي الجديد، ترى هذه الدراسة أن مصدر القوة الحاسم أصبح يتمثل في احتكار القدرة على بناء الخوارزميات وتدريبها وتشغيلها، بما يجعلها قادرة على إنتاج المعرفة، وصياغة القرار، وتوجيه الفعل الاقتصادي والاجتماعي.
وبهذا المعنى، لا تصبح الخوارزمية مجرد أداة لمعالجة البيانات، وإنما تتحول إلى وسيلة إنتاج جديدة يعاد من خلالها تشكيل الثروة والسلطة والنفوذ. ولا تدّعي هذه الفرضية أنها تقدم النموذج النهائي لتفسير الاقتصاد السياسي في عصر الذكاء الاصطناعي، لكنها تقترح إطاراً مفاهيمياً يمكن أن يسهم في تطوير النقاش الأكاديمي حول التحولات الجارية، وأن يفتح مجالاً لدراسات لاحقة تتناول الأبعاد القانونية والأخلاقية والجيوسياسية والمؤسسية للرأسمالية الخوارزمية. كما تتيح إعادة التفكير في مفاهيم الملكية، والعمل، والقيمة، والسيادة الاقتصادية، في ضوء واقع أصبحت فيه الخوارزمية فاعلاً مركزياً في إنتاج المعرفة واتخاذ القرار. وبذلك، فإن إعادة قراءة البيان الشيوعي في القرن الحادي والعشرين لا تهدف إلى استعادة نص ينتمي إلى الماضي، بل إلى استثمار منطقه التفسيري لفهم واقع مختلف جذرياً. وإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد صراعاً حول ملكية المصنع، والقرن الحادي والعشرون قد شهد صراعاً حول ملكية البيانات، فإن العقود المقبلة قد تشهد، على الأرجح، الصراع الأهم حول ملكية الخوارزميات والسيطرة على الذكاء الاصطناعي، بوصفهما المصدر الجديد للقوة الاقتصادية العالمية.
الهوامش:
1-Zuboff, Shoshana. "Surveillance capitalism and the challenge of collective action." In New labor forum, vol. 28, no. 1, Sage CA: Los Angeles, CA: Sage Publications, 2019, pp. 10-29.
2- Das, Raju. "David Harvey's theory of accumulation by dispossession: A Marxist critique." World Review of Political Economy 8, no. 4 (2017): 590-616.
3- Fuchs, Christian. "Critical theory foundations of digital capitalism: A critical political economy perspective." TripleC: Communication, Capitalism & Critique. Open Access Journal for a Global Sustainable Information Society 22, no. 1 (2024): 148-196.
4- Morozov, Evgeny. "Critique of techno-feudal reason." New Left Review 133, no. 134 (2022): 89-126.
5- Hu, Jingduo. "The Digitization of Life: The Biopolitics in the Era of Digital Capitalism." World Futures 81, no. 7 (2025): 508-526.
6- Karl Marx, and Frederick Engels. Marx & Engels Collected Works Vol 43: Marx and Engels: 1868-1870. Lawrence & Wishart, 1988.
7- Eubanks, Cecil L. Karl Marx and Friedrich Engels (RLE Marxism): An Analytical Bibliography. Routledge, 2015.
8- Fuchs, Christian.148-196.
9- Srnicek, Nick. Platform capitalism. John Wiley & Sons, 2017.
10- Das, Raju. 590-616.
11- Fuchs, Christian. 148-196.
12- Zuboff, Shoshana. "The age of surveillance capitalism." In Social theory re-wired, Routledge, 2023, pp. 203-213.
13- Zuboff, Shoshana. "The secrets of surveillance capitalism." Frankfurter Allgemeine Zeitung 5 (2016): 2016.
14- Fuchs, Christian. Digital ethics: Media, communication and society vol. 5. Routledge, 2022.
15- Morozov, Evgeny. 89-126.
16- Zuboff, Shoshana. "The age of surveillance capitalism." pp. 203-213.
17- Hu, Jingduo. "The Digitization of Life: The Biopolitics in the Era of Digital Capitalism." World Futures 81, no. 7 (2025): 508-526.