
ملاحظات سريعة حول مقولة "الاقتصاد العالمي"
رغم محاولات عديدة سابقة، ظلّ "الاقتصاد العالمي"، كمقولة مستقلة، خارج النظرية الاقتصادية حتى سنوات السبعينات من القرن العشرين. وكما أشار البعض من الباحثين فإن الاقتصاد العالمي، باعتباره موضوعاً للأبحاث والدراسات، لا يمثل شيئاً مصطنعاً أو تجريداً ذهنياً فقط، بل على العكس انه يمثل واقعاً اجتماعياً ملموساً جديدا يتوجب تجريده ودراسته دراسة منهجية منتظمة بهدف الكشف عن جوهره والقوانين الفعلية الناظمة لحركته. ورغم ظهور "الاقتصاد العالمي" كظاهرة ملموسة لها سننها الخاصة، المتميزة، فإنه لم تُصغ له نظرية مكتملة متماسكة بالرغم من المحاولات النظرية العديدة والجادة التي جرت في العقود الاربعة الأخيرة(1). يتناول هذا الفرع الجديد للمعرفة الإشكالية العالمية، ويتمثل موضوع نشاطه المعرفي بدراسة السيرورات الاجتماعية – الاقتصادية الناشطة على مستوى الكرة الأرضية بما فيها محدداتها الجيوفيزيائية والايكولوجية. والفكرة الأساسية في هذا المجال هي أنه يوجد نسق كوكبي Global System له حياته الخاصة، مستقل عن المجتمعات القومية المكونة له والتي يتألف منها وتظهر في إطار هذا النسق. الغلوبولوجيا، إذن، تبحث في النسق الكوكبي وتكشف سننه وقوانينه العامة وميكانيزمات ضبطه (2) .
نقطة البدء في التحليل هي الفرضية القائلة بوجود اقتصاد عالمي واحد رغم ظهور أنماط مختلفة من الاقتصاديات القومية. إن تلك الاقتصاديات هي عناصر كلٍ موحد هو (الاقتصاد العالمي)، ترتبط ببعضها البعض بهذه الدرجة أو تلك بشكل متبادل، لكن هذه الحقيقة لا تعني أن الاقتصاد العالمي ككل حي هو مجرد حاصل جمع بسيط لمكوناته. وإذا تناولنا الاقتصاد العالمي كنسق system فينبغي دراسته في حركته وليس في سكونه. يترتب على ذلك أن نفرز من بين تلك العلاقات التي تربط مكوناته (الاقتصادات القومية) تلك الصلات الاقتصادية "المتكررة باستمرار"(3).
إذن، على هذا المستوى من التحليل يمكننا أن نتحدث عن الوحدة التقنية – الاقتصادية للاقتصاد العالمي، هذه الوحدة الناجمة عن تماثل "وحدة" نمط القوى المنتجة في العالم المعاصر، وكذلك عن الإنتاج الكبير المشروط بمستوى الإنتاج وتعمق التقسيم الاجتماعي للعمل على المستوى العالمي.
لكن تناول الاقتصاد العالمي كمقولة اقتصادية – تقنية لا يقع في تعارض مع تناوله كمقولة اقتصادية – اجتماعية، إذ بهذه الطريقة فقط يمكن تناول واستيعاب وحدة الاقتصاد العالمي في تنوع مكوناته. وهذا الأمر مهم ذلك لأن الأجزاء المكونة للاقتصاد العالمي تتطور على الدوام في أشكال أو أُطر اجتماعية ملموسة وبالتالي فإن هذا المستوى يسمح لنا بالكشف عن طبيعة وأنواع التناقضات وملموسيتها. ويسمح هذا التشخيص بالقول بأننا نفهم وحدة الاقتصاد العالمي باعتباره وحدة متناقضة، أي نفهمه في وحدة وصراع مكوناته.
وفي إطار محاولة السعي لفهم ظاهرة الاقتصاد العالمي بثرائها وتنوعها وتشابك مكوناتها وإنتاج معرفة صحيحة عنها، يمكن ملاحظة العديد من المساهمات النظرية/ المنهجية المهمة. ويمكن القول أن ابرز المساهمات في هذا المجال هنا مقاربة كل من ايمانويل فالرشتاين وسمير أمين.
أولاً: مساهمة إيمانويل فالرشتاين – نظرية النسق العالمي World – System Theory
يمكن القول ان ايمانويل فالرشتاين (Immanuel Wallerstien) أستاذ السوسيولوجيا الأمريكي هو آخر رجال المجموعة الأكاديمية المعروفة باسم "عصابة الأربعة"، التي كانت تتكون من المفكر الاقتصادي المصري المعروف الراحل سمير أمين (1931 – 2019)، والمفكر الإيطالي جيوفاني أريجي (1937 – 2009)، والمؤرخ وعالم الاجتماع والاقتصاد الأمريكي اللاتيني من أصل ألماني أندري غوندر فرانك (1929 – 2005) وأخيرا ايمانويل فالرشتاين (1930-2019).
وفيما يخص موضوع هذا المقال، فإن أولى المحاولات الطليعية لتجريد الاقتصاد العالمي وتنظيره كنسق مستقل هي محاولة فالرشتاين والتي صاغها في نظرية سماها نظرية النسق العالمي(4)، وذلك في سنوات السبعينات من القرن العشرين(5). وبحسب عالم الاقتصاد المجري توماس سنتش فان "المعالجة التي تنطلق حصرا من افتراض وجود نظام عالمي، أي النظرة التي تقترح الاقتصاد العالمي والمجتمع العالمي بوصفه وحدة التحليل الوحيدة الصالحة للتطبيق تطبيقا مباشراً، وبمعنى مطلق تجد تفسيرها النظري وتطبيقها الأكثر شمولاً واتساقاً في مؤلفات ايمانويل فالرشتاين"(6).
أسس فالرشتاين وزملاؤه في "مجموعة الأربعة" نظرية المنظومات العالمية، التي تعتبر دراسة تطور الأنظمة الاجتماعية في مجتمع بمفرده غير كافية لفهم الاجتماع البشري والعلاقات الدولية، وهي رغم العديد من الملاحظات النقدية تعد من أكثر النظريات الاجتماعية جديًة وعمقًا في القرن الماضي، فهي لا تفسر لنا فقط حقائق عن الاقتصاد والنظم الاجتماعية في العالم، ولكن تفسر لنا كذلك حقيقة النظام الدولي المعاصر.
ان سعي فالرشتاين الى الاتساق في تطبيق وحدة التحليل هذه باعتبارها الوحدة الوحيدة الصحيحة، يرغمه على إعادة تقييم تاريخ الرأسمالية الناهضة وجذور العلاقة بين "المركز" و"الأطراف" وقوانين حركة الرأسمالية. كما يدفعه الاتساق هذا الى مراجعة وإعادة صياغة بعض المقولات الأساسية والمصطلحات التقنية للاقتصاد السياسي. وفي حين سعى أتدريه غوندر فرانك وبقية منظري التبعية(7) الى إيجاد مصادر تخلف "المحيط" في علاقته بـ "المركز"، سعى فالرشتاين الى اكتشاف جذور "المركز" في علاقته بـ "المحيط". والواقع أن فالرشتاين طرح مشروعاً طموحاً في كتابه الرئيسي "أصول النظام العالمي الحديث" ويعد ذلك محاولة لتثبيت أصول التطور والتخلف الرأسمالي وتحديد منابع مسارهما اللاحق(8).
وحسب فالرشتاين، إذا أريد الحديث عن موضوع تطور مختلف بقاع العالم، فإنه من غير الممكن بحثها منعزلة عن بعضها البعض وذلك لأن هذه المناطق تؤثر على بعضها البعض بطريقة جوهرية، كما أن الأنماط الاقتصادية – الاجتماعية القومية تخضع، في تطورها، للسنن الناظمة في الاقتصاد العالمي. وحسب فالرشتاين فإن النمط الوحيد الذي لا يتعرض أثناء تطوره الى تغييرات، حتى لو ظل منعزلاً عن تأثير العوامل الخارجية، هو الاقتصاد العالمي. لذلك فإن النظر من أفق النسق العالمي، طبقا لفالرشتاين، هو الأفق البحثي الأكثر ملائمة لدراسة تطور المجتمعات.
إن الإجابة على السؤال المتعلق بأسباب هكذا اتجاه للتطور دون غيره لمختلف الأقاليم أو الأنماط الاقتصادية – الاجتماعية القومية يجب البحث عنه في تحليل طريقة خضوع تلك الأقاليم وكذلك بحث تأثيرها المتبادل على بعضها البعض في السيرورة الاقتصادية العالمية. وبهذا التناول، حسب فالرشتاين، سوف يتم التغلب على المشكلة المنهجية المتعلقة بتقسيم عوامل التطور الى عوامل داخلية وخارجية. إذن ستكون جميع العوامل المشكلة لتطور النمط الاقتصادي العالمي عوامل داخلية. ويعني ذلك أن الاقتصادات القومية ليست أنماطاً ذات تواريخ مستقلة بل أنها تمثل أجزاء تعكس تاريخ الكل الذي هو النسق العالمي.
المنهج المعتمد
إنّ المنهج الذي اعتمده فالرشتاين هو منهج تاريخي، يستند على أبحاث متعددة الاختصاصات Interdisplinaire، حيث قام بدراسة الاقتصاد العالمي لفترات طويلة من تطوره، ساعياً للكشف عن مجموعة القواعد والسنن الناظمة لنشاط الاقتصاد العالمي(9).
وبموجب هذه الملاحظة يرى فالرشتاين أن الاقتصاد العالمي يعمل كمعظم الأنساق التاريخية من خلال نمط من الإيقاعات الدائرية. وأوضح هذه الإيقاعات وأهمها يتمثل في عملية منتظمة من التمدد والانكماش في الاقتصاد العالمي ككل. ويرى فالرشتاين أن مدة هذه الدورة بمرحلتيها تتراوح بين خمسين وستين عاما. ويتسم نشاط هذه الدائرة بالتعقيد. ومع ذلك فإن أحد أجزاء هذه العملية يشير الى أن الاقتصاد الرأسمالي العالمي يمر دوريا بحاجة لتوسيع الحدود الجغرافية للنسق ككل، فيوجد مواضيع جديدة للإنتاج ليشارك في تقسيمه المحوري للعمل. وقد أدت هذه التمددات المتتابعة على مدار أربعة قرون تقريبا الى تحويل الاقتصاد العالمي من نسق يتخذ من أوربا موقعا رئيسيا له الى نسق يشمل العالم بأسره(10).
يستند الاقتصاد العالمي، حسب فهم فالرشتاين لذلك، على تقسيم رأسي (محوري) للعمل يقوم على التبادل اللامتكافئ(11) بين مجموعات كبرى هي:
- المركز؛ (مركز الاقتصاد العالمي)، حسب فالرشتاين، تمثله تلك الأقاليم التي يتراكم فيها رأس المال وتجدّد وتحدّث التقدم التكنولوجي العالمي وتمتلك ما يسمى بالفروع الإنتاجية القائدة. وبنتيجة التبادل اللامتكافئ يتدفق الى هذه الأقاليم الجزء الأساسي من الفائض الاقتصادي العالمي.
- شبه الاطراف، ويقوم دورها على تلطيف التوترات السياسية والاقتصادية الناشئة بين المركز والأطراف، وكذلك على توطين جزء من الاستثمارات المباشرة، القادمة من المركز، في الأطراف. ويعتقد فالرشتاين بأنه بدون بلدان شبه الأطراف ما كان بإمكان الاقتصاد العالمي أن يعمل. تؤدي بلدان شبه الأطراف وظيفة الأطراف تجاه المركز (عرض الخامات الرخيصة، استيراد رأس المال)، في حين تؤدي وظيفة المركز تجاه الأطراف (الطلب على الخامات الرخيصة، تصدير راس المال).
- أما الجزء المتبقي من أقاليم العالم فتمثله، وفقا لفالرشتاين، أطراف الاقتصاد العالمي المعاصر. إنها الأقاليم المصدِرة للطاقة والمواد الرخيصة المنتجة والموجهة للسوق العالمي وتشكل في ذات الوقت أسواقًا للفائض السلعي من المركز. إن "ثمار" النمو الضئيل لإنتاجية العمل تهرب بكاملها تقريباً من هذه المناطق نحو الخارج.
- تنطوي العلاقة بين دول المركز ودول المحيط على علاقات تبادل غير متكافئة، وعلى قمع خفي من دول النطاق الأول على دول الثاني.
- التراكم اللامحدود لرأس المال يستلزم بدوره تسليع كل شيء وإخضاعه للسوق والتبادل التجاري، في إطار توسيع مجالات المشاركة في التبادل الرأسمالي.
ومن الطبيعي الاشارة الى أن تقسيم الأنماط الاقتصادية القومية الى مراكز، شبه أطراف، وأطراف، ليس تقسيماً صارماً ومعطى لمرة واحدة. فمن الناحية التاريخية تحدث دوماً في الاقتصاد العالمي تغيرات في تناسب القوى، حيث "تصعد" بعض الاقتصادات القومية الى "أعلى السلم" للعب دور البلدان الشبه طرفية أو الى المركز بينما يظل بعضها في "أسفل الدرك". غير أن هذه الملاحظة لا تلغي حقيقة أن جوهر تقسيم العمل على الصعيد العالمي يظل على حاله دون تغيير، قائم على الاستغلال والهيمنة/التبعية. وبالنسبة لفالرشتاين فإن النسق العالمي الحالي هو نسق رأسمالي مفهوم بوضوح.
وفي تحديده لهذه المجموعات اعلاه كمستويات مكونة لبنية الاقتصاد العالمي، استند فالرشتاين على تحليل الوظيفة التي تؤديها كل مجموعة ضمن تقسيم العمل المشار اليه. الفرق الجوهري بين هذه المجموعات، حسب فالرشتاين، يكمن في قوة آلية الدولة في ميادين مختلفة وهذا بدوره يقود الى عمليات نقل الفائض من "الأطراف" الى "المركز" مما يؤدي الى زيادة قوة الدولة المركزية(12). وبحسب فالرشتاين، فإن تكامل الإنتاج على الصعيد العالمي وفي الوقت نفسه قيام دول وطنية قوية في مواجهة دول ضعيفة، منحا الاقتصاد العالمي من حيث الأساس بنية تشكل نظاما متماسكاً بصورة متزايدة يتألف من دول "مركزية" قوية ودول "طرفية" ضعيفة. وانطلاقا من هذه المقاربة يستخدم فالرشتاين مصطلح "الإمبريالية" بمعنى أن اي استخدام للقوة السياسية تمارسه دولة قوية (تكون عادة من دول المركز) ضد دولة أضعف (تكون عادة دولة طرفية أو شبه طرفية) بهدف "تغيير التخصصات في السوق العالمية"(13). أما مفهوم "التبادل اللامتكافئ" الذي اعتمده في بناء نظريته فقد استعاره فالرشتين من ارغيري إيمانويل صاحب نظرية التبادل اللامتكافئ(14). وهو - أي التبادل اللامتكافئ - يؤدي عند فالرشتاين الى "تحويل جزء من إجمالي الربح (أو الفائض) الناتج عن منطقة واحدة الى منطقة أخرى ..... (بحيث) يمكن أن نطلق على المنطقة الخاسرة اسم هامش والرابحة مركز"(15).
وبحسب هذه الرؤية فإن الرأسمالية المعاصرة ما هي إلا نظام من ’الاحتكارات المُعمَمَة‘ التي تفرض في خِضمه ’احتكارات القِلّة‘ سيطرتها على كامل النظم الإنتاجية في العالم، ما يعني أن الإنتاج العالمي–وعلاقاته– يسير وفق ما تمليه هذه الاحتكارات على التقسيم العالمي للعمل وتخصصاته والتجارة العالمية، وبالتالي يفرض هذا ’التعميم‘ واقع أن كل الوحدات الإنتاجية تخضع لهيمنة هذه الاحتكارات، وأنها تهبط إلى مصافْ قنواتٍ ناقلة للريع الاحتكاري الذي يتحوّل بدوره إلى ريع إمبريالي تمتصه احتكارات القِلّة، وذلك يحدث عبر زيادة تركيز رأس المال أكثر فأكثر، وبالطبع الاتجاه نحو إنتاج تكنولوجيا جديدة وتصدير القديمة إلى أشباه أطراف وأطراف النظام العالمي المعاصر. ورأسمالية اليوم، هي رأسمالية مُأمّوَلة Financialization (حيث يهيمن رأس المال المالي)، وإمبريالية اليوم هي إمبريالية معولمة Globalization (إمبريالية جماعية وإمبريالية قومية).
وفي هذا الإطار، يتحدث فالرشتاين عن الدورات الاقتصادية في هيكلية الإنتاج العالمي، فيؤكد بأن الإيقاع الرئيس هو ما يسمى بدورات نيكولاي كوندراتيف (Kondratieff cycle)(16) (التي مدتها من 50-60 عاما بالمتوسط) وأن هذه الدورات هي ما يميز الإنتاج في النظام العالمي، والتي تعبر عن آلية خلق الاحتكارات الرئيسة (في المرحلة-A) ثم القيام بعكس هذه العملية في (المرحلة-B) حينما يدخل عملية الإنتاج والسوق منتجون وعارضون كثر. أما الهيكل العام لنظام الدول، فتقوده دورة أطول أطلق عليها "دورة الهيمنة" (hegemonic cycle).
ملاحظات انتقادية
يمكن القول إن نظرية النسق العالمي تمثل محاولة نظرية/ منهجية جادة. وبسبب تعدد مستويات التجريد التي ترتكن إليها هذه النظرية فإنه يصعب التقليل من صدقها وثرائها المعرفي. غير أن هذه الملاحظات لا تلغي وجود ثغرات منهجية فيها مما يستدعي التوقف عندها. وينبغي إذن الارتكان الى منهجية محددة تسمح لنا بنقد هذه النظرية. واعتقد أن المنهجية السليمة لنقد محاولة فالرشتاين ونموذجه النظري هي عرض الفرضيات الأساسية للنظرية ومن ثم محاولة نقدها بتكثيف. ما هي إذن هذه الفرضيات، إنها:
- الفرضية الأولى: إن النسق العالمي يحدد الأنماط القومية. وفقاً لفالرشتاين تمثل البنية الاقتصادية للأنماط القومية دالة Function طويلة المدى للطلب العالمي وكذلك للإمكانيات التكنولوجية للعرض في السوق العالمي. فهو يفترض هنا أنه في كل حالة تمتلك الطبقة المسيطرة في النسق الاقتصادي/ الاجتماعي القومي حرية داخلية تامة لاختيار نظام الإنتاج (بما في ذلك طريقة السيطرة على قوة العمل). وبعبارة أخرى يمكن القول أن طريقة الإنتاج المعتمدة في النسق القومي هي نتاج الخيار الأمثل من قبل الطبقة المسيّطِرة من زاوية تحقيق مصالحها في السوق العالمية. إن هذه الأطروحة غير دقيقة في الواقع، إذ أن إمكانية تشكل العلاقات الاجتماعية من قبل القوى المسيطرة في الأنساق الفرعية تبدو محدودة. بل أننا، في الواقع، يمكن أن نلاحظ نزوعاً معكوساً يتمثل في أن العلاقات الاجتماعية في الأنماط القومية تعتبر دالة بعيدة المدى للتقاليد الثقافية المحلية (القومية). ومن المعلوم أن هذه العناصر تتشكل، بغض النظر عن السوق العالمية، في الكثير من الأحيان (رغم أنها يمكن أن تشكل تحت تأثير "تسرب" الثقافة – أو الثقافات – الأقوى).
- الفرضية الثانية: إن التبادل اللامتكافئ يمثل سبباً/ نتيجة للقوة غير المتساوية (اللامتكافئة) لأطراف الاقتصاد العالمي. يعلل فالرشتاين الفروقات في قوة هذه البلدان وتعدد أنواع السياسات المعتمدة من قبلها، يعللها بالفروقات في درجات (مستويات) انتزاع فائض القيمة العالمي، وباختلاف مصالح المجموعات (القوى) المسيطرة في مختلف مراكز الاقتصاد العالمي. هكذا، إذن، من جهة يتألف المركز من بلدان قوية لأنه قبل كل شيء ينتزع الجزء الأعظم من الفائض المذكور. ومن جهة ثانية فان المركز ينتزع الجزء الأعظم من هذا الفائض لأنه يتكون من بلدان قوية! إن هذا الطرح ليس شاملاً بل أحادى الجانب، وبالتالي فهو غير مقبول منهجياً. فمن الناحية الواقعية، ولكي يمكن توضيح الفروقات في قوة وسياسة مختلف البلدان، فانه ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار، بالإضافة الى الشروط الاقتصادية والمصالح في السوق العالمية، متغيرات اجتماعية أخرى جوهرية، مثل الضغوطات العسكرية للإبقاء على الوضع الراهن، أو مخاوف الطبقات الاجتماعية المسيطرة من انفجار التناقضات الاجتماعية وعدم قدرتها على احتوائها. إن القرارات المتخذة في هذا المجال هي إذن، كما تبيّن التجربة، محصلة لمتغيرات عدّة أهمها: المصالح القومية العامة، مصالح القوى المسيطرة، مصالح "نخبة" السلطة ذاتها، فهي إذن ليست فقط امتداداً لمصالح الطبقة المسيطرة اقتصادياً.
- الفرضية الثالثة: إن علاقات التبادل تحدد بقية العلاقات الاجتماعية. حسب فالرشتاين فإن العلاقات التجارية تمثل العلاقات الأساسية المحدِدة لبقية العلاقات الاجتماعية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهو بهذا يتفق مع اطروحات "مدرسة التبعية". إن تلك العلاقات تمثل المتغير الأساسي للموديل (النموذج) النظري الذي صاغه فالرشتاين، وتمثل في نفس الوقت العنصر الأهم للواقع الاقتصادي الدولي طبقاً للهرمية المعتمدة من قبله، والتي أشرنا إليها في مكان آخر من هذا المقال. وإذا أوّلنا تأويلاً صحيحاً فكرة فالرشتاين فإن السوق العالمي يمثل المنظِم الرئيسي للاقتصاد الرأسمالي العالمي وتقسيم العمل. غير أنه من المفيد الإشارة الى أن إسقاط هذا المفهوم والتناول المرافق له على أرضية تحليل الاقتصاد العالمي إنما يؤدي الى تبسيط مبالغ فيه ذلك لأن نشاط الدول إنما يقوم على العقلانية السياسية وليس الاقتصادية فقط. ويبدو أن مفهوم "الرجل الاقتصادي" لا يكفي لأن يكون أساساً أو قاعدة لدراسة سلوك أطراف السوق العالمية. وإذا كانت علاقات التبادل تمثل المتغير الأساسي في الموديل النظري الذي صاغه فالرشتاين فانه ينطرح تساؤل منهجي بسيط ولكنه هام هو: هل أن تصفية الضبط السوقي – حسب فالرشتاين – يمكن أن يؤدي الى إزالة التقسيم غير العادل للعمل في الاقتصاد العالمي وهو رأسمالي في جوهره؟ الجواب بكل تأكيد هو: كلاّ. إن حصر التحليل على علاقات التبادل واعتبارها العلاقات المقررة إنما يعني أن هذا النهج من التحليل لا يقر بوجود علاقات وأساليب إنتاجية على المستوى العالمي.
- وبغض النظر عن الملاحظات السابقة فإن نقطة ضعف نظرية النسق العالمي لفالرشتاين تتمثل باختلاط الأيديولوجي بالنظري. من الممكن طبعاً فرز النظري عن الأيديولوجي في مفاهيمه، غير أن الكاتب يشير الى أنه لا يمارس هذا النشاط. فمثلا يلاحظ في النموذج النظري لفالرشتين غياب المعايير الواضحة التي تسمح بفرز "طلائع" مركز الاقتصاد العالمي، وبالتالي تندلع مساجلات حادة حول ما يتعلق بانتماء مختلف الأنماط القومية الى هذه الطليعة. فهو على سبيل المثال صنّف "البلدان الاشتراكية" في سبعينات القرن الماضي تصنيفاً وظائفياً باعتبارها بلدان شبه طرفية في الاقتصاد العالمي. بالإضافة الى ذلك تنطرح مشكلة منهجية أخرى تتمثل بالتناقض بين التجريد النظري المصاغ في نظرية متماسكة منطقياً (نظرية النسق العالمي) وبين الواقع (الاقتصاد العالمي). ففي إحدى تجريداته يطرح فالرشتاين موضوعة تقول بأن الاقتصاد العالمي هو اقتصاد رأسمالي موصوف بوضوح، لكن هذا الطرح لا يرى حقيقة أن النسق العالمي يتضمن أنماطا أخرى من علاقات الإنتاج يجب تمييزها. إذن هذا الطرح لا يميز بين حقيقة وجود "تعايش" عدة أنماط من علاقات الإنتاج وبين سيطرة أحد أنماط هذه العلاقات، أي علاقات الإنتاج الرأسمالية على الاقتصاد العالمي وإعادة إنتاج هذا النسق العالمي ضمن منطق وصيرورة هذه العلاقات.
ثانيا: مساهمة سمير أمين : الرأسمالية والمنظومة – العالم
بداية لا بد من الإشارة الى أن سمير أمين كان يهدف الى بناء نظام نظري شامل في محاولة جادة ومجتهدة منه لفهم قوانين الرأسمالية في مرحلتها الراهنة وما شهدته من توسع ومساراته التاريخية.
وفي مسعاه لفهم خصوصيات العالم الرأسمالي الحديث وما طرأ عليه من تغيرات، ينطلق سمير أمين من ثلاثة افتراضات(17):
- الأول وفحواه أن نمط الإنتاج الرأسمالي يشكل انقطاعا نوعيا عن المنظومات السابقة له. ويكمن السبب في ذلك – بحسب سمير أمين – في أن قانون القيمة لا يحكم هنا الحياة الاقتصادية، بل يشمل أيضا المنظومة الاجتماعية الرأسمالية، كما يحكم العلاقات النوعية والجديدة بين القاعدة الاقتصادية للمنظومة الرأسمالية وبنيتها الفوقية السياسية والإيديولوجية.
- الثاني ويقوم على فكرة أن المنظومة الرأسمالية الحديثة هي منظومة عالمية، وغدت فعلا كذلك، وإن تدريجيا، بدءاً من عام 1500. إن الأجزاء المكونة لهذه المنظومة لها هذه الصفة بسبب مساهمتها في تقسيم عمل دولي، وهي تبدو كمنظومة اقتصاد عالمي ذلك لأنها خاضعة لمنطق ما يطلق عليه سمير أمين "قانون القيمة المعولم".
- إن قانون القيمة المعولم الذي يشكل أساس المنظومة يُنجِب بالضرورة استقطاباً (التعارض بين "المركز – الأطراف"). وهذا الشكل من الاستقطاب هو تعبير عن الإفقار المرافق للتراكم على المستوى العالمي، وهو يشكل ظاهرة جديدة ليس لها مثيل في السابق، كما انه يحكم جميع النزاعات.
ويواصل سمير أمين مقاربته النظرية بالإشارة الى وحدة التحليل الأولية عنده هي ظهور المنظومة الرأسمالية في صورتها المباشرة كـ"اقتصاد – عالم" يعمل في الإطار السياسي لمنظومة تتألف من دول ذات سيادة. ورغم أن سمير أمين يعتمد تحليل المنظومة العالمية بدلا من مفهوم نمط الإنتاج كأداة تحليلية لفهم الرأسمالية فانه لا يجد في ذلك أي تعارض، بل "على العكس من ذلك، فان هذين الاتجاهين في التحليل متكاملان"(18). وبهذا المعنى فهو لا يبخس مفهوم نمط الإنتاج وقصر النظر على المنظومة العالمية، بل انه يرى أن ثمة ضرورة منهجية لتدعيم تحليل العالم الحديث من منظور خصوصية نمط الإنتاج الرأسمالي، وذلك باستكماله بتحليل بُعدِه المنظومي العالمي. هذا مع العلم انه يعارض تفسيرات التبادل اللامتكافئ، والإمبريالية عموما، التي لا تعتبر النظام العالمي والساحة الدولية للصراع الطبقي هما الوحدة الأولية للتحليل والعمل.
ومن جهة ثانية يرى سمير أمين وحدة النظام العالمي في " سمو القيمة الدولية" وفي "الاغتراب السلعي للعمل" وفي " شمولية اختزال قيمة العمل الى سلعة"(19). ويعتقد سمير أمين أن سمو القيم الدولية يوفر جوهر الطرح المتعلق بوحدة النظام العالمي، ولكنه يضيف أن الوحدة لم تكن قط مطابقة للتجانس، فالنظام الرأسمالي العالمي ليس نظاما متجانسا، ولا يمكن النظر إليه بوصفه نمط الإنتاج الرأسمالي على صعيد عالمي(20).
بالمقابل، يسعى سمير أمين لتحديد التاريخ الحقيقي ـ باعتقاده - للمنظومة الرأسمالية العالمية. وفي هذا الصدد يشير الى " أن إسقاط مفهوم المنظومة الرأسمالية العالمية على الماضي – قبل عام 1800 – ينجم عنه دائماً رفض الاعتراف بأهمية القفزة النوعية التي يمثلها الانتقال الى الصناعة الرأسمالية الحديثة، وهو رفض يسطح التاريخ الحقيقي"(21).
وارتباطا بهذا التحديد يطور سمير أمين أفكاره منتجا مفهوم (الاستقطاب) وهو مفهوم مبثوث في العديد من أعماله ولهذا لا حاجة للدخول في التفاصيل، بل يمكن الإشارة الى أبرز أطروحاته بشأن هذه الإشكالية وهي(22):
أولا: إن الاستقطاب هو قانون ملازم للتوسع العالمي للرأسمالية. إن الرأسمالية القائمة فعلاً، وهي ظاهرة عالمية، لا يمكن تقليصها الى نمط الإنتاج الرأسمالي، ذلك لأن هذا النمط يفترض وجود سوق مندمجة ذات أبعاد ثلاثة (سوق السلع ورأس المال والعمل) تحدد قاعدة عمله.
ثانياً: إن تحديد المضمون الجوهري لمفهومي المركز والأطراف هو ذو طبيعة اقتصادية، ولا يتعلق الأمر هنا باختيار اعتباطي وإنما بالتعبير عن غلبة المجال الاقتصادي في النمط الرأسمالي، وخضوع المجالين السياسي والإيديولوجي مباشرة لضغوط تراكم رأس المال.
ثالثاً: إن الاستقطاب بشكله الحديث ظهر مع تقسيم العالم إلى بلدان مصنّعة بالتعارض مع البلدان التي لم تنخرط بالتصنيع. انه إذن ظاهرة حديثة نسبيا، تكونت في القرن التاسع عشر.
وهكذا يمكن القول إنه من اجل تحقيب صحيح لتاريخ الاقتصاد الرأسمالي العالمي، فإن هذا الاقتصاد الذي يعنيه سمير أمين لم يأخذ شكله المكتمل إلا مع الثورة الصناعية، أي حوالي عام 1880.
إن الرأسمالية كتشكيلة عالمية البعد لم تأخذ صيغتها الراهنة إلا بعد أن مرّت بعدة مراحل، وكل مرحلة منها كانت تتميز بعدة سمات من أهمها:
- نموذج معين للتراكم؛
- مجموعة محددة من الصناعات الرائدة؛ تلعب دور قاطرات النمو؛
- نمط معين من التخصص وتقسيم العمل بين "المركز" و"الأطراف"؛
- آليات محددة في المجال النقدي والمالي تضمن اشتغال النظام بأقل قدر من الاحتكاكات والأزمات؛
- قوى اجتماعية وتحالفات دولية ترافق ذلك.
وبما أن الحديث عن الرأسمالية يستدعي مقاربتها في إطار كونها سيرورة (محلية وعالمية) وليس لحظة، تتطور باستمرار وتنتقل من مرحلة الى أخرى، فإن التاريخ الفعلي لها هو عبارة عن فترات من التوسع وفترات من الركود، ولحظات التراجع في الحركة توصف بأنها أزمة. وبهدف الكشف عن الاتجاهات الفعلية التي عرفها الاقتصاد الرأسمالي العالمي في حركته يميّز سمير أمين بين ثلاثة مستويات للتحليل هي:
- الدورات القصيرة؛
- الموجات الطويلة؛
- الأزمات العامة للنظام(23).
ففيما يتعلق بـ "الدورات القصيرة" فإنها تتكون من تعاقب فترتي توسع وانكماش تمتدان لبضعة سنوات (سبع سنوات في المتوسط). هذه الدورات رسمت معالم الفترة الممتدة من 1815 وحتى 1945 (أي نهاية الحرب العالمية الثانية). امتازت هذه المرحلة بميزات عدة من بينها:
- إدارة التنافس بين المؤسسات عبر الضغط على الأجور. طبعا هذه الإدارة تطال فترة الرأسمالية الصناعية (1800 – 1880)، كما تطال فترة رأسمالية الاحتكارات الأولى التي تلتها بدأً من عام 1880.
- الثبات النسبي في توازن الهيمنات الخاصة بالتشكيلات المسيطرة.
- الإدارة الوطنية للنظام من خلال السيطرة على النقد والائتمان.
- ثبات التباين بين المراكز المصنعة والأطراف غير المصنعة الذي ولد وتعمق على امتداد تلك الفترة.
وبمقابل "الدورات القصيرة" هناك "الموجات الطويلة" والتي يمكن تحقيبها – بحسب سمير أمين – الى أربع موجات متعاقبة، وكل مرحلة نهوض تتطابق مع نظم إنتاجية جديدة كبرى من جهة، ومع تحولات سياسية أدت الى توسيع الأسواق الرأسمالية من جهة ثانية. ويعتقد سمير أمين أن مقاربته هذه تنطلق من روح المادية التاريخية في ارتباطها الوثيق مع الاقتصاد السياسي، حيث المقاربة هذه تريد إبراز الارتباط الوثيق بين الظواهر الاقتصادية بالمعنى الضيق للكلمة والتطورات الجارية في الحقول الأخرى، للواقع الاجتماعي، وأن أوجه هذا الواقع هي أيضا تعبيرات أو تجليات لتراكم رأس المال في حركته(24).
وبالمقابل، فإن كل مرحلة من مراحل الركود الطويلة تمتاز بخصائص محددة. فمثلا الأزمة الكبرى التي حدثت في نهاية القرن التاسع عشر أدت الى تسريع عمليات تركز وتمركز رأس المال، تحت ضغط المنافسة الشديد، الى درجة أحدثت تحولا نوعيا تمثل في الانتقال من الرأسمالية التنافسية الى رأسمالية الاحتكارات، إضافة الى انتهاء حقبة الهيمنة البريطانية.
أما السمة الأبرز لمرحلة 1914 – 1945 فكانت تتمثل في التنافس بين المراكز الإمبريالية، أو ما يطلق عليه بحرب الثلاثين سنة بين الولايات المتحدة وألمانيا على خلافة بريطانيا. كما أن هذه المرحلة طبّعتها حربان عالميتان والأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى (1929 – 1933).
في حين أن الأزمة البنيوية الطويلة التي بدأت منذ أواخر الستينات من القرن العشرين فإنها جاءت لتلي نهوضاً تأسس على ثلاث قواعد أنتجتها هزيمة الفاشية والنازية، وهذه القواعد هي:
- التسوية التاريخية بين الرأسمال والعمل التي دعمتها، في البلدان الرأسمالية المتقدمة، سياسات كينزية وطنية، حلّت محل التضبيط Regulation التنافسي المعادي للأجور.
- مشروع بناء الاشتراكية في مجموعة بلدان (المنظومة الاشتراكية) الذي فرض على الرأسمالية تحديا وحافزا في آن.
- مشروع التنمية الوطنية البرجوازية في أطراف النظام الرأسمالي العالمي الذي تمكن من الظهور بفضل انتصارات حققتها حركات التحرر الوطني آنذاك.
وبالرغم من قصر هذه الفترة (فترة النهوض)، إلا أنها مثلت شكلا جديدا في التناقض الدولي؛ فبعد أن كان تباين المركز والأطراف يرادف الانقسام بين البلدان المصنعة وغير المصنعة، منذ التوسع الاستعماري، أدى الوضع الجديد بقيام الكتلة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني إلى إعادة النظام الرأسمالي العالمي ترتيب نفسه، حول محور استقطاب جديد، في بلدان الثلاثية (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية واليابان)، محتكرا لنفسه خمسة احتكارات وهي(25):
- احتكار المراكز في مجال التكنولوجيات الحديثة؛
- احتكار المراكز المسيطرة على التحويلات المالية على الصعيد العالمي؛
- احتكار المراكز في مجال القرار بشأن الموارد الطبيعية على صعيد كوني؛
- احتكار المراكز في مجال الأعلام والاتصال وهي وسائل صارت ذات فاعلية لا سابق لها في نشر عوامل ثقافية من شأنها أن تؤثر تأثيرا ملحوظا في تطور السياسات المحلية؛
- احتكار المراكز في مجال أسلحة الدمار الشامل النووية وغير النووية.
هذا وشهدت الأزمة البنيوية الطويلة المشار إليها سابقا انهيار نماذج التنمية الثلاثة: "الكتلة السوفيتية"، ومشروع باندونغ، ومشروع دولة الرفاه الاجتماعية الديمقراطية. وبمقابل ذلك أحكمت في الوقت نفسه رأسمالية الشركات متعدية الجنسيات سيطرتها لتطبق على خناق الاقتصاد العالمي، وهو رأسمالي في جوهره.
الهوامش:
1- وأهم المحاولات تلك التي قام بها ايمانويل فالرشتاين، أندريه غندر فرانك، ألبرت بيرجيسين، سمير أمين وغيرهم.
2- لمزيد من التفاصيل قارن: صالح ياسر حسن، العلاقات الاقتصادية الدولية- الأبستمولوجيا، الأنطولوجيا، الأكسيولوجيا- (بغداد: دار الرواد، 2006).
3- قارن: يرزي كلير، الاقتصاد العالمي: سنن التطور، مطبعة الدولة الاقتصادية. وارشو 1981، ص 43 ولاحقا (باللغة البولندية).
4- تبلورت في العديد من المؤلفات الهامة التي كتبها ومنها: النظام العالمي الحديث (The Modern World-System)، وكتاب تحليل النظم الدولية-النظرية والمنهجية .(World-Systems Analysis : Theory and Methodology)
5- Wallerstein, The Modern world – system, New York 1974; and: I. Wallerstien, World- System Analysis. (In): Giddenns A & Turner B, Social Theory Today, Cambridge 1987.
6- انظر: توماس سنتش، نقد نظريات الاقتصاد العالمي. الجزء الثاني. ترجمة عبد الإله النعيمي. مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، دمشق 1990، ص 143.
7- قارن على سبيل المثال: A. G. Frank, Dependent Accumulation and Underdevelopment. Macmillan, London 1978.
8- روبرت برينر، أصول التطور الرأسمالي. " جدل " العدد 3/1992، ص 434.
9 .Wallerstein, World – system Analysis: op., cit.
10- قارن:عمانويل فالرشتاين، الثقافة كمعترك إيديولوجي للنسق العالمي الحديث. (في): ثقافة العولمة. القومية والعولمة والحداثة. إعداد مايك فيذرستون، ترجمة عبد الوهاب علوب. المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، 132، القاهرة 2000، ص 37.
11- يعرف التبادل اللامتكافئ بانه مفهوم اقتصادي يصف نقل القيمة والعمل والموارد بشكل منهجي من الدول النامية إلى الدول المتقدمة عبر التجارة الدولية، بسبب فوارق الأجور الهيكلية وتفاوتات القوة التفاوضية، مما يؤدي إلى تصدير الدول النامية كميات أكبر من العمل والموارد مقابل سلع ذات قيمة أعلى، ويُعزز ثراء الأغنياء ويُعمق فقر الفقراء وتخلفهم.
12- انظر: أنتوني برور، النظريات الماركسية عن التبعية. " جدل " 3/1992، ص 322.
13 - I. Wallerstein, Patterns of Development, op., cit., p121.
14- A. Emmanuel, Unequal Exchange. A study of Imperialism of Trade. London 1972.
15- Wallerstien I., Historical Capitalism, London: Verso, 1983, p.32.
16- يُطلق على هذه الدورات اسم الاقتصادي السوفيياتي نيكولاي كوندراتييف الذي وضع نموذجها الأول في كتابه “الدورات الاقتصادية الرئيسية” عام 1926.
تتكوّن دورة كوندراتييف من مرحلتين؛ الأولى مرحلة التوسّع (أ)، والثانية مرحلة الضمور (ب)، وغالباً ما تأخذ الدورة فترة ما بين خمسين إلى ستين عاماً. إن ما هو عملية شبه مركزية اليوم، يصير غداً عملية أطراف، فالواقع أن أشباه الاحتكارات تصفّي نفسها بنفسها، لكنها تضمن تراكم رأس المال لمدة ثلاثين عاماً على الأقل، فما يفسر الإيقاعات الدورية للاقتصاد العالمي إنما هو عملية ذوبان أشباه الاحتكارات.
17- قارن: سمير أمين، الرأسمالية والمنظومة – العالم. " جدل " – سلسلة كتاب العلوم الاجتماعية، الكتاب 3،، 1992، ص 288-293.
18- المصدر السابق، ص 291
19- لمزيد من التفاصيل حول هذه الإشكاليات انظر: سمير أمين، التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة. ترجمة عادل عبد المهدي. دار الحقيقة، بيروت 1974.
20- ترد إشارات عديدة حول هذه القضايا في العديد من أعماله. لمزيد من التفاصيل قارن: سمير أمين، قانون القيمة والمادية التاريخية. ترجمة: صلاح داغر. دار الحداثة، بيروت 1981.
21- انظر: سمير أمين، " الرأسمالية والمنظومة – العالم." جدل – سلسلة كتاب العلوم الاجتماعية: الكتاب 3/1992، ص 293.
22- المصدر السابق، ص 294.
23- لمزيد من التفاصيل قارن: سمير أمين، نقد روح العصر. ترجمة فهمية شرف الدين. دار الفارابي، بيروت 1998؛ كذلك: سمير أمين: الرأسمالية والمنظومة – العالم ...، مصدر سابق، ص 300 – 307 ؛ كذلك: سمير أمين، ما بعد الرأسمالية المتهالكة. ترجمة فهمية شرف الدين وسناء أبو شقرا. دار الفارابي، بيروت 2003، ص 31 ولاحقا.
24- قارن: سمير أمين، في مواجهة أزمة عصرنا. سينا للنشر ومؤسسة الانتشار العربي، القاهرة – بيروت 1997، ص 110.
25- لمزيد من التفاصيل قارن: سمير أمين، في مواجهة أزمة عصرنا ...، مصدر سابق، ص 17 -21