
العفّة القهرية – العفّة الحرّة
بما أنّ موجبات الفتنة وتبعاتها ملقاة على عاتق المرأة، فعليها أن ترتدي الحجاب أو أن تُجبَرَ على ارتدائه، كي تحولَ دون حدوث الفتنة وتوحي بعفتّها وطهارتها، وكان يجب على كلّ من يدافع عن السفور أن يُثبتَ أنّه ليس موجباً للعفة، وأن لا معنى للعفّة القهرية والعفّة الأثيرة هي العفة الحرّة، وقد شرّعَ قاسم أمين الأبوابَ أمام مفهوم العفّة الحرّة، واقتفت أثرَه نظيرة زين الدين.
بادر قاسم أمين في كتابه «تحرير المرأة»، إلى فكّ الارتباط بين الحجاب والعفّة، لتسفيه الحجّة الشائعة التي تقرن الحجاب بالعفة، فبيّنَ كيف أنّ الحجاب يُهدّد العفة لا السفور، فالمرأة التي تخالط الرجال تكون أبعدَ عن الأفكار السيئة من المرأة المحجوبة، لأنّه مِن ألزم لوازم الحجاب أنّه يهيّئ الذهن في الرجال والنساء معاً لتخيُّل الشهوة لمجرّد النظر أو سماع صوت، عدا عن أنّه من الأفضل للمرأة ألا تُجبَرَ على العفّة وأن تختارها، باعتبار أنّ العفة القهرية، عفة مزيّفة، فيقول شارحاً فكرتَه:
«إنّ المرأة التي تحافظ على عفّتها وشرفها وتصون نفسها عما يوجب العار، وهي مطلقة غير محجوبة، لها من الفضل والأجر أضعاف ما يكون للمرأة المحجوبة، فإنّ عفّةَ هذه قهرية، أمّا عفّةُ الأخرى فهي اختيارية، والفرق كبير بينهما، ولا أدري كيف نفتخر بعفّة نسائنا ونحن نعتقد أنهنّ مصونات بقوة الحرّاس واستحكام الإقفال وارتفاع الجدران، فإذا كانت نساؤنا محبوسات محجوبات فكيف يمكنهنّ أن يتمتّعنَ بفضيلة العفة، وما معنى أن يقال إنّهنّ عفيفات؟ إنّ العفة هي خلق لنفس تمتنع به من مفارقة الشهوة مع القدرة عليها، فالعفة التي تُكلَّف بها النساء يجب أن تكونَ من كسبهنّ، وممّا يقع تحت اختيارهنّ، لا أن يكنَّ مستكرهات عليها، وإلا فلا ثواب لهنّ في مجرّد الكفّ عن المنكر، وكذلك قال الرسول: من عشق فعفّ فكتم فمات فهو شهيد»(1).
تقوم نظرية العفة على عدم قيام أية ملامسة أو علاقة جنسية بين امرأة فتاة أو ناضجة إلا على أساس عقد شرعي، وأن تُخلصَ المرأة المتزوجة لزوجها، أي أن تمتنعَ عن أي وصال خارج العلاقة الزوجية، إلا أنّ الكاتب يُعدّل النظرية، فالعفّة ليست جسدية فحسب، بل روحية تُمسك المرأة تلقائياً عن أي تجاوز وتُفقدها الرغبة في رجال آخرين، وهذا ما يرغب فيه الرجل بدلاً من الإلزام والقهر، فيقول:
«ثمّ ماذا يفيد الرجل أن يملكَ جسم امرأته وحدَه إذا غاب عنه قلبها؟ أيستطيع أن يمنعَها أن تتصرّف فيه وتبذلَه لأي شخص تريده؟ فإذا رأت امرأة من الشباك رجلاً، فأعجبها ومالت إليه بقلبها وودّت أن تُواصلَه لحظة، أفلا يُعدُّ هذا في الحقيقة من الزنا؟ ألم يتمزّقْ حجابُ العفة في هذه اللحظة؟ وهل بُعد المسافة بينها وبين الرجل وعدم تمكُّنها من مواصلته يُسمّى عفة؟»(2).
وبعد أن يُسهبَ قاسم أمين في الربط بين التربية والتعليم والتهذيب والاستقلال والحب الزوجي المخلص، بوصفها عوامل تؤهّل المرأة للتعفُّف، يفاجئنا بعد كلّ هذه الحجج والبراهين بإقراره أنّ هناك مغالاةً في تثمين العفة على حساب خصال وفضائل أخرى والتركيز عليها وعلى أساليب الحفاظ عليها، الأمر الذي يجعلها تفوق أية قيمة أخلاقية أو إنسانية أو معرفية ضرورية للنهوض بالحياة:
كونها امرأة، لا تجرؤ زين الدين على انتقاد المغالاة والإسراف في التشديد على مبدأ العفة، ولكنّها وعلى غرار قاسم أمين تنفي تلازُم العفة بالإلزام والقهر والتحجّب، وتدعو إلى استبدال الإلزام والقهر بالمعرفة والفضيلة.
وترى زين الدين أنّ الفضيلة والمعرفة صنوان، وأنّ المعرفة لا الجهل، والحرية لا العبودية، هي التي تُحصّن الإنسان عموماً، والمرأة خصوصاً، ضدّ الخطأ؛ إذ تعتقد أنّ السفور والعلم والحرية أدعى من الحجاب والجهل والعبودية إلى الصيانة والكرامة والعفاف وصلاح العيلة البشرية وصلاح المجتمع، فتقول بلغة المرافعة القانونية: "لأنّ العيلة والمجتمع إنّما ينتظمان ويسعدان متى سادهما العمل والحق، ومتى كان نور الحرية وهو حقّ مثل نور الشمس شاملاً، فلا سعادة ولا صلاح ولا انتظام مع الاستبداد والظلم، وبقاء نصف العيلة والمجتمع محروماً ذلك النور، وبقاء الأم مظلومة ترسف، بل ترزح، تحت قيود حجابها محرومة حريتها وكل أنواع رقيّها، الأمر الذي يحرمها القدرة على ترقية أولادها وإسعاد بنيها»(3).
ولكنّها لا تبلغ ما بلغه قاسم أمين وتُقلّل من قيمة العفة المطلقة، وترهنها بالحب، وتكتفي به كشرطٍ مطلق للعفة، كما لم تجرؤ، كما قاسم أمين، على استهجان الأهمية الكبرى، المعطاة لما يسمّى العفة، على حساب خصال وملكات أخرى، وهذا التحفُّظ بديهي، فالرجل بحكم موقعه الفوقي أقدر على التعرّض للمحرّمات، التي قام بوضعها تاريخياً.
تنزيه الاختلاط من شبهة الفتنة
بعد مناقشة الدوافع الخفية والمضمرة لاحتجاز حرية المرأة، والمحصورة بدعاوى كونها مصدر فتنة وافتتان وابتلاء ومفتعلة معاً، التي تراها الكاتبة غير منطقية وغير مقنعة وغير مقدسة، تدعو زين الدين إلى إعادة النظر في هذه المفاهيم والاستراتيجيات لصالح الجنسين، وإلى نزع الطابع الجنسي الإيروتيكي عن العلاقة بين الجنسين، داعيةً إلى التخلي عن مفاهيم شعبية ومبادئ سائدة تقرن الاختلاط بالفتنة، كما تُنبّه إلى أنّ هذا التشدد في إدارة الاختلاط ينعكس سلباً على الرجل نفسه ويحرمه من لذة الاجتماعات العيلية، أي من لذة الاختلاط، داعيةً إلى فكّ الارتباط بين الفتنة والاختلاط، لأنّ نساء أوروبا وأميركا من أكثر نساء الأرض اختلاطاً بالرجال، وأسبقهنّ بالحرية، يتلقّينَ علومهنّ العالية مع الفتيان على مقاعد واحدة. وهكذا يختلط الجنسان في المعابد. وهكذا يختلطان في المتنزهات والمجتمعات، وفي الأندية العلمية حيث تُلقى المحاضرات، وهنا يعلمنَ أنّ «العلم العالي يرفع من منازل الضعة والصغار، إلى مراقي الشرف والكرامة والفخار»(4).
وخلافاً لنظرية الفتنة والفوضى، ترى الكاتبة في الاختلاط عنصرَ تهدئة وترقية وتهذيب، وتدعو إلى تجريب الاختلاط: «جرّبوا يا سادتي جرّبوا، أدخلوا سيدة سافرة جليلة على السكارى يصحوا، أدخلوها على غوغاء الناس يصلحوا، أدخلوها على مجلس في فوضى ينتظم، أدخلوها على لسان بذيء ينصرم، أشركوها في أعمالكم ومجالسكم وأنديتكم يسُدْ فيها الصلاح، والنظام، والأدب، والوقار»(5).
وبناءً عليه، تدعو الكاتبة إلى إعادة النظر في أقوال وكليشيهات تبدو لها مهجورة المعنى وغير عملانية، إذ يجب أن نخجلَ من قول بعضهم «نار وبارود لا يجتمعان» أو «هوى الجنسين في المجتمعات لا يضبط»، فكلّما اجتمع الجنسان في أطرٍ عائلية سويّة تهذّبت العلاقة بين الجنسين، ويشهد على ذلك العالم السافر. يحصر الهاجس الإيروتيكي العلاقةَ بين الرجل والنساء بالجنس، ويتمركز هذا الهاجس حول جواز حدوث الفتنة، وبالتالي الإثم. إنّ الفتنة تعني الإخلال بالنظام الاجتماعي المحكم الذي يقضي بعدم التداخل بين الجنسين، إلا وفقاً للقوانين التي تحصرها بالزواج وتوكل مهمّة إدارتها والتحكّم بها إلى الرجل.
وإذا تمّت مجاراة هذه النظرية، وسلّمت الكاتبة بجواز «الفتنة» عند الاختلاط مع غير المحارم، إلا أنّها تُرجع هذا الاحتمال إلى ما يدور في أذهان الرجال، وإلى نيّاتهم وطبائعهم، بمعنى آخر إلى هاجسهم الإيروتيكي، فتُؤوَّل آية غض الأبصار تأويلاً حرّاً، جديداً، يتجاوز وظيفة البصر الحسية إلى دوافع الناظر، فتُبنى على «من التبعيضية» في الآية القرآنية الكريمة: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم... وليضربنَ بخمرهنّ على جيوبهنّ»(6)، وعلى الحديث النبوي «البسوا وتجمّلوا إنّ الله جميل يحبّ الجمال»، وجهة نظر مفادها أنّه يقصد من الغضّ من الأبصار، الأبصار الخبيثة، لا النزيهة البريئة من الاشتهاء والرغبة والهاجس الإيروتيكي، وأنّ الإيعاز بغضّ الأبصار يفترض أنّ النظر مباح، وأنّ الاستمتاع بالجمال يمكن أن يكونَ بريئاً من الاشتهاء، فتصيغ وجهة نظرها كالآتي:
«وإنّي أرى أنّ الأمرَ الإلهي بالغضّ من الأبصار موجّه إلى الروح، فالبصر له محرّكان، إما النفس النزيهة المرضية، أو النفس الخبيثة الأمّارة بالسوء، والمأمور بردّه هو البصر المحرَّك بالنفس الأمّارة التي يجب غضّها، بل إعماؤها، أما البصر المحرَّك بالنفس المرضية التي هي نفحة من الروح الإلهية فينبغي له أن يكون دائماً حرّاً طليقاً. وإنّما من أجل هذا استعمل سبحانه وتعالى «من» التبعيضية، فلم يقل: يغضّوا أبصارهم أو يغضضن أبصارهنّ، بل قال تعالى: «يغضّوا من أبصارهم» و«يغضضنَ من أبصارهنّ»، أي أن يغضوا ويغضضنَ منها البصر الخبيث الشرير»(7).
وتتساءل من جهة أخرى مستهجنةً: «إذا افتتن الرجل بالمرأة، فما ذنبها هي ليخفى وجهها؟»(8).
جنوسية الفضيلة
توافق نظيرة على النظام المعرفي القائم، الذي يكاد يحصر الفضيلة، وشقيقتها الصغرى «العفة»، في الحقل الجنسي، ولكنّها تعترض على أمرين: على تحجيب المرأة كوسيلة مثالية ووحيدة لدرء الفتنة، وعلى تحميل المرأة دون الرجل أوزار تجنُّب «الفتنة»، والانتصار للفضيلة، وتطالب بالعدالة الأخلاقية بين الجنسين.
تستعمل نظيرة مصطلح «فضيلة»، بديلاً من مصطلح «عفة»، على عكس ما فعل قاسم أمين، الذي اكتفى بمصطلح «عفة»، ونحن نُبرز هذه الفروقات لأنّ دلالات مصطلح «فضيلة» أشمل وأوسع من مصطلح «عفة»، فإذا كانت «الفضيلة» هي التفوّق الأخلاقي، أي الدرجة الرفيعة من حسن الخلق، بما يتّسم به الإنسان، من شيم وصفات، فإنّ «العفة» هي الانتصار على الشهوات، ومنها الشهوة الجنسية، والصغائر والسفاسف. فهل استعملت زين الدين مصطلح «فضيلة» حصراً لأنّ فضيلة المرأة كانت محصورةً بعفتها؟ وبمَ طالبت لحلّ هذه التناقضات؟
تطالب نظيرة بأن يتساوى الرجل والمرأة أمام المعايير الأخلاقية المعمول بها ذاتها، فلا يفرض الرجال على النساء قيوداً وضوابط لا يلتزمون بها أنفسهم، فيتمّ تأنيث الفضائل والقيود أو تذكيرها، وفق النوع الاجتماعي، لأنّ هذا التمييز الذي ينفر منه العقل، يخالف مبدأً جوهرياً جاء في القرآن الكريم، وهو أنّهم «خُلقوا والنساء من روح واحدة»(9).
ولأنّها تفترض الرجال على هذه الصورة الإلهية، مثلهم مثل النساء، تطالبهم بأن يخافوا «من أن توصم نفوسهم بعيب، كما تخاف أن توصم نفوسهنّ بعيب»، لأنّه «يجب أن يكون ما يُعدّ عيباً للرجل عيباً للمرأة، وما يُعدّ عيباً للمرأة عيباً للرجل، وما يُعدّ فضيلةً للرجل فضيلةً للمرأة وما يُعدّ فضيلةً للمرأة فضيلةً للرجل»(10).
وانطلاقاً من رفضها مبدأ حصر العيب أو الفضيلة بسلوك النساء وتحميلهنّ وحدهنّ مسؤولية المحافظة عليها وتبعاتها، تنتقد الكاتبة الممارسات التربوية، القائمة على التمييز بين تربية البنات والصبيان في ما يتعلّق بمفاهيم العيب، بتحجيب أولئك وإطلاق حرية هؤلاء، فتقول في هذا الشأن:
«يا سيدي إذا خفت فساداً وعيباً في سفور بناتك وحسبت من الجائر أن تقيّدهنّ بالحجاب دفعاً لذلك الفساد ومنعاً من العيب، فلماذا لا تحجّب الصبيان وتقيّدهم للحكمة نفسها؟.. فإذا كنت متبّعاً قول القائلين عيب الرجل على زر مداسه، فلا شأن لنا معك في البحث يا سيدي»(11).
إلا أنّ هذه الترسانة من التدابير التمييزية المغايرة لمنطق العقل، التي تُتّخذ تحت شعار تفادي الفتنة والفوضى كي لا يُفتن الرجل ويُفتن بالمرأة، أي «يريد بها الفجور» كما يقول «لسان العرب»، أو تُفتَن المرأة، فتترك الرجل يُفتن بها، لا تحول دون استشفاف أسباب أخرى مضمرة واعية أو لا واعية، تُحفّز الرجل على الحدّ من حرية المرأة وتطويقها.
الخوف من النساء
خلافاً للحجج القائلة بحماية المرأة من الرجل، والرجل والمرأة من الفتنة، تكشف التحليلات عن حجج أخرى مضمرة ليست لصالح الرجل، وتفترض خوف الرجل من النساء، على كرامته الجنسية.
إنّ الحجاب هو إشهار عفة، والعفة المتوقَّعة من النساء مرتبطة بمنظومة من المفاهيم حول قوة الرجل الجنسية، رجولته أو فحولته، وارتباطهما بكرامته. ونظراً إلى اعتداد الرجل بقوته الجنسية ومباهاته بها، فهو حريص على الاقتران بامرأة لا تكشف ضعفه الجائز، وعلى منع زوجته من التعرّف إلى رجال آخرين كتدبير وقائي، وبالتالي أصبح من العار أن يُعرَف عن الرجل أنّه ضعيف جنسياً، وليس هناك أحد قادر على الحكم على الرجل من حيث القوة الجنسية أو ضعفها إلا المرأة بالطبع. ومن هنا ينبثق خوف الرجل من المرأة. وتنطلق نوال السعداوي من هذه الفرضية لتقول:
«ومن هنا أيضاً السر في قوة المرأة الخفيّة ومحاولة المجتمع حماية الرجل منها، وذلك بتعمية عيون النساء وتغطية وجوههنّ وحجب عقولهنّ بحيث لا يُعرَف القوي من الضعيف. ومن هنا ارتفاع قيمة العذراء عن الثيب في الزواج. فالعذراء جاهلة بالرجل والجنس، أمّا الثيب فقد خبرت الجنس والرجل من قبل، ويُمكن لها أن تكشفَ القويّ من الضعيف. وهذا هو سبب انخفاض قيمة الأرملة أو المطلّقة»(12).
وبمعنى آخر، قد يكشف الإصرار على إخفاء المرأة تحت الحجاب كإشهار عن عفّة، عن رغبة الرجال بإخفاء عثراتهم الجنسية أو عدم تعريض فحولتهم للامتحان، وعن خوف ضمني من رغبات أنثوية لا يُراد الإقرار بها. ومن هذه الوجهة، يصبح الخوف على النساء وعلى الفضيلة خوفاً من النساء لا عليهنّ.
وبلغ من كره الرجل للمرأة الإيجابية القوية، أن أسقط عليها كلّ خوفه القديم، فاقترنت صفات القوة في المرأة بالشر والخطر والغموض والكيد والرياء والكذب والالتواء والإغراء والفتنة والسحر والشيطنة، فالتزم بتحجيبها وتوريتها ومُداراتها.
وهذه المسؤولية الملقاة على عاتق المرأة، لا تنطبق على النظرية القائمة على ضعف المرأة وحاجتها إلى الحماية. وترى نوال السعداوي أنّ هذا الموقف يعني «أنّ أخلاق الرجل أضعف من أخلاق المرأة، وأنّ قدرة الرجل على حماية نفسه أقلّ من قدرة المرأة، وأنّ الرجل أمام رغبته الجنسية ضعيف وأقلّ سيطرة عليها من المرأة، وأنّه إذا كان هناك من هو أقوى من الآخر فلا شكّ في أنّه ليس هو الرجل. هذا على رغم إشاعة المجتمع عن ضعفها وعدم قدرتها على مقاومة الإغراء»(13).
يستبطن هذا الموقف القائم على عدم استطاعة الرجل مقاومة الإغراء والفتنة، وعلى وجوب قيام المرأة بمساعٍ لتحييد أنوثتها وقمع رغباتها، أنّها، وخلافاً للسائد، قوية وليست ضعيفة، إيجابية وليست سلبية، وفتّاكة وليست مفتوكاً بها، وإذا كان هناك من هو جدير بالحماية فإنّه الرجل.
ولكنّ هذا الإقرار يظلُّ منحازاً، حتى يأتي على لسان كاتب جريء، يؤكّد فيه خوف الرجل من اكتشاف ضعفه، نافياً تفوّق حاجات الرجل الجنسية على حاجات المرأة، مستشهداً بتجارب وبملاحظات علمية، فيُعبّر عن استدلالاته قائلاً:
«إنّه من الشائع جداً ومن المعروف، ومن الملاحظة المتأنّية، أنّ فقدان القوة الجنسية لدى الرجل هو أكثر ما يؤرق الرجل ويبعث في نفسه الخوف والقلق، وأنّه في حاجة دائمة إلى ما يؤكّد له أنّه مكتمل الرجولة، وأنّ رجولته أو قوته الجنسية لا تقلّ ولا تضعف. وهذا يحدث للرجل أكثر ممّا يحدث للمرأة، وجاءت أقوال بعض العلماء قاصرة في وجهة نظرنا، حيث استقرّوا على أنّ الرجل هو الطرف الإيجابي في الجنس، وهو البادئ، وهو الفاعل، وعليه تقع مسؤولية الفعل»(14).
ولسعي الرجل الحثيث إلى ما يؤكّد رجولته ويحميها، وذلك على حساب تقييد الشريكة والزوجة المحتملة، يتمّ وضع استراتيجيات لإرضائه، وإرضاء جسده وكبريائه، وكأنّ هذه المرأة فاقدة الأنوثة والرغبة.
وهناك من قائل بنبرة إطلاقية وثوقية، إنّ اهتمام الرجل بالجنس أشدّ من اهتمام المرأة، وبالتالي فإنّ قلقَه على الجنس أشدّ من قلق المرأة، وإنّ طبيعة الرجل الجنسية أكثر عنفاً من طبيعة المرأة، وإنّ الرجل في حاجة إلى إشباع أكثر من المرأة. ولكنّ هذه المقولات لا تثبت أمام الملاحظات والاختبارات العلمية، فيصحّح الباحث هذه المقولات الشائعة قائلاً:
«أمّا القائلون بأنّ اهتمام الرجل بالجنس أشدّ من اهتمام المرأة، فلا يوجد له أي دليل بيولوجي. فلقد أثبت علم البيولوجيا في السنوات الأخيرة أنّ طبيعة المرأة الجنسية ليست أقلّ من الرجل وربما تزيد عليه، وذلك لأسباب ترجع إلى مراحل التطور الجنسي في الحيوانات الثديية إلى أن نتجت أنثى الإنسان (المرأة) وذكر الإنسان (الرجل)»(15).
وخلافاً للحجج الموظّفة للدفاع عن استراتيجيات تقييد النساء حمايةً لهنّ، يشهر المحلّلون حججاً أخرى تجعل من الخوف على النساء خوفاً منهنّ.
د. عايدة جوهري: أستاذة جامعية وكاتبة في اللغة الفرنسية وآدابها
الهوامش:
(1) قاسم أمين، تحرير المرأة (القاهرة: مكتبة الآداب، [د.ت.])، ص81.
(2) المصدر نفسه، ص103.
(3) نظيرة زين الدين، السفور والحجاب (بيروت، دار المدى، 1988)، ص58-59.
(4) المصدر نفسه، ص134.
(5) المصدر نفسه، ص117.
(6) القرآن الكريم، «سورة النور»، الآيتان 30-31.
(7) نظيرة زين الدين، السفور والحجاب، مصدر سابق، ص185.
(8) المصدر نفسه، ص201
(9) المصدر نفسه، ص95.
(10) المصدر نفسه، ص95.
(1) المصدر نفسه، ص139.
(12) نوال السعداوي، الوجه العاري للمرأة العربية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1977)، ص68.
(13) المصدر نفسه، ص68.
(14) محمد عوض خميس، دفاعاً عن المرأة: دراسة نفسية اجتماعية جنسية (القاهرة: دار العربي للتوزيع والنشر، 1985)، ص130.
(15) المصدر نفسه، ص132.